تتسابق البنوك العاملة في الدولة لجذب المزيد من ودائع المقيمين بأسعار فائدة مرتفعة تصل إلى 4% وتدفعها مقدماً عبر إيداعها في الحسابات الجارية لعملائها.
وأرجع مسؤولون وخبراء ماليون المنافسة القوية بين البنوك لجذب المزيد من الودائع إلى توقعات قوية لديها بانتعاش إقراضي خلال الفترة المقبلة، فضلا عن التوجه المتزايد لدى البنوك للاستثمار في الصكوك والسندات، إضافة إلى تقوية مراكزها وملاءتها المالية.
وأشار المسؤولون والخبراء إلى أن البنوك تجد إقبالاً جيداً من المودعين، خاصة الكبار منهم، لإيداع أموالهم بسبب ارتفاع الفائدة، إضافة إلى سهولة تسييل هذه الودائع في حالة ظهور مؤشرات قوية للانتعاش الاقتصادي.
وطبقاً لأحدث نشرة للإحصاءات المصرفية والنقدية لمصرف الإمارات المركزي، فقد واصل القطاع المصرفي نجاحه في جذب المزيد من الودائع لتبلغ 1.773 تريليون درهم بنهاية يونيو الماضي مقابل 1.684 تريليون بنهاية يونيو 2018 بزيادة 90 مليار درهم وبنمو 5.3%.
ودائع مليونية
وتكشف الإحصاءات إلى أن غالبية ودائع البنوك عبارة عن ودائع مليونية، إذ بلغ إجمالي ودائع فئات المليون درهم وما فوق نحو 1.555 تريليون درهم، تشكّل 87.7% من إجمالي الودائع، بينما استحوذت الودائع حتى 500 ألف درهم على 219 مليار درهم تشكّل نسبة 12.3%.
وجاءت ودائع فئة 20 مليون درهم وما فوق، وهي غالباً ودائع كبار المستثمرين في الترتيب الأول للودائع من حيث القيمة، إذ بلغت 1.043 تريليون درهم تشكّل نسبة 58.8%، تليها ودائع فئة مليون درهم إلى 5 ملايين درهم في الترتيب الثاني بقيمة 218 مليار درهم وبنسبة 12.3%، ثم ودائع فئة من 5 ملايين درهم إلى 20 مليون درهم بإجمالي 209 مليارات درهم وبنسبة 11.8%.
أما ودائع صغار المستثمرين، وهي الودائع فحتى 250 ألف درهم، فقد جاءت في الترتيب الرابع بإجمالي 145 مليار درهم وبنسبة 8.2%، تليها ودائع فئة 500 ألف درهم إلى مليون درهم في الترتيب الخامس بإجمالي 87 مليار درهم وبنسبة 4.9%، وأخيراً فئة 250 ألف درهم إلى 500 ألف درهم بإجمالي 71 مليار درهم وبنسبة 4%.
نمو إيجابي
وأشارت الإحصاءات إلى أن جميع فئات الودائع شهدت نمواً إيجابياً خلال العام (يونيو 2018 - يونيو 2019)، وكانت ودائع فئة 20 مليون وما فوق هي الأكثر نمواً، إذ ارتفعت من 973 مليار درهم إلى 1.043 تريليون درهم بزيادة 70 مليار درهم وبنمو 7.4%، كما ارتفعت الودائع فئة المليون درهم إلى 5 ملايين درهم من 209 مليارات درهم إلى 218 مليار درهم بزيادة مقدارها 8 مليارات درهم وبنمو 3.8%، وارتفعت ودائع فئة 5 ملايين درهم إلى 20 مليون درهم من 205 مليارات درهم إلى 209 مليارات درهم بزيادة 4.3 مليارات وبنسبة 2.1%، وكذلك ودائع من 500 ألف درهم إلى مليون درهم من 83 ملياراً إلى 88 مليار درهم بزيادة 3.8 مليارات درهم وبنسبة 4.6%، وودائع فئة 250 ألف درهم إلى 500 ألف درهم من 68 مليار درهم إلى 71 مليار درهم بزيادة 2.4 مليار درهم تعادل 3.5%، وارتفعت ودائع من درهم إلى 250 ألف درهم من 144 مليار درهم إلى 145 مليار درهم بزيادة 1.4 مليار درهم بنمو 1%.

عوائد مرتفعة
ويفسر أحمد يوسف، مدير الخزانة في مصرف الإمارات للتنمية والخبير المالي، زيادة الودائع، خاصة ودائع 20 مليون فما فوق إلى ارتفاع أسعار الفائدة عليها، علماً بأنها العليا في المنطقة، خاصة الودائع ذات الأمد الطويل (3 سنوات)، مشيراً إلى أن أصحاب هذه الودائع، وهم من كبار المستثمرين، يفضلون إيداع أموالهم في البنوك، تحسباً لانتعاش اقتصادي قوي، مما يسهّل عليهم تسييل هذه الودائع واستثمار أموالها.
ولفت إلى أنه على الرغم من تراجع متوسط العوائد على الودائع في الإمارات العام الجاري مقارنة بالعام الماضي الذي بلغت فيه 4.5%، فإن العوائد التي تطرحها حالياً البنوكوتتراوح بين 2.5 % إلى أكثر من 3.5 % حسب البنوك وتعتبر نسبة جيدة.
وشدد أحمد يوسف على أن زيادة «الودائع المليونية» في بنوك الإمارات طبيعية وليست مقلقة، لافتاً إلى أن الودائع ما زالت هي الوعاء الاستثماري الأكثر عائداً وأمناً في ظل سوق تشهد تقلبات، وبلا شك هناك تخوّف لدى صغار وكبار المستثمرين من الأوضاع الاقتصادية العالمية، فضلاً عن أن سوقي العقارات والأسهم، وهما أهم أسواق الاستثمار في الإمارات في حالة تباطؤ، خاصة مع تراجع الإيجارات السكنية، فضلاً عن تقلب أسواق الأسهم.
السندات والصكوك
ويرى مدير إدارة الخزانة في مصرف الإمارات للتنمية أن الاستثمار في السندات والصكوك يتزايد، وهو مجال واعد انتبهت له البنوك العاملة في الدولة، وتدعم إحصاءات أصدرها المصرف المركزي أخيراً، إذ أشارت الإحصاءات إلى أن غالبية استثمارات البنوك البالغة بنهاية أغسطس الماضي 384.3 مليار درهم، توجهت للاستثمار في السندات سواء سندات الدين أو السندات المحفوظة حتى تاريخ الاستحقاق حيث زادت بنحو 41.4 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى، لتصل إلى 333.5 مليار بنهاية أغسطس مقابل 292.1 مليار درهم بنهاية ديسمبر، وقفزت حصة السندات لتشكّل 86.8% من إجمالي استثمارات البنوك بنهاية أغسطس، وزادت البنوك استثماراتها في الأوراق المالية التي تمثل ديوناً على الغير من 210.9 مليار درهم بنهاية ديسمبر الماضي إلى 239 مليار بنهاية أغسطس الماضي بزيادة 28 مليار درهم وبنمو 13.3%، وعلى أساس سنوي بنمو 19.7%، كما زادت البنوك استثماراتها في السندات المحفوظة حتى تاريخ الاستحقاق إلى 91.5 مليار درهم بنهاية أغسطس مقابل 81.2 مليار بنهاية ديسمبر بزيادة 10.3 مليارات وبنمو 12.7% وعلى أساس سنوي بنسبة 19.9%، بينما تتأرجح استثمارات البنوك في الأسهم بين الزيادة والنقصان الطفيف بنسبة 1%، ورفعت البنوك استثماراتها في الأسهم إلى 10.2 مليارات بنهاية أغسطس مقابل 10.1 مليارات بنهاية ديسمبر بزيادة 100 مليون درهم تشكّل نسبة 1%.

استثمار صعب
لكن أسامة آل رحمة، الرئيس التنفيذي لشركة الفردان للصرافة نائب رئيس مجلس مجموعة الصيرفة والتمويل المالي، يرى أن الاستثمار في السندات والصكوك بالنسبة إلى المودعين صعب، وليس محبباً لديهم، لأسباب عديدة، أن غالبية الإصدار تكون خارج الدولة، ولا يتوافر لدينا إلى الآن سوق محلي قوي للسندات والصكوك.
وأضاف أن أوضاع الاقتصاد العالمي تلقي بظلالها على هذا السوق، إذ يصعب تقييم العائد بصورة دقيقة، خاصة أن الوضع في العالم، خاصة أوروبا، صعب جداً، ووصل أخيراً إلى الفائدة السلبية، إذ لا تمنح البنوك هناك فائدة على الأموال المودعة لديها، بل تحصل على أموال من المودعين نظير ودائعهم، أي العائد سلبي.
وقال أسامة آل رحمة إن الأوضاع الاقتــصادية العالمية والإقليمية الحالية تدفع المستثمرين، ســـواء كانوا كباراً أم صغاراً، إلى إيداع أموالهم في البنوك العاملة في الدولة، خاصة مع وجود عائد جيد، إذ تتنافس البنوك في جذب المزيد من الودائع لتقوية ملاءتها المــالية، إضافة إلى استعدادها بشكل جيد للإقراض القوي في حالة دخول الاقتصاد مرحلة جديدة من الانتعاش.

الملاءة المالية
ويرى نجيب الشامسي، الخبير الاقتصادي، أن زيادة الودائع المصرفية عامل إيجابي جداً، إذ تؤكد جاذبية النظام المصرفي في الإمارات وتمتعه بالأمان وقوة الملاءة المالية، مشيراً إلى وجود منافسة قوية بين البنوك لجذب المزيد من الودائع بأسعار فائدة بين 2.5% إلى 4%، مع إيداع العائد مقدماً في الحسابات الجارية للعملاء، وهذا أمر جيد جداً، خاصة في حالة الوضع الاقتصادي الحالي، ويرى غالبية المودعين أن تدنّي معدلات العوائد على قطاعات الاستثمار الأخرى، مثل العقار والأسهم والجميع، يزيد ودائعه تحسباً لانتعاش اقتصادي، مما يدفعهم إلى تسييل ودائعهم بشكل سريع للفوز بفرص استثمارية، ولا شك أن أوضاع القطاع العقاري ستتحسن مع اقتراب «إكسبو 2020 دبي».
ويؤكد أن ودائع 20 مليون وما فوق هي القوة الضاربة في البنوك، مشيراً إلى أنه في حالة الانتعاش الاقتصادي ستتحرك هذه السيولة الضخمة للسوق وسيكون انتعاشه سريعاً للغاية، وكبار المستثمرين يترقبون، وهو الترقب نفسه الذي تعيشه البنوك ويدفعها إلى زيادة شهادات إيداعها لدى المصرف المركزي، وفتح مجالات جديدة للاستثمار لديها.
