وصف الدكتور محمد الصوان، الخبير المالي في حكومة دبي أزمة فيروس «كوفيد 19» بـ«غير المسبوقة»، مؤكداً أنه من الصعب على الشركات في ظلّها التنبؤ بنتائج أعمالها التجارية ومستقبلها.
وقال إن الجائحة تركت تأثيرات متفاوتة في الشركات، موضحاً أنها أحدثت بالمثل تأثيراً في تقرير مدقق الحسابات والمعايير المحاسبية الدولية.
وخلال محاضرة إلكترونية ألقاها الثلاثاء الماضي عبر «إنستغرام» بعنوان «تقرير مدقق الحسابات والأثر المحاسبي لجائحة كورونا»، أشار الصوان إلى أن الشركات حول العالم، ومعظمها من الصغيرة والمتوسطة التي تعمل برأس مال صغيرٍ أو محدود، تعطّلت عن العمل في بداية الأزمة، فمنها ما لم تستطع مواجهتها، ومنها ما استطاع الصمود لفترة محددة في ظل الدعم الحكومي، مشيرًا إلى أن نسبة الشركات التي قد لا تتأثر بالأزمة العالمية الراهنة، قليلة في العالم كله.
وأوضح أن أكثر الشركات المتضررة عالميًا كانت شركات السياحة والنقل والعقارات، مرجّحًا ظهور حالات إفلاس بينها في الفترة المقبلة، في حين أن هناك ما أسماها «شركات مستفيدة» مثل شركات التجارة الإلكترونية والاتصالات والتوصيل والصيدليات، وغيرها.
تحرّك
ونوّه الصوّان بتحرّك الجمعيات المحاسبية المهنية ومكاتب التدقيق العالمية الكبرى التي قال إنها حذّرت من أن للأزمة تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الشركات، وأن القوائم المالية سوف تتأثر بذلك تباعًا، والضرر الحاصل اليوم قد يزيد أو يختلف لاحقًا.
وتناولت المحاضرة تأثير الجائحة في تقرير مدقق الحسابات والمعايير المحاسبية الدولية، وبالتحديد على الأحداث اللاحقة والطارئة التي حدثت بين نهاية السنة المالية، وتاريخ اعتماد القوائم المالية، إذ تُعتبر جائحة «كورونا» المستجد، بموجب المعايير المحاسبية الدولية، حدثًا طارئًا نشأ بعد نهاية فترة إعداد التقارير، وهو ما يجعل تعديل البيانات المالية لسنة 2019 غير مطلوب من المحاسبين والمدققين، وفقًا للدكتور الصوان الذي أكد في المقابل تحمّل هؤلاء مسؤولية الإفصاح عن نتائج الأعمال التجارية المستقبلية للشركات.
واستهدفت المحاضرة شريحة المحاسبين والمدققين في القطاع الحكومي، والشركات الخاصة ومكاتب التدقيق العاملة والمرخصة، وهي الأحدث في سلسلة من المحاضرات المالية التوعوية التي يقدمها الدكتور الصوان في بثّ مباشر عبر «إنستغرام».
قرارات
وأشار الخبير المالي الحاصل على الدكتوراه في فلسفة المحاسبة والدكتوراه في إدارة الأعمال، إلى أن حكومة دولة الإمارات شأنها شأن كثير من حكومات العالم، اتخذت قرارات مهمة من أجل الحفاظ على صحة السكان عبر الحدّ من انتشار الجائحة.
وضخّت أموال الدعم في البنوك لإعادة النشاط للحركة الاقتصادية عبر رصد موازنة قدرها 256 مليار درهـم للحـدّ مـن تأثير الجائحة في المجتمـع، ووضع خطة دعم للبنوك بمبلغ 50 مليار درهم بفائدة صفرية جلّها مخصصة لقروض الأفراد والشركات، موضحًا أن حكومة دبي، في هذا السياق، قدّمت حزمة من التسهيلات شملت تجميد رسوم الأسواق وخفض رسوم الفنادق والكهرباء.
وقال: «لا شك في أن الأزمة صعّبت من مهمة المدقّق والمعايير المحاسبية وألقت بظلالها على جميع المعايير المحاسبية، في حين أن تأثيرها الأكبر سيقع على الديون، سواء بتحصيلها أو تأجيلها أو طلب المدينين إعفاءهم من أجزاء منها، كما أن التأثير سوف يطال الضمانات المقدّمة للغير، وانخفاض قيمة الموجودات والشهرة، وانخفاض قيمة الاستثمارات في شركات أخرى.
كذلك سوف تمتدّ يد الأزمة لتمسّ المخزون ومنافع الموظفين والإيرادات والضرائب والمساعدات الحكومية في دول العالم بأسره، ما سيجعل موضوع الأحداث اللاحقة ومفهوم الاستمرارية محلّ اهتمام المدققين ويضعه في دائرة تركيزهم خلال الفترة المقبلة».
لكن الخبير المالي، وهو عضو وزميل في المجمع الدولي العربي للمحاسبين القانونيين، أوضح خلال المحاضرة الإلكترونية التي تابعها العشرات من المختصين والمهتمين، أن الأزمة قد تنطوي على فرص مهمة للشركات ومكاتب التدقيق، مطالبًا العاملين في مكاتب التدقيق والشركات، بإعادة النظر في خطط تعاملهم مع المخاطر المالية الجديدة، مثل مخاطر الأوبئة والجوائح، في حين دعا إدارات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية إلى تعديل برامج عملها وإجراء مراجعات لاحقة ومتزامنة للآثار المالية التي ستخلّفها الأزمة.
بنود
كذلك حثَّ الدكتور الجهات الحكومية المالية في المنطقة على إعداد تقاريرها المالية في التوقيت المناسب، لاسيما عند وجود بنود موازنات منفصلة، اعتُمِدت للاستجابة لجهود مكافحة الجائحة، مضيفًا أن على أجهزة الرقابة المالية مراجعة معاملات حالات الطوارئ دون تأخير، وبأقل فاصل زمني، وتقييم المنفعة مقابل المال المدفوع على عمليات الطوارئ والأزمات.
وسلّط الدكتور المحاضر في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، الضوء على أهم المعايير المحاسبية الواجبة التطبيق لصلتها بالأزمة، مؤكدًا قدرة المدققين على مراجعتها، موضحًا أن بنود القوائم المالية في هذه المرحلة «لا يمكن قياسها بدقة، ولكن يمكن تقديرها فقط»، وأن مجالس الإدارة هي المسؤولة عن إعداد القوائم المالية وعرضها، في حين أن مسؤولية المدققين تنحصر في المراجعة والبحث عن الأدلة والتأكد من تطبيق المعايير المحاسبية.
كما شدّد على أهمية فهم الإفصاحات والتأكيدات والإقرارات التي أفصحت عنها الإدارة، موضحًا أنه لا يمكن للشركة أن تطوّر من أعمالها، أو تتنافس مع غيرها، من دون معرفة وضعها المالي الصادر عن مدقق الحسابات.
دروس مستفادة
لخّص الدكتور محمد الصوان أهم الدروس المستفادة من الأزمة في مجال المعايير المحاسبية كالتالي:
1. ضرورة تحديث خطط التدقيق في المستقبل، لمواجه أي مخاطر جديدة وغير متوقعة، ووضع السيناريو الأسوأ لمواجهتها.
2. فحص الأحداث اللاحقة، لاسيما حالات عدم اليقين والاستمرارية، وأن يأخذ المدقّق وقته الكافي للتعبير عن رأيه بصدق.
3. بإمكان مكاتب التدقيق رسم هدف يتمثّل في تخفيض زيارات عملائها تدريجياً عبر وضع خطة للتدقيق عن بُعد، ويقترح التخفيض بنسبة 5% سنوياً على الأقل.
4. تعزيز مهارات الاتصال والتواصل بين المدققين والشركات باستخدام التقنيات الحديثة والإنترنت، وينطبق هذا على المدقّق الحكومي.
