فادي حمادة المستشار العام لمجموعة الفطيم لـ «البيان »:

دبي تحصّن «الملكية العائلية» من الاندثار بأول تشريع عالمي

قال فادي حمّادة المستشار العام لمجموعة الفطيم، إن القانون رقم (9) لسنة 2020 بشأن تنظيم الملكيّة العائليّة في إمارة دبي الذي أصدره مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء ، رعاه الله، بصفته حاكماً لإمارة دبي، يعد الأول من نوعه في المنطقة والعالم، ويعكس رسوخ مكانة دبي السباقة دائماً في توفير بيئة تشريعية وتنظيمية حاضنة للأعمال وجاذبة للاستثمارات ومحافظة عليها.

مؤكداً أن دبي دائماً ما تستلهم روح قوانينها وتطور بنيتها التشريعية بإشراك من يعنيهم القانون، وسبق صدور هذا التشريع مناقشة مستفيضة ومعمقة مع كبرى الشركات العائلية في الدولة قبل رفع مسودته إلى اللجنة العليا للتشريعات في دبي التي بذلت جهوداً جبارة في إثرائه وإنضاجه لضمان تحقيق غايات صدوره.

وأوضح حمّادة مؤلف كتاب «الشركات العائلية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، الرهان الصعب». أن التشريع جاء ليضع إطاراً قانونياً شاملاً وواضحاً وشفافاً لتنظيم الملكيّة العائليّة في الإمارة، وتسهيل انتقالها بين الأجيال المُتعاقِبة بسُهولة ويُسر، والابتعاد عن كُل ما قد يُثير المُنازعات بين أفراد العائلة الواحدة.

مخاطر غياب التشريع

وقال: إن الشركات العائلية في المنطقة غالباً ما تكون معرضة لخطر الاندثار السريع بسبب الخلافات العائلية، حيث تشير الإحصاءات العالمية إلى أن سبع شركات من أصل عشر تفشل بالوصول إلى الجيل الثاني من الأبناء، في حين تنجح شركةٌ عائليةٌ واحدةٌ فقط من أصل عشر بالوصول للجيل الثالث من أولاد العم.

ومن المعلوم أن هذه التحديات العالمية لاستمرار الشركات العائلية تتفاقم في منطقتنا العربية وذلك بسبب عددٍ من العوامل منها الحداثة النسبية للشطر الأعظم من شركات المنطقة التي لا زالت في جيلها الأول وضعف أنظمة الحوكمة فيها وغياب الوعي لجهة مخاطر تفتت الملك لدى انتقاله بين الأجيال.

ويرى أن غياب التخطيط لانتقال الشركة العائلية ضمن إطارٍ قانونيٍ وتنظيمي مناسب بإشراف الملاك أثناء حياتهم أو بالتوافق بين ورثتهم بعد وفاتهم.

فإن ذلك يعرّض الشركات العائلية في الغالب إلى النزاعات القضائية بين الورثة حول أحقية الإدارة وآلية اتخاذ القرارات وما يستتبع ذلك من شللٍ إداري غالباً ما يؤدي إلى تقويض دعائم العمل التجاري وتهديد السلم العائلي. كذلك يؤدي غياب التخطيط إلى التفريط في أصول الشركة العائلية وتعريضها للضياع.

بيئة استثمارية نموذجية

وأكد أن قانون الملكية العائلية يوفر اليوم، للشركات العائلية في إمارة دبي بشكل خاص والمنطقة بشكلٍ عام مظلة تشريعية وإطاراً تنظيمياً قانونياً متكاملاً يمكنها من تأمين انتقال أعمالها من جيلٍ إلى آخر بنجاحٍ من خلال تمكينها من ضمان استمرارية الإدارة فيها والإبقاء على وحدة الملكية في دار العائلة، وبالمحصلة تعزيز جاذبية إمارة دبي للاستثمارات الداخلية والخارجية.

تملك الملكية العائلية

وأشار إلى إن طبيعة حق الملكية التي أتى عليها القانون هي شكلٌ من أشكال الشيوع الاختياري وقد نص القانون على ضرورة تحديد عقد الملكية العائلية لحصة كل شريك فيها بالمال الشائع. أما إذا كان عقد الملكية العائلية موقوفاً على الوفاة فتكون حصة الشركاء المستقبلية فيه بحسب نصيبهم الشرعي من التركة بالشكل الذي يقرره قانون الميراث الواجب التطبيق.

موضحاً، أن الشيوع الاختياري في ملكية الأسرة يختلف عن الشيوع العادي بطول مدته، فلا يحق لأي من الشركاء أثناء تلك المدة طلب تقسيم الملكية العائلية أو تجنيب حصته أو التصرف بها للغير أو ترتيب حق للغير عليها مثل الرهن العيني أو الرهن التأميني أو حق الامتياز.

ونص القانون على أنه كي يصح بيع الشريك لحصته للغير من غير الشركاء أو ترتيب حقٍ للغير عليها توجب عليه الحصول على موافقة شركاء يملكون ما لا يقل عن ٥١٪ من المال الشائع. وأجاز القانون للشركاء التصرف بحصصهم لبقية الشركاء بالتناسب مع حصصهم في الملكية العائلية.

فإن لم يرغب أي من الشركاء بالشراء، لم يكن للشريك الراغب بالتخارج من بدٍ إلا اللجوء إلى لجنة حل المنازعات التي قد تسمح له ببيع حصته إلى الغير إن وجدت مبرراً قوياً لذلك. ولم يفسر القانون ما الذي عناه بمصطلح المبررالقوي وترك تقدير ذلك للجنة واشترط فقط أن لا يؤثر إخراج تلك الحصة على استمرار الملكية العائلية، وهو شرط يصعب التحقق منه في حينه برأينا.

إدارة الملكية العائلية

وأفاد حمادة بأن ما ترمي إليه النصوص المتعلقة بإدارة الملكية العائلية في القانون يتركز على تنظيم انتقال إدارة وحوكمة الشركة العائلية بالشكل الذي يؤمن استمرارية آلية اتخاذ القرارات فيها ويخفف من احتمال نشوب نزاعاتٍ بين أفراد العائلة الواحدة حول أحقية الإدارة وسلطات المدير تؤدي إلى إضعاف هذه الشركات، وخاصةً أثناء الفترة الحرجة للانتقال من جيلٍ إلى آخر.

فنص القانون على جواز قيام الشركاء بتعيين مدير للملكية العائلية. كما نص على أن المدير يمكن إما أن يكون واحداً من الشركاء أو الغير كما يمكن أن يكون شخصاً معنوياً كشركةٍ مختصةٍ بالإدارة مثلاً.

ولفت إلى أن نطاق وصلاحيات إدارة الملكية العائلية هي بشكل عام مستمدة من صلاحيات إدارة المال الشائع. إلا أن صلاحيات مديرملكية الأسرة تتعدى عادةً صلاحيات مدير المال الشائع العادية في حفظ المال المشترك وصيانته لتتجاوزها إلى أعمال الإدارة غير العادية التي يدخل فيها تغيير الغرض من استخدام المال الشائع. وذلك مثل تبديل تخصيص عقارٍ من سكني إلى تجاري.

وقال: يختص مدير الملكية العائلية بإدارة المال الشائع وكالةً عن الشركاء. فيقوم بتمثيل الملكية العائلية أمام الغير وتوقيع العقود واستخدام العمالة والاقتراض من البنوك وغير ذلك من الأعمال اللازمة لنماء أصول العائلة والحفاظ عليها.

ويكون للمدير في سبيل أداء مهامه الاستعانة بمن يراه مناسباً لمعاونته. ويتوجب على مدير الملكية العائلية أن يعد تقريراً مع نهاية كل سنةٍ ماليةٍ يوضح فيه ما قام به من أعمالٍ وما حققته من أرباحٍ وخسائر، إذا ما كان ذلك المال معداً للاستخدام التجاري.

وحدد أن القانون أفسح المجال أمام الشركات العائلية بوضع نظام الحوكمة المناسب لها والداعم لاستمراريتها في عقد الملكية العائلية بما في ذلك تشكيل مجلس إدارة الملكية العائلية والذي تنعقد له في هذا الحال كل أو بعض من الصلاحيات التي يتمتع بها المدير أو تكون له سلطاتٌ مختلفةٌ عن تلك التي يتمتع بها المدير. فيقوم المجلس إما بلعب دورٍ رقابي على المدير أو يتولى دوراً مكملاً له.

كما أفرد القانون أحكاماً خاصة بحوكمة العائلة نفسها من باب الفصل بينها وبين أعمال الشركة العائلة من جهة وتعزيز روح التواصل الإيجابي بين أفراد العائلة من جهة أخرى.

فحث القانون على تشكيل مجلس للشركاء وتحديد إدارته وصلاحياته وشروط عضويته وهيكله التنظيمي والإداري والمالي مما يساهم في توحيد جهود أفراد العائلة وتنظيم أعمالهم وإدارة طموحاتهم في التعليم والعمل والانتفاع ويؤدي في النهاية إلى تقليل فرص نشوب نزاعاتٍ فيما بينهم وحلها بطريقةٍ وديةٍ لما فيه صالحهم. ويكون للشركاء أن يلحقوا بعقد ملكيتهم العائلية من الأنظمة ما هو مناسب.

انتهاء الملكية وتسوية النزاعات

وحول انتهاء الملكية قال حمّادة: إن القانون يقرر السماح بإنهاء أو انتهاء الملكية العائلية متى انتهت المدة المحددة لها في عقد الملكية العائلية وغايتها خمسة عشر عاما دون تجديد، أو اتفاق شركاء. كما تنتهي الملكية العائلية حكماً بزوال المال الشائع كما لو أتى حريقٌ على البناء موضوع الملكية العائلية ولم يكن هذا البناء مؤمناً.

كما نص القانون على أن الملكية العائلية تنتهي بصدور حكمٍ بات من اللجنة بإنهائها، دون أن يذكر القانون الأحوال التي تصدر به اللجنة مثل هذه القرارات.موضحا انه، تراعى في النزاعات التي تنشأ بين أفراد العائلة الواحدة صفة الخصوصية بينما يغلب على القضاء طبيعة العلنية.

كما تغلب على حل النزاعات العائلية صفة الاستعجال للتأثيرات السلبية التي يمكن أن يلحق استفحال هذه النزاعات واستحكامها على انسجام العائلة وأعمالها، بينما قد يطول أمد النزاع القضائي عموماً بسبب تعدد درجاته. ونص القانون على آليةٍ محددةٍ من أجل حل الخلافات الخاصة بالملكية العائلية.

فقرر أن كافة النزاعات التي تنشأ بسبب عقد الملكية العائلية سواءً كان ذلك النزاع متعلقاً بتأسيس الملكية العائلية أو ملكيتها أو إدارتها أو انتهائها أو تفسيرها أوغير ذلك يتم النظر بها من قبل لجنةٍ قضائيةٍ خاصةٍ يقوم بتعيينها صاحب السمو حاكم دبي من أهل العلم والاختصاص بمرسومٍ لاحقٍ.

تطبيق القانون

وأكد أن القانون تضمن أحكاماً لا يمكن من دونها على أرض الواقع تفعيل نية المشرع من إصدار هذا القانون. فنص على قيام كافة الجهات الحكومية والسلطات المختصة سواء كانت جهات التسجيل التجاري إذا كان موضوع العقد أسهماً أو حصصاً في شركات، أو جهات التسجيل العقاري في حال كانت الملكية الشائعة أصولاً عقارية، بتهيئة سجلاتها كي تأخذ بعين الاعتبار التغيير الحاصل في طبيعة مال الملكية العائلية من مفرزٍ إلى شائعٍ، وذلك على اعتبار أن أن تغيير طبيعة الملك من مفرزٍ إلى شائعٍ في عقد الملكية العائلية لن يكون له حجة في مواجهة الغير إلا بتسجيله.

ويتعين والحال هذه أن يشار في السجلات التجارية والعقارية وغيرها من السجلات العينية الحافظة للملكية وكافة الوثائق التي تصدر بمقتضاها إلى أن المال المشمول بعقد الملكية العائلية هو ملكٌ شائعٌ خاضعٌ لأحكام هذا القانون وأن يتم الإشارة إلى الشركاء في الملكية العائلية بصفتهم ملاكاً على الشيوع وتحديد نسبة ملكية كل واحدٍ منهم في المال الشائع.

اللوحة التشريعية

أكد فادي حمادة أن إصدار القانون جاء بمثابة ضربة الفرشاة الأخيرة في «اللوحة التشريعية» التي قامت إمارة دبي ودولة الإمارات برسمها باقتدارعلى مدار العقد الماضي من أجل دعم الشركات العائلية فيها وتسهيل عملية انتقال الملك والإدارة بين أجيالها المتعاقبة بيسرٍ وسلاسةٍ بعيداً ما أمكن عن النزاعات والخلافات، لما في ذلك من أهميةٍ لاستقرار الاقتصاد الوطني.

وعبر حمّادة عن أمله في أن يلعب صدور هذا القانون الجديد دوراً مهماً في تحفيز الشركات العائلية في دبي والمنطقة على تبنيه والاستفادة من الحلول التعاقدية المعاصرة التي يقدمها وخاصة للشركات التي تربط أفرادها علاقة وطيدة تتميز بالحكمة وبعد النظر، بعيدة عن الأهواء الشخصية الآنية، حريصة على الحفاظ على المصلحة المشتركة وصون إرث العمل العائلي لصالح الأجيال القادمة وموظفي هذه الشركات والاقتصاد الوطني بشكل عام.

7 إضاءات لأهم ما ورد في التشريع لتأسيس الملكية العائلية

1 نظام الملكية العائلية الذي نص عليه القانون هو مستوحى أصلاً من أحكام ملكية الأسرة بداية القرن العشرين في التشريعين السويسري والإيطالي، واستقاه منهما المشرع المصري في منتصف القرن العشرين ومنه المشرع الإماراتي بشكل مبتسر في قانون المعاملات المدنية رقم ٥ لسنة ١٩٨٥. وولد من رحم حاجة العائلة إلى نظامٍ اتفاقيٍ يسمح بالحفاظ على الوحدة الاقتصادية لأموال الأسرة.

2 سمح القانون لأفراد العائلة أن يتفقوا على إدخال مالٍ تملكه العائلة منقولاً كان أم غير منقولٍ في الملكية العائلية. وقد يكون ذلك المال إما تركةً ورثها أفراد العائلة مجتمعين، مثل بناءٍ أو مصنعٍ، فأرادوا الإبقاء على ملكيتها شائعة فيما بينهم، أو مالاً مفرزاً مملوكاً بالانفراد، مثل أسهمٍ وحصصٍ في الشركات، يضعه أفراد الأسرة ابتداء على الشيوع فيما بينهم وذلك بموجب عقد الملكية العائلية ضماناً لاستمراره وعدم التفريط بوحدته وحسن الاستفادة من غلته.

ولا يتوجب أن يكون المال معيناً في حينه فقد يكون مالاً مستقبلياً أو عائداً يتوقع الشركاء الحصول عليه لاحقاً، وسمح القانون أن تكون الأسهم والحصص في الشركات والمؤسسات الفردية والمدنية على اختلاف أنواعها محلاً لها، واستثنى القانون أسهم الشركات المساهمة العامة وذلك بسبب طبيعتها والغرض منها.

3 أسبغ القانون على العائلة تعريفاً واسعاً شمل الأزواج بالإضافة إلى ذوي القربى الذين يجمعهم أصلُ مشتركٌ حتى الدرجة الرابعة وكذا أزواج الشقيقات والبنات وزوجات الأشقاء والأبناء إلا إذا استثناهم عقد الملكية العائلية من تعريف الأسرة صراحةً. فليس منطقياً أن تقوم ملكية العائلة بين أولاد الخال والعم وتمتنع عن الأزواج.

4 كي تنشأ الملكية العائلية قانوناً يجب أن يكون هناك عقد مكتوب بشأنها بين أفراد العائلة. وشرط الكتابة هنا هو شرطٌ للانعقاد وليس للإثبات. بمعنى أن العقد يكون باطلاً غير منعقد إلا بتحقق هذا الشرط الشكلي .

وذلك ضماناً لاستقرار التعاملات وتيسيراً لقواعد الإثبات ومنعاً للبس والغموض في تفسير النوايا ودرءاً للنزاعات المستقبلية بين أفراد العائلة الواحدة. كما استدعى استقرار التعاملات على ضرورة توقيع عقد الملكية العائلية أمام الكاتب بالعدل. وتصديق الكاتب بالعدل هنا على عقد الملكية العائلية هو شرطٌ لازمٌ.

5 يجب أن تكون الملكية العائلية مؤقتة، وأخذ القانون بنفس المدة التي نص عليها قانون أصول المعاملات المدنية الاتحادي وهي حتى خمسة عشر عاما كحدٍ أقصى، ولكنه أكد على إمكانية تجديدها لفترات مماثلة أخرى وهو الأمر الذي كان ملتبساً في قانون أصول المعاملات المدنية.

والعبرة من التوقيت هنا هو تحقيق غرض مؤسسي الملكية العائلية في الحفاظ على أصول العائلة المشتركة من الضياع المحتمل على يد الجيل القادم دون أن تصبح هذه الملكية في نفس الوقت بمثابة حكم بالسجن المؤبد لورثتهم.

6 يجوز أن يقوم الشركاء بتعليق دخول عقد الملكية العائلية حيز التنفيذ على شرطٍ واقفٍ يتمثل في وفاة أحدهم أو كلهم، ويحل عندها الورثة محلهم بحصصهم الشرعية حسب القانون الواجب التطبيق على تركة الشريك المتوفى وقت الوفاة. والغرض من هذه المادة هو السماح للشريك في الشركة العائلية بالتمتع بملكه وغلته مفرزا طوال حياته فيما إذا أراد وقف شيوعه على ورثته بعد وفاته.

وهذا ما يطمئن ملاك الشركات العائلية ويشجعهم على توظيف أحكام هذا القانون لتنظيم انتقال شركاتهم من جيلٍ إلى آخر دون أن يضطروا إلى التقاعد المبكرأو التنازل السابق لأوانه عن الملكية.

7 قيام الشركات العائلية بتأسيس ملكيةٍ عائليةٍ بموجب أحكام هذا القانون هو أمرٌ اختياريٌ عائد تقديره لها بشكلٍ كاملٍ، فالقانون ليس إجبارياً بل اختيارياً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات