كذبة دور الإنسان في تغيّر المناخ.. هل تنجح محاولات إنعاشها؟

لم يكن أحد يتصور أن الولايات المتحدة من خلال انسحابها من اتفاق باريس للمناخ قد كتبت النهاية لهذه اللعبة التي عزفت لأكثر من 30عاماً بين اجتماعات وورش عمل ومفاوضات فنية، وأخرى على مستوى رؤساء الدول، إلى أن وصلت لمبتغاها بمباركة العديد من الدول، وباستخدام الغرب وسائل الإقناع؛ الاختياري منها أو الإجباري.

ولم نتفاجأ كثيراً حينما ظهر تقرير اللجنة الدولية العلمية والمعروفة لتبث الهلع عالمياً من أن العالم على وشك الانهيار مناخياً (IPCC) بفعل النشاط الإنساني، وأنه ما لم يتم التنفيذ الحرفي لاتفاق باريس للمناخ وتشديد الالتزام به، فإن كل الكوارث المناخية من ارتفاع سطح البحار والتصحر والفيضانات وذوبان الجليد ستحل خلال العقد المقبل بدلاً من توقعها الأول بأنها ستكون عام 2100.

لا أحد ينكر أن المناخ العالمي يتغير، ولكنها تغيرات طبيعية حدثت وتحدث عبر ملايين السنين بين عصور جليدية وأخرى حرارية، ولم ولن يكون للنشاط الإنساني أي دور في هذه التغيرات. وحتى إذا سايرنا اللجنة الدولية بأن غازات الاحتباس الحراري وزيادة تركيزها في الغلاف الجوي هي السبب في تغير المناخ.

فإننا لا نجد مبرراً لاختيار غاز ثاني أكسيد الكربون وحده دون بقية الغازات لتركيز الجهود في مواجهة تغير المناخ، بالرغم من أن الغازات الأخرى أكثر تركيزاً وأشد حدة وأطول بقاءً في الغلاف الجوي ولكن «إذا عرف السبب بطل العجب».

غاز ثاني أكسيد الكربون مرتبط بانبعاثات الوقود الاحفوري، ويأتي النفط ليثمل هدفاً لدى الدول المعتمدة على استيراده، وبالتالي فقد اختصر اتفاق باريس كل هذه الحقائق العملية في كونه «اتفاق طاقة» يستهدف قطاع النفط وإلى حد ما الفحم، ولا غير ذلك. ولا أعرف كيف قبلت به الدول المنتجة للنفط في الوقت الذي تنص مبادئ اتفاقية تغير المناخ والتي أبرمت عام 1992 على أن تكون الإجراءات شاملة لكل غازات الاحتباس الحراري وفي كل القطاعات الاقتصادية وليس فقط قطاع الطاقة.

ومن تابع المفاوضات الدولية يعرف كيف استماتت دول الأمازون مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي وغيرها في عدم إدراج اتفاق باريس للمناخ مسألة قطع الغابات وحرقها، والتي تبعث كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون. وتعاون الغرب معهم كسباً لعدم وجود اعتراضات منهم. ويمكن تغيير مسمى اتفاق باريس للمناخ ليصبح «اتفاق باريس للتخلص من النفط».

والضحايا الرئيسيين للاتفاق هم الدول النامية المنتجة للنفط.

وفي أحدث الدراسات المنشورة، فإن الخسائر المتحققة من جراء تطبيق اتفاق باريس للمناخ تصل إلى 2 تريليون دولار بحلول 2030. والدول الغربية لا هي ستقدم المساعدات المالية والتقنية الكافية.

ولا هي تقبل بمبدأ رئيسي يتمثل في «تباين المسؤولية بالرغم أنها مسؤولية مشتركة»، وتريد أن تتساوى في الجهد في الحد من استهلاك الوقود الاحفوري مع الدول النامية بالرغم من مسؤوليتها التاريخية في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

اتفاق باريس هذا أحدث هزة في سوق الطاقة العالمية، وسرّع التحول التدريجي عن النفط، وتم ربط كل المساعدات الدولية من خلال المؤسسات التي تسيطر عليها دول الغرب فقط في تمويل هذا التحول بعيداً عن النفط. بل ويحرص البنك الدولي وصندوق النقد إلى الاشتراط على الدول بعدم الاستثمار في اكتشاف مزيد من النفط والتوجه نحو الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.

وكدول منتجة للنفط ليس لدينا اعتراض على الاستثمار في الطاقة المتجددة إطلاقاً بل من يرى جهود المملكة السعودية ودولة الإمارات في هذا المجال يعرف تماماً مدى تطلعنا لهذه الأنواع من الطاقة والمزايا الاقتصادية المتوقعة منها سواءً في توفير وتصدير النفط الذي كان يستخدم لتوليد الكهرباء أو البيئة المحلية النظيفة أو القدرة الإنتاجية الكبيرة التي ستكون لدينا باستغلالنا للطاقة الشمسية التي تطل علينا على مدار «الأربع والعشرين ساعة».

نحن كدول منتجة للنفط لا نطالب بوقف هذا التغيير الدولي، فللأسف قد مضى القطار وتهاونا في تحقيق التوازن المطلوب لاتفاق باريس استناداً لمبادئ اتفاقية تغير المناخ الدولية، ولكنها فرصة لنا للمطالبة بتحقيق هذا التوازن قبل البدء في التطبيق، كما طالبت الولايات المتحدة في تبريرها لانسحابها من اتفاق باريس، والذي صدم الغرب بشكل رئيسي.

دول الاتحاد الأوروبي لم تفق بعد ولن تفق من هذه الصدمة التي فجرها الرئيس ترامب، وهي تحاول تبني كثير من الاستراتيجيات الهادفة إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق مثل محاولات عزل ترامب، ومن رأى الرئيس الفرنسي وهو يصرخ في الأمم المتحدة ويطالب بمقاطعة أميركا تجارياً يضحك ملء رئتيه، وهو الذي يسترحم أميركا أخيراً بأن لا تفرض رسوماً جمركية على دول الاتحاد الأوروبي.

* مستشار اقتصادي ونفطي دولي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات