محمد الحمادي الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية:

محطة براكة تحتضن موهوبين إماراتيين وقادة عالميين في اختصاصاتهم

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تحدث المهندس محمد الحمادي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية عن أهمية بدء التشغيل الأخير لأول وحدة للطاقة النووية السلمية في العالم العربي، في مقال نشره في نشرة "أخبار العالم النووية" اليومية، وهي الخدمة التي تدعمها إدارياً وبالمشورة الفنية الرابطة النووية العالمية ومقرها في لندن، واصفاً الإنجاز بلحظة تاريخية للإمارات ومشروعاً وطنيا مهما للبنية التحتية، وبأنه تتويج لأكثر من عقد من الرؤية والتخطيط الاستراتيجي والتفاني والالتزام بأعلى معايير السلامة والجودة النووية، والتعاون المستمر مع المنظمات الدولية، ومشيراً إلى ثلاثة عوامل رئيسية مكنّت من تسليم محطة براكة بأمان في الموعد المحدد، تتلخص في اتباع لخارطة طريق واضحة، وحصد فوئد عقود من الخبرة والتجربة بالعمل مع الشركاء وأصحاب المصلحة الدوليين، وتطوير جيل من الإماراتيين الاختصاصيين الموهوبين في مجال الطاقة النووية، ومضيئاً، في السياق، على دور قطاع الطاقة النووية كمحرك للنمو والتنويع الاقتصادي وخلق الوظائف عالية القيمة، وعلى تجربة الإمارات وما تشكله من معيار جديد للدول التي ترغب في الاستفادة من الفوائد المتنوعة طويلة الأجل للطاقة النووية السلمية.

وجاء في مقاله عبر نشرة "أخبار العالم النووية": "2020 هو بالتأكيد عام محوري لبرنامج الإمارات للطاقة النووية السلمية. فقد أصبحت الإمارات أول دولة في العالم العربي تنجح في تطوير البنية التحتية الفكرية والمادية اللازمة لاستخدام الطاقة النووية من أجل توليد كهرباء الحمولة الأساسية بشكل آمن ونظيف وموثوق به. 

وتعتبر محطة براكة للطاقة النووية، وهي حجر الزاوية في برنامج الإمارات العربية المتحدة، مشروعاً وطنياً مهماً للبنية التحتية، وجزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الطاقة في الإمارات لتنويع محفظتها من مصادر الطاقة النظيفة. وعند التشغيل الكامل، ستنتج محطة الطاقة النووية المدنية ما يصل إلى 25% من احتياجات الكهرباء لدولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب الحد من إطلاق 21 مليون طناً من انبعاثات الكربون سنوياً، أي ما يعادل إزالة 3.2 مليون سيارة من الطرق كل عام. 

وقد حققنا هذا الشهر أهم إنجاز تاريخي في برنامجنا حتى الآن، وهو بدء تشغيل أول وحدة من الوحدات الأربع في محطة البراكة، وهو أول إنجاز من نوعه في دولة الامارات العربية المتحدة والعالم العربي، ولحظة تحول بارزة في انتقال الإمارات إلى مستقبل الطاقة النظيفة. 

ويمثل هذا الإنجاز المرة الأولى التي ينتج فيها مفاعل الوحدة رقم 1 حرارة عن طريق الحفاظ على الانشطار النووي بأمان. كما يأتي هذا الإنجاز إلهام في أعقاب الانتهاء من تحميل تجميع الوقود في مارس من قبل شركة التشغيل والصيانة التابع لـ "شركة نواة للطاقة". وقد تم الانتهاء من هذه الخطوة المهمة بعد حصول "نواة" على ترخيص لتشغيل الوحدة الأولى من الهيئة التنظيمية النووية المستقلة في الإمارات، الهيئة الاتحادية للرقابة النووية في فبراير. 

لكن أكثر من معلم بحد ذاته، فإن أعظم درس مستفاد هو في الطريقة التي حققت فيها الإمارات "الحالة الحرجة النووية"، وهي سلسلة تفاعلات نووية عندما يكون التفاعل التسلسلي مستدامًا ذاتيًا (أو حرجًا)، أي عندما تكون التفاعلات صفرًا. وهذا المعلم هو تتويج لأكثر من عقد من الرؤية والتخطيط الاستراتيجي والتفاني، إلى جانب الالتزام بأعلى معايير السلامة والجودة النووية، والتعاون المستمر مع المنظمات الدولية. 

لقد أظهرت فرقنا الموهوبة العاملة في براكة التزاماً لا يصدق بمواصلة العمل بأمان وثبات، وتخفيف التحديات التي تمثلها جائحة كوفيد-19 العالمية. منذ فبراير، عملنا في تعاون وثيق مع السلطات المحلية والاتحادية، وكذلك المجتمع النووي الدولي، لتطبيق تدابير سلامة قوية خاصة بكوفيد-19، وزيادة حماية موظفينا والمحطة، وتقليل أي تأثير لتفشي محتمل على تطوير محطة براكة.  

وقد مكّننا هذا النهج الذي سرنا فيه في الحفاظ بأمان على جدولنا الزمني لبدء تشغيل الوحدة الأولى، وهو ما نفخر به للغاية، ويشكل دليلاً على القدرة على الصمود والمرونة لفرق عملنا في العمل ضمن إطار عمل نشير إليه بأنه "طبيعتنا الجديدة".  

وبالنظر إلى الوراء، فقد مكنتنا ثلاثة عوامل رئيسية من تسليم محطة براكة بأمان في الموعد المحدد، وبأعلى معايير السلامة والجودة النووية. 

أولا: منذ البداية، ضمنت سياستنا المتعلقة بالطاقة النووية اتباعنا لخارطة طريق واضحة. وقد حددت سياسة عام 2008 بشأن "التقييم والتطوير المحتمل للطاقة النووية السلمية" الحاجة إلى تطوير مصادر إضافية للكهرباء لتلبية توقعات الطلب في المستقبل ودعم التنمية المستمرة للاقتصاد. 

وقد أرست السياسة التزامات ثابتة بقيت قائمة منذ ذلك الحين. وتشمل التزامات بالشفافية التشغيلية الكاملة، وأعلى معايير عدم الانتشار والسلامة والأمن. وتضمنت التزامات بالعمل مع دول مسؤولة، وكذلك التعامل مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومطابقة معاييرها في إنشاء برنامج للطاقة النووية السلمية. 

باشرنا البناء في عام 2012 وبعد ثماني سنوات، بدأت "نواة" الآن في تشغيل أول الوحدات الأربع. وقد مكنتنا السياسة الواضحة وخارطة الطريق التي أعددناها في بداية البرنامج من الانتقال من مرحلة الانشاء للوصول إلى مرحلة بدء التشغيل بطريقة آمنة وكفوءة وفعّالة. 

ثانياً، كان يعني العمل مع الشركاء وأصحاب المصلحة الدوليين أن برنامج الإمارات العربية المتحدة قد حصد فوائد عقود من الخبرة والتجربة، واستوعب كل ذلك في برنامج تطوير فعّال للغاية. 

وبصفته مشروعاً رائداً، عملت مؤسسة الامارات للطاقة النووية عن كثب مع المقاول الرئيسي والشريك في المشروع المشترك، الشركة الكورية للطاقة الكهربائية "كيبكو"، للتأكد من تلبية المحطة لجميع المتطلبات التنظيمية الوطنية والمعايير الدولية وأفضل الممارسات. ويستخدم المصنع تقنية "إيه بي آر1400" الكورية وعززتها على مدار الثلاثين عاما الماضية، والتي تم اعتمادها من قبل المنظم النووي الكوري، المعهد الكوري للسلامة النووية لاستخدامها في كوريا الجنوبية. وتمت الموافقة على استخدامها في الامارات من قبل الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، ومؤخراً من قبل اللجنة التنظيمية النووية الأميركية "إن أر سي" لاستخدامها في الولايات المتحدة الأميركية. وتظهر تلك الموافقات بوضوح أن تصميم المفاعل يطبق أعلى المعايير النووية من حيث السلامة والأداء التشغيلي. 

وفي حيث أن وحدة براكة رقم واحد هي الأولى التي تحقق بدء التشغيل بتقنية "إيه بي آر1400" خارج كوريا الجنوبية، هناك ثلاثة مفاعلات بتقنية "أيه بي آر 1400" في كوريا الجنوبية تعمل منذ عدد من السنوات، ومفاعل ثالث وهو، "الوحدة 2 لمحطة شن هانول"، من المقرر أن تحقق الحالة الحرجية النووية في وقت مبكر من عام 2021. 

وكانت التوجيهات من منظمات كالوكالة الدولية للطاقة الذرية والرابطة العالمية للمشغلين النوويين "وانو" مفيدة في الإنجازات التي تحققت في براكة. في وقت مبكر من هذا العام، أجرى فريق دولي من خبراء الصناعة النووية من مركز آتلانتا التابع لـ"وانو" تقييماً مكثفاً للجاهزية التشغيلية خلص إلى أن الوحدة الأولى في المحطة الواقعة في منطقة الظفرة بامارة ابوظبي، كانت جاهزة لبدء التشغيل. وكان استكمال التقييم الناجح لمراجعة ما قبل بدء التشغيل لـ "وانو" قد وفر اعترافاً دولياً بأن مصنعنا وطاقمنا وعملياتنا تلبي معايير بدء التشغيل الدولية. 

ثالثاً، كان تطوير جيل من الاختصاصيين الموهوبين في مجال الطاقة النووية أمراً بالغ الأهمية لنجاح البرنامج. منذ البداية برنامج الامارات، عملنا بلا كلل لتوظيف وتدريب واعتماد مواطنين إماراتيين موهوبين لضمان أن يكون لدينا خط أنابيب مستدام من المهنيين النوويين المؤهلين لمدى ال60 عاماً التي ستعمل خلالها محطة براكة. 

اليوم نحن فخورون بحقيقة أن حوالي 60% من موظفينا هم من مواطني دولة الإمارات، مهنيون أصبحوا بالفعل قادة عالميين في اختصاصاتهم. وقد شهدنا العام الماضي إنجازاً تاريخياً لجهود تنمية القدرات البشرية للبرنامج: اعتماد أول مواطنين إمارتين، ككبار مشغلي مفاعلات ومشغلي مفاعلات، وتأهيل مواطني دولة الامارات كمشغلين محللين للمحطة، ومساحو ضمان الجودة والادوار الأخرى الضرورية لتشغيل محطة البراكة. وحتى الان، تم اعتماد 72 من كبار مشغلي المفاعلات ومشغلي المفاعلات من قبل الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، من بينهم 30 من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة. 

وأضاف الحمادي: "بشكل عام، يعد قطاع الطاقة النووية محركاً للنمو الاجتماعي والأكاديمي والاقتصادي. وتدعم الطاقة النووية في الإمارات التنويع الاقتصادي من خلال إيجاد ألوف من الوظائف عالية القيمة عن طريق انشاء صناعة وسلسلة توريد طاقة نووية محلية ومستدامة. ولتاريخه، تم منح ألفي شركة محلية عقودا بقيمة 4.8 مليار دولار أميركي، مع تأهيل العديد من الشركات لتزويد خدمات ومنتجات من الدرجة النووية، مما يدل على قيمة الطاقة النووية بما يتجاوز الكهرباء النظيفة الوفيرة. 

واختتم قائلاً، فيما نواصل رحلتنا للعمليات التجارية، فإن محطة براكة وبرنامج الامارات الأوسع نطاقاً يوفران بلا شك معياراً جديدا للدول المقبلة التي ترغب في الاستفادة من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المتنوعة طويلة الأجل للطاقة النووية السلمية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات