تناول الكثير من المتخصصين في القانون، جائحة «كوفيد-19»، على أنها قد تؤثر في الإعفاء أو التخفيف من مسؤولية والتزامات المتعاقدين قبل بعضهم البعض، والناجمة أو الناتجة عن العقود المبرمة بينهم.

فذهب البعض إلى أنها تمثل قوة قاهرة، كأحد عناصر السبب الأجنبي الذي يعفي أحد المتعاقدين أو كليهما من مسؤوليته عن عدم تنفيذ التزاماته / التزاماتهم التعاقدية، شريطة توافر شروط القوة القاهرة، كحادث مفاجئ، لا يمكن توقعه، ويستحيل دفعه.

ومن ثم فإن إخلال أحد المتعاقدين أو كليهما بالتزاماته العقدية، بسبب يرجع إلى جائحة «كوفيد-19»، فلا يجوز للطرف الآخر مطالبته بالتعويض عن الأضرار التي لحقت الأخير نتيجة هذا الإخلال، استناداً إلى أن استحالة الوفاء بهذا الالتزام، ترجع إلى القوة القاهرة، والتي أسس المشرع الإماراتي أحكام القانون فيها، على فكرة العدالة المجردة في مشاركة الدائن للمدين في الخسارة الناشئة عن الأحداث التي يستحيل معها تنفيذ الالتزام.

بينما ذهب البعض الآخر من القانونيين، إلى إنزال نظرية الظروف الطارئة / الاستثنائية، وهي لا تؤدي لانقضاء الالتزام، وإنما يرد القاضي الالتزام إلى الحد المعقول، حتى يطيق المدين تنفيذه بغير إرهاق، وهي تظهر في الالتزامات متراخية التنفيذ، التي يكون فيها الزمن عنصراً جوهرياً، سواء كانت من العقود ذات التنفيذ المستمر، كعقد الإيجار، أو من العقود ذات التنفيذ الفوري، مثل عقد التوريد أو عقد العمل.

ويشترط لتطبيق نظرية الظروف الطارئة، ثلاثة شروط، هي حصول الظرف الطارئ العام بعد نشأة الالتزام، وعدم إمكانية توقع الظرف الطارئ، وأن يصبح تنفيذ الالتزام مرهقاً وليس مستحيلاً، والإرهاق الشديد التي اعتدت به المحاكم العليا بالدول العربية، هو الإرهاق الذي يجاوز المتعارف عليه من خسارة معتادة في التعاملات العادية في الظروف العادية، بمعيار مادي وموضوعي، دون الاعتداد بالظروف الشخصية للمدين، وهذا ما يميز نظرية الظروف الطارئة، عن نظرية القوة القاهرة، التي يستحيل تنفيذ الالتزام في وجودها، وليس استحالة الالتزام، كما هو في القوة القاهرة.

فإذا كان تنفيذ الالتزام التعاقدي في ظل جائحة «كوفيدا-19» «كورونا»، ليس بمستحيل، كما هو في القوة القاهرة، وإنما مرهقاً، ففي مثل هذه الحالة، أعطى المشرع، طبقاً للقوانين العربية، الحق للقاضي للتدخل برد الالتزام إلى الحد المعقول، ومن ثم توزيع الخسارة بين طرفي العقد.

ولا جدال في أن جائحة «كوفيد-19»، تعتبر سبباً أجنبياً عن العقد، لأنه أمر خارج عن إرادة المتعاقدين، وحدث فجأة عنهم دون أن يتوقعه أي منهم، فالوباء يشبه في أثره الحروب والكوارث الطبيعية التي تمنع من تنفيذ العقد بالصورة المتفق عليها، وقد يصل تأثيرها إلى استحالة تنفيذ العقد، لذلك، وفي رأينا، أنه توجد حالات عقدية يعتبر فيها الفيروس من قبيل الظروف الطارئة التي تؤدي إلى تعديل العقد، وحالات أخرى يعتبر فيها الفيروس من قبيل القوة القاهرة.

أي أن إخلال المتعاقدين بالتزاماتهم التعاقدية بسبب يرجع إلى الوباء، يخضع إلى كل من النظريتين، ومعيار خضوعه هو مدى تأثيره في العقد المطلوب تنفيذه، فإذا كان تأثير الوباء هو الإرهاق الشديد لأحد طرفي العقد، كأن يتسبب الوباء في ارتفاع كلفة الإنتاج، أو زيادة أسعار النقل بدرجة مرهقة، فإن تأثير الوباء في العقد هنا، يعتبر من قبيل الظروف الطارئة، التي تخول لأحد المتعاقدين اللجوء إلى القاضي، بطلب رد الالتزام - أي إنقاصه - للحد المعقول، الذي يستطيع معه الوفاء بجزء من التزاماته، بينما إذا تسبب الوباء في استحالة تنفيذ العقد مطلقاً، كأن يصبح نقل البضائع مستحيلاً، بسبب غلق الموانئ و/أو المطارات و/أو الطرق البرية، فيعد ذلك قوة قاهرة، أي تعفي المتعاقد / كلا المتعاقدين، من الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية.

وقد تحصل مكتب بيكر مكنزي فرنسا، والشقيق لمكتب بيكر مكنزي حبيب الملا بالإمارات، على أول حكم من محكمة الاستئناف في كولما - فرنسا - اعتبرت فيه المحكمة عدم حضور أحد المتقاضين أمام المحكمة، نظراً للظروف الاستثنائية التي لا يمكن تجاوزها، والتي تحمل طابع القوة القاهرة، بسبب وباء كوفيد المنتشر، حيث إنه لم يتمكن من الحضور، لكونه تحت الحجر 14 يوماً، لمخالطة شخص تأكد إصابته بفيروس كوفيد-19، لتنتهي المحكمة إلى أن تلك الظروف الاستثنائية، تشكل قوة قاهرة، كونها خارجة عن السيطرة، وغير متوقعة، ولا يمكن مقاومتها، ومن ثم ثبت للمحكمة عدم إمكانية ضمان زوال خطر العدوى، والحصول على تصريح موافقة لحضوره إلى جلسة المحكمة، وأضاف الحكم ثبوت أنه لم يتوافر لأحد المتقاضين، إجراء محادثة سمعية بصرية عن بعد، وهو ما يؤكد على عدم إمكانية الحضور أو التواصل عن بعد لهذه الجلسة المحددة سلفاً.

ويثور التساؤل هنا: هل ستنتهج المحاكم العربية ذات النهج، وتنزل النظرية الفقهية وأحكام القانون للقوة القاهرة، والظروف الطارئة/ الاستثنائية، على الإخلال بالالتزامات التعاقدية، بسبب يرجع إلى الوباء من عدمه؟

مع الأخذ في الاعتبار، أن المحكمة الفرنسية أصدرت الحكم المشار إليه في واقعة إجرائية، إنما لا يوجد ما يمنع قانوناً من إنزال ذات القواعد القانونية، سواء للقوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية، على الالتزامات في العقود.