أكد أرناب داس، خبير استراتيجي في الأسواق العالمية لدى إنفسكو لإدارة الاستثمارات، أن درساً أساسياً يجب على المستثمرين تعلّمه، هو أن التغيير لم يعد مجرد عاملٍ ثابت من عوامل الاقتصاد، بل تحول إلى مسرع للأعمال، ولذلك لا بدّ من أخذه بعين الاعتبار عند اتخاذ قرارات تخصيص الأصول، مشدداً على أن الآثار الهائلة للثورة الصناعية الرابعة لا تزال تتكشف.
وقال: لطالما كان التغيير عنصراً ثابتاً في العلاقة بين الرأسمالية والاستهلاك، فقد كان جزءاً من نظريات العديد من علماء الاقتصاد، من كارل ماركس وصولاً إلى جوزيف شومبيتر، وكان له جانبان، أحدهما مظلم والآخر مشرق، وقد يحدث التغيير في بعض الأوقات بشكل تدريجي هادئ، وفي أوقات أخرى على شكل تحولات جذرية.
وأوضح أنه في الوقت الراهن، فإن التغيير يميل للحدوث جذرياً أكثر منه تدريجياً، فالثورة الصناعية الرابعة تبرز بقوة، مدعومة بالانتشار الواسع للبيانات وظهور النظم السيبرانية الفيزيائية والروبوتات، ولا ريب في أنها هي أيضاً ذات طبيعة جذرية راديكالية. وقد تركت هذه الظاهرة العالمية أثراً عميقاً على العديد من القضايا، كالنمو والتضخم والأجور والإنتاجية والتوظيف. ومن المحتمل أن يمتد تأثيرها بمرور الوقت ليشمل قرارات الاستثمار، ليس فقط على مستوى نقاط الجذب التقليدية المتمثلة في «اكتشاف الخطوة الكبيرة القادمة»، بل أيضاً على مستوى الحاجة لفهم التحوّل الشامل الذي بتنا نشهده اليوم.
موجة التغيير المثالية
وقال: شهدت إنجلترا، مهد الثورة الصناعية الأولى، نمواً هائلاً في حجم الإنتاج خلال انتقالها إلى مرحلة الإنتاج الآلي في أوائل القرن التاسع عشر، إلا أن ذلك لم يترافق مع زيادة فعلية في الأجور، والتي بقيت ثابتة بين مطلع القرن وصولاً إلى عام 1830، على الرغم من ارتفاع مستوى الإنتاجية بشكل كبير. ورغم أن الإنتاجية التي نراها اليوم لا تؤثر أيضاً على الأجور، فإن الفارق هذه المرة قد يكون أكثر حدةً.
وعلاوة على ذلك، بتنا نشهد اليوم مزيداً من التوتر والأجواء المشحونة بين مناصري أنظمة التشغيل الآلي وأولئك الذي تعرضت سبل عيشهم للتهديد بسببها. وقد أشارت بعض الأبحاث في الولايات المتحدة إلى أن سلوك الناخبين في الانتخابات الرئاسية في العام 2016، قد يكون ناجماً عن غضب العمّال الذين فقدوا وظائفهم بسبب التكنولوجيا. وفي واقع الأمر يعيش الناس اليوم حياةً أطول، ولذلك فهم بحاجة إلى العمل لفترة أطول، ويبدو أن هذا السيناريو يتعارض مع القوى الأساسية التي تقف خلف الثورة الصناعية الرابعة. وبالنظر إلى الآثار الكبيرة للجغرافيا الاقتصادية والسياسية، فهل هناك أية تدابير واقعية لمواجهة هذه العاصفة التي تبدو أنها في غاية القوة؟
تباين
وقال: يمكننا - نحن المستثمرين - أن نتوقع أن تؤدي الثورة الصناعية الرابعة إلى تباين أكبر على المستوى المحلي، حيث يتصارع السكان وواضعو السياسات مع التحول والاضطراب الناجمين عن ظهور ابتكارات تفرض تغييرات جذرية. وقد بدأت مثل هذه التأثيرات بالظهور، ومن المرجح لها أن تتزايد نظراً لأن بعض البلدان والشركات تستطيع التكيف بسرعة أكبر من غيرها.
وفي الأسواق المتقدمة، ستبقى الولايات المتحدة على الأرجح في صدارة التقنيات التحويلية، كما ستفرض أوروبا حضورها القوي، لما تتمتع به من مساحة كبيرة للابتكار في قطاعات مشاريع ريادة الأعمال الصغيرة ومتوسطة الحجم. وسوف تواصل اليابان تفوقها في المجالات التي تميز ظروفها الاقتصادية لا سيما في مجال الروبوتات
ومن المرجح أن تمهد الاقتصادات الآسيوية، خاصة الصين وكوريا، هذا الطريق بالنسبة للأسواق الناشئة، كما يتوقع احتفاظ الهند بمكانتها الرائدة في مجال نظم التكنولوجيا والاستشارات وغيرها من قطاعات الثورة الصناعية الرابعة، لكن من المرجح أن تنخفض أعمالها في مجال الأجهزة، كما ستواصل تمسكها ببناء اقتصاد زراعي كبير للغاية.
ترجيحات
ومن المرجح أن تتراجع الحصة السوقية للشركات والقطاعات التي عطلتها التقنيات الحديثة، ما سيؤدي إلى انخفاض أرباحها وارتفاع المخاطر وفروق الائتمان التي تواجهها، كما ستشهد هذه الشركات والقطاعات أيضاً ارتفاعاً في فروق مخاطر الأسهم، مع ازدياد التشكيك في مدى جدواها. وهذا ليس بالأمر الجديد، إلا أن سرعة واتساع نطاق هذه التحولات قد يجعلها مختلفة نوعياً، وربما غير مسبوقة.
