استثناء السلطات المختصة لقطاع البناء والتشييد من إجراءات العمل عن بعد لم يأت اعتباطاً، ولا محاباة للمشاريع الضخمة قيد الإنجاز، ولا لكبريات الشركات العاملة فيه، فمسيرة البناء مستمرة وتسليم المشاريع مستمر ومن الصعب تجميد مواقع البناء والتشييد، وشركات المقاولات والإنشاءات، والاستشارات الهندسية بسبب فيروس «كورونا» كما لن يكون عمل ذلك القطاع مثمراً إلا عندما يعمل عن قرب مع التزامه بشروط السلامة المتعارف عليها في المواقع الإنشائية والأخرى الوقائية التي فرضتها السلطات المعنية في مقارعتها لانتشار الفيروس.
ولا يثير عمل القطاع في الوقت الراهن أسئلة تتعلق بحماية صحة العاملين في مواقع البناء أو بالتحديات اللوجستية، فالسلطات المختصة ألزمت الشركات بتعقيم جميع الباصات المتاحة دورياً، وخفض عدد الركاب داخل كل باص لتجنب التكدسات والازدحام خلال الرحلات إلى أكثر من النصف، إلى جانب توفير المستلزمات الطبية والوقائية من مناديل معقمة ومطهرات لليدين داخل كل باص، وخلال كل رحلة يجري فحص درجات حرارة العمال الذين يتلقون إرشادات الوقاية الطبية من الفيروس.
خوذة وكمامة
وقال رجل الأعمال الدكتور أحمد سيف بالحصا، رئيس جمعية المقاولين في الدولة: من الصعب على بعض الأنشطة المباشرة في القطاع بالعمل عن بعد، لكن من السهل التقيد بالإجراءات الصارمة للسلامة، وهي اشتراطات ملزمة منذ عقود. ولعل أبرزها ارتداء العامل لخوذة السلامة والقفازات، وسيزيد عليها في الوقت الراهن ارتداء الكمامات، ومراعاة المسافات بينه وبين الآخرين، امتثالاً للإجراءات الوقائية التي حددتها السلطات العليا منعاً لانتشار الفيروس، والتي شملت تعقيم سكن العمال ومواقع العمل نفسها.

وأوضح أن الحالة الطارئة التي يمر بها العالم أسهمت في تسريع تبني الشركات للجيل التالي من الأدوات عبر الإنترنت، لكن ذلك لا يمكن تطبيقه على العمالة في مواقع البناء، بقدر ما يمكن تطبيقه في الجانب الإداري للمشاريع. وأضاف: البشر هم العمود الفقري في عمل القطاع، وبالتالي فإن تعرض العمالة لمكروه سيقود إلى كوارث تطال العمالة والمقاول وموعد التسليم ومالك المشروع، لذلك فإن ثقافة استبدال العمالة غير الماهرة بالتقنيات الحديثة بدأت تلقى آذاناً صاغية من الشركات التي كانت تفضل العمالة على التقنية توفيراً للتكاليف، كما بدأ صدى الحديث عن أهميتها واضحاً في نقاشات أصحاب المشاريع أيضاً.
فرصة سانحة
وكان تبنّي الميكنة والتقنيات الحديثة ولايزال يمثل هاجساً لدى رجل الأعمال عمر العويس رئيس مجموعة «أوميس» العاملة في صناعة البناء والتشييد، حيث يطلق دعوة بين الحين والآخر مفادها ضرورة تشجيع شركات المقاولات على تبني واعتماد الميكنة والتقينات الجديدة في تنفيذ المشاريع، إلى جانب التخصص في تنفيذ عقود المقاولات عبر توزيع بنود التنفيذ على مقاولين كل حسب تخصصه.

وينصح العويس بضرورة تقنين استخدام العمالة في المشاريع والاستعاضة عنها بالميكنة، قائلاً: إن التوسع في استخدام العمالة على خلفية إطلاق مشاريع ضخمة لا يخدم أطراف العقد، كما لا يخدم الاقتصاد في ظل التحولات التي يشهدها القطاع على صعيد بروز حلول وتقنيات تخفض في التكلفة وفي زمن الإنجاز من جهة وزيادة الجودة من جهة أخرى.
وتتطور عمليات البناء بشكل سريع ولافت، فلم تعد تحدث مرة كل عام، والسبب يكمن في سعي القائمين على صناعة البناء والتشييد لنقل المهنة إلى مستويات أعلى وبذلك تحقق مردوداً أعلى نتيجة إقبال المستهلك على تلك المنتجات، ويوجد في دبي شركات عدة تُقدّم منتجات مماثلة ومنافسة، فمثلاً شركة (Plastbau) تقدم منتجاتها من الأسمنت الخفيف الذي يساهم في تخفيض الوقت اللازم للبناء بنسبة 40% والتكاليف بنسبة %30.
خلطة سحرية
وقال المهندس عماد عزمي، رئيس شركة «إيه إس جي سي» للإنشاءات، إن تسليم المشاريع في موعدها هو تحد يواجهه المقاول، إلى جانب تحديات أخرى، موضحاً أن التحديات موجودة في كل زمن وفي كل مشروع ولا يوجد مشروع مثالي أو زمن مثالي، وربما كان أكبر التحديات التي تواجه المقاول قبل الجائحة هو الحصول على عقود لتنفيذ المشروعات، وهناك شركات مقاولات تعاني من تحصيل مستحقاتها، كما أن هناك شركات تواجه تحدي تحقيق الجدوى الاقتصادية من وراء تنفيذ المشاريع، إلا أن التحدي الراهن هو الحفاظ على الموارد البشرية وتسليم المشروع من دون تأخير يضر بكل الأطراف.

وأوضح أن شركته وغيرها من شركات الصف الأول في القطاع تنفذ مشروعات ضخمة بـ«خلطات سحرية» تضمن الحفاظ على جودة العمل والزمن القياسي وسط التحديات التي يمر بها كل مشروع على حدة لاسيما في الوقت الرهن.
مسؤولية اجتماعية
ودعا رجل الأعمال علي بن حيدر رئيس مجلس إدارة العروبة للمقاولات، إلى توفير الكمامات والقفازات لشركات المقاولات بسعر التكلفة كون عمالة البناء الأكثر استخداماً لها بوصفها من اشتراطات السلامة النصوص عليها في القوانين العمالية قبل حدوث أزمة «كورونا».

وأوضح بن حيدر أن أسعار تلك القفازات ارتفعت أضعاف سعرها المتعارف عليه، هذا إلى جانب عدم توفرها بالكميات التي يحتاجها قطاع البناء، داعياً المؤسسات الضخمة إلى خطوة مماثلة لتلك التي اتخذتها مؤخراً شركة «سوفت بنك» اليابانية للاستثمار في التكنولوجيا والتي باعت في إطار المسؤولية الاجتماعية 300 مليون كمامة طبية شهرياً بدون هامش ربح بشكل أساسي للمؤسسات الطبية اعتباراً من شهر مايو، على أمل تخفيف النقص في معدات الحماية وسط انتشار وباء فيروس «كورونا».
أهمية استراتيجية
أكد الدكتور أحمد سيف بالحصا أن لقطاع الإنشاءات والمقاولات ومواد البناء أهميته الاستراتيجية في كل الظروف، وقد أظهر القطاع مرونة عالية في التعامل والتفاعل مع الأوضاع الطارئة التي فرضها فيروس «كورونا» مع التزامه الكامل بالإجراءات الوقائية والتي فرضتها السلطات المختصة لحماية صحة وسلامة السكان عموماً والعاملين في قطاع الإنشاءات خصوصاً كونهم من القطاعات الحيوية المستثناة من بعض الإجراءات والمشمولة حتماً بباقي الإجراءات الوقائية.
