لعبت الإمارات دوراً مهماً في تعزيز نمو قطاع الشحن البحري خلال السنوات الماضية باعتبارها مركزاً لحركة الشحن وسلاسل الإمداد والصناعات البحرية على مستوى المنطقة والعالم، فيما من المتوقع مع العودة التدريجية للأعمال بروح جديدة وايجابية أن تقود الاستثمارات في القطاع بعد انحسار جائحة «كورونا» بفضل ما تملكه من مقومات وعوامل جذب إلى جانب مكانتها المرموقة والحيوية على خريطة التجارة العالمية.
وقال مسؤولون تنفيذيون وخبراء في القطاع، استطلعت «البيان الاقتصادي» آراءهم، إن هناك عوامل رئيسة تعزز مكانة الإمارات لقيادة النمو في القطاع البحري بفضل موقعها الجغرافي الذي يتوسط الشرق والغرب، وتطور البنية التحتية التي تربط الإمارات بمعظم المدن الرئيسة في العالم بشبكة الموانئ القادرة على استقطاب مختلف أحجام وأنواع السفن في العالم وتطور البنية التشريعية التي تواكب تطور ونمو القطاع عالمياً، إضافة إلى مواصلة الاستثمار في التكنولوجيا والخدمات الذكية حيث تعد الرقمنة مستقبل الإمارات في الشحن البحري.
وأضاف المسؤولون والخبراء إن الإمارات ستكون إحدى الجهات الرائدة عالمياً في هذا القطاع؛ حيث تلعب دوراً محورياً في قطاع الشحن البحري والخدمات اللوجستية من جهة، إلى جانب مساعدة الاقتصادات المحلية والإقليمية على التعافي بشكل أفضل والمحافظة على التنافسية في عالم ما بعد الجائحة، مشيرين إلى أن الإمارات ستكون أحد المراكز الرئيسة عالمياً في سلاسل الإمداد والتوريد، بما تمتلكه من موانئ متميزة، ومناطق حرة قيادية متميزة ببنيتها التحتية الصناعية وقدرات المستودعات والتخزين.
مستويات قياسية
وقال محمد المعلم، المدير التنفيذي مدير عام موانئ دبي العالمية - إقليم الإمارات، المدير التنفيذي لـ«جافزا»، إن جائحة «كورونا» أحدثت اضطراباً هائلاً في طبيعة العرض والطلب وبالتالي سلسلة الإمداد والتوريد بأكملها، بشكل لم يشهد له العالم مثيلاً من الحرب العالمية الثانية، واحتلت سلع معينة الصدارة في قائمة الطلب، إلى حد قيام بعض الدول بما يشبه أعمال الاستحواذ الذي ضاعف أسعارها، في حين تراجع الطلب على سلع أخرى عديدة هبطت أسعارها إلى مستويات قياسية، كل ذلك حدث بسرعة كبيرة فاجأت صناعة الإمداد والتوريد وشكلت تحولاً شاملاً في المشهد المعتاد لقطاع الشحن والمناولة بأكمله.

وأضاف إنه في ظل هذا الوضع يبرز دور موانئ دبي العالمية لتقدم مساهماتها بمواصلة الريادة في الحلول اللوجستية الذكية وتحفيز تدفق التجارة والاستفادة من الإبداعات التكنولوجية ورقمنة العمليات، كمجموعة تتميز بالانتشار العالمي في أكثر من 50 دولة، وكمُمكن رائد للتجارة، من خلال احتواء الصدمة التي تعرضت لها سلسلة الإمداد والتوريد، وتوفير البدائل لكل من المنتج والمستهلك.
وأوضح أن المناطق والأقاليم التي نعمل فيها ساعدتنا على التعامل مع أي نقص في المواد الضرورية، كالأدوية والسلع الغذائية الحيوية، فضلاً عن أن منطقتنا الحرة في جبل علي تضم مئات الشركات والعلامات التجارية العالمية في كل من قطاع الصناعات الدوائية والصناعات الغذائية، ما سمح لعملائنا بأن يضمنوا انسياباً مستقراً وثابتاً من الإمدادات من دون أي توقف. وأوضح أن العالم سيتجه خلال الفترة المقبلة إلى المزيد من التعاون في مجال سلاسل الإمداد والتوريد ورقمنة العمليات، والاعتماد بشكل أكبر على المناطق الاقتصادية المتكاملة ذات الحضور الإقليمي، والقادرة على أن تكون صمام أمان لاقتصادات إقليمية مجتمعة، وليست محصورة على نطاق كل دولة على حدة، كي تضمن الدول ديمومة حصولها على الضرورات الحيوية، والتي تعتمد بالكامل على التبادل بين الدول المختلفة، ونحن متحضرون تماماً لمثل هذا التوجه العالمي الجديد.
فرص استثنائية
من جانبه، قال المهندس إبراهيم البحيري، العضو المنتدب لشركة «وين جي دي» الشرق الأوسط، إن جائحة كورونا مثلت فرصة استثنائية للعالم لاختبار أكثر سيناريوهات الكوارث جموحاً، وبينت للعالم كم كانت طريقتها السابقة في ممارسة الأعمال والتعامل مع سلاسل الإمداد والتوريد تعاني عيوباً كبيرة قد تودي بالكوكب ونظامه البيئي ككل.

وأكد أهمية الاستدامة في التعامل مع النشاط الاقتصادي بشكل عام، ومع سلسلة الإمداد والتوريد بشكل خاص، ومن أجل ذلك يجب علينا تبني التقنيات الحديثة في كافة مراحل سلسلة الإنتاج والتوريد لضمان تخفيف الانبعاثات الضارة بالبيئة والتوجه إلى تبني التقنيات الخضراء؛ مثل محركات الوقود المزدوج أو الغاز الطبيعي بديلاً عن الفحم وزيت الوقود الثقيل.
تكنولوجيا جديدة

من جهته، قال المهندس حسين الباجوري، المدير التنفيذي لمجموعة «دولفين مارين» الشرق الأوسط، إن جائحة كورونا كشفت مدى خطورة اعتماد العالم على منطقة واحدة للتصنيع، لأنه عندما تعرضت بعض المناطق للإغلاق بسبب تداعيات «كورونا»، ضرب الشلل سلاسل الإمداد والتوريد في العالم أجمع، وشهدنا نقصاً في العديد من المواد والمنتجات الحيوية كقطع الغيار والأجهزة والمعدات الضرورية. وأكد أنه لا بد للعالم الآن من تصميم تكنولوجيا جديدة للبنية التحتية لسلاسل الإمداد والتوريد تكون متعددة المراكز، وليست أحادية المركز، ولا سيما لقطاع معدات السلامة والحماية الشخصية، والذي يحتاج توريداً ثابتاً لمنتجات لا يمكن الاستغناء عنها للقطاع البحري وصناعة الشحن.
حلول مستقبلية

ولفت الدكتور هشام عفيفي مستشار رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، المسؤول عن فرع الأكاديمية في مدينة خورفكان، إلى أن المتغيرات في قطاع الشحن البحري وسلسلة الإمداد والتوريد التي نتجت عن جائحة كورونا تعد الأعمق من نوعها خلال عقود، وقد برزت جوانب تلك التغييرات عبر عدة محاور، بدأت اقتصادية ثم ما لبثت أن تأخذ طابعاً اجتماعياً وإنسانياً وسياسياً في بعض الأحيان، وأصبح الجميع متفقاً على أن العالم بعد الجائحة ليس كما كان قبلها، وهذا ما يضع قطاع الأكاديمية البحري والمتخصص في الخدمات اللوجستية والنقل أمام مهمة كبرى، من خلال القيام بدراسات وأبحاث مستفيضة، لتقديم الحلول والرؤى المستقبلية القائمة على أسس علمية.
تجارة إلكترونية

وقالت هنادي الصالح، رئيس مجلس إدارة «أجيليتي» وفريق «أجيليتي فينتشرز»، إنه في ظل التطورات الأخيرة باتت التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية شريان حياة للمستهلكين الملازمين منازلهم وللشركات التي فقدت كافة أو بعض إيراداتها، مشيرة إلى وجودة طفرة حقيقية في المبيعات عبر الإنترنت في كافة أنحاء المنطقة ولذا يجب على الشركات إدراك الحاجة الماسة لتعزيز مبيعاتها عبر الإنترنت من خلال شركاء موثوق بهم يمكنهم توجيهها ومساعدتها على تحقيق النمو.
أداء قوي
وقال صبري عمر، مدير العمليات في شركة «شرق الدلتا» للشحن: إن قوه حركة الشحن وسلاسل التوريد التي تربط الإمارات بالعالم أظهرت أداءً قوياً خلال أزمة جائحة «كورونا»، مشيراً إلى أن القطاع ينتظره مزيد من النمو بعد انحسار الجائحة مع التركيز بشكل أكبر على التكنولوجيا لتعزيز العمليات، فضلاً عن أن الموقع الجغرافي المتميز للإمارات كحلقة ربط بين الشرق والغرب يعزز من قدرة القطاع على تجاوز أي تحديات مستقبلية.
