براً في لوحات الطرق وجدران ناطحات السحاب، وجواً في شاشات الترفيه بالطائرات، وسايبرانيا في وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني وعبر الهواتف النقالة، تدور رحى معركة التنافس بين المطورين العقاريين، كبيرهم وصغيرهم، للفوز بشريحة الراغبين بتملك منزل العمر.

بالمقابل زاد «دلال» المستثمرين وتأنيهم وصمودهم أمام «مغريات» بعض العروض العقارية التي أوشك أحدها أن يقول مبالغاً: «خذها مجاناً».!! وعلى الرغم من تزايد حدة ذلك التنافس الذي لا يقر به المطور فإن السوق لم يصل مرحلة «كسر العظم» في أسعار البيع.

وهناك عدة عوامل تحكم السوق فلا يذهب صعوداً ليحترق بنار المضاربات، ولا يهبط نزولاً ليحترق بنيران حرق الأسعار. الكل يجمع على أن سوق العقارات اليوم ناضج ويحكمه العرض والطلب.

فلم يعد هناك مضاربون ينقلون الأسعار إلى قمة جبل إيفرست. وحبال التطوير العقاري ليست على الغارب، لذلك ليس غريباً أن يتعاطى المطور الجاد مع متطلبات السوق بمسؤولية. والمسؤولية تقتضي إرضاء المستثمر بمسكن سعره حسب جودته وثمنه موزع على دفعات مريحة.

استجابة ومكابرة

بعض المطورين المحترفين استجاب لدورة السوق، والبعض الآخر لا يزال يكابر. المطور الذي يكابر متناقض، يعلم الناس أن الاستثمار في العقار هو استثمار على المدى الزمني الطويل، لكنه يطوي جدول السداد إلى أضيق فترة زمنية عندما يتعلق الأمر بأرباحه.

التنافس للفوز بثقة المستثمرين الراغبين بشراء مسكن العمر يتزايد ويعلو، وأكثر الداعمين لهذا التنافس والتحول الجذري في طبيعة السوق العقاري ومحركاته هي دبي نفسها ودوائرها المعنية بالقطاع العقاري، إذ إن التنافس المستعر بين المطورين وتقديمهم أسعاراً تنافسية وجداول سداد مرنة يعد سبباً جوهرياً في زيادة تنافسية المدينة وجاذبيتها للعيش والعمل.

طبخات عقارية

تشهد الأجواء في السوق العقاري تنافساً أقل ما يوصف بأنه «ساخن» بفعل التغيير الذي رافق خطط التسويق والبيع التي «تطبخها» الشركات الكبيرة و«تحاكيها» الشركات الصغيرة، والهدف الأغلى عند الطرفين هو الفوز بأكبر عدد من المشترين الطامحين لشراء عقارات في مناطق التملك الحر.

يزداد ذلك التنافس لثلاثة أسباب، أولها نضج المشتري والسوق، والثاني كثرة الخيارات المعروضة عليه وتأنيه في الشراء، أما السبب الثالث فيكمن في تزايد عدد المشاريع العقارية التي ترجح كفة المعروض على الطلب في الوقت الراهن بعد عامين من نقص الإمدادات في سوق السكن تحديداً.

ردة فعل

جاءت ردة فعل المطورين على تغير سلوك المستثمرين ومعطيات السوق الحالية عبر «جرعات» يضخها المطور الفرعي قبل المطور الرئيس، وتتجلى صورها في عروض تشجع على الشراء بدفعات حجز تبدأ من 1% أو ما بين 2000 و9000 درهم، مروراً بالتثمين العقاري المجاني للمشتري، والإعفاء الكامل من رسوم الخدمات والصيانة، ثم تصبح العروض أكثر إغراء بأسعار العقارات وجداول سداد الدفعات التي قد تستمر لسنين عدة بعد استلام العقار.

هناك من يتحفظ على بعض العروض العقارية الحالية رغم أن الكثيرين يعتقدون أنها مغرية وتمثل فرصة ثمينة لتمكين المشتري من فئة ذوي الدخل المتوسط تحديداً من شراء العقار بدل استئجاره. وهذا رصد أجراه «البيان الاقتصادي» لآراء بعض العاملين في السوق.

ضمانات

ولطالما أعلنت دائرة الأراضي والأملاك في دبي أنها لا تتدخل في عروض أسعار بيع العقارات التي تطرحها الشركات العقارية، لأن ذلك يتعارض مع اختصاصات الدائرة ومفهوم وآليات السوق الحر التي تدار بها دفة الشأن الاقتصادي في الإمارة، لكن «الأراضي» تتدخل بقوة للتأكد من استكمال المطور لشروط البدء بالبيع وفق آليات قانونية تنأى بالسوق عن الفوضى وتضفي على تعاملاته متانة أعلى وشفافية أكبر.

ويشدد سلطان بطي بن مجرن، مدير الدائرة، في مناسبات عدة على «أن الدائرة تراقب عمليات وآليات البيع وليس أسعار البيع، لأن السلعة العقارية بالنهاية هي سلعة المطور ويطرحها بالسعر الذي يحدده هو وفقاً لمصالحه المبنية على الجدوى الاقتصادية التي تحيط بكل تكاليف عمليات البناء والتشييد والإدارة وغيرها لتفضي في النهاية إلى قرار تحديد سعر البيع».

ودائماً ما يرى بن مجرن أن «الدائرة بعد أن تمكنت بقوة من النهوض باختصاصاتها في التوثيق والتسجيل وحفظ الحقوق العقارية لم تتأخر في تشجيع الجميع على الاستثمار في العقار بوصفه القناة الاستثمارية الأكثر أمناً والأعلى عائداً وربحاً على المدى البعيد، وهي بذلك تشجع المطور على طرح أسعار تنافسية وفق مصالحها، لكنها في الوقت ذاته تشجع المشتري على أن يتأكد من جملة شروط قبل الشراء، كأن يطلع المشتري على سمعة وتاريخ الشركة في تسليم المشاريع والجودة التي تنفذ بها مشروعاته والتأكد من الموقف القانوني للشركة وما إذا كان المطور ومشروعاته السابقة والحالية مسجلة في سجلات المطورين والمشاريع من عدمه، إضافة إلى التأكد من وجود حساب ثقة للمشروع لضمان إيداع أمواله أو استردادها لاحقاً في حال مخالفة المطور لأن ذلك من القوانين العقارية التي تجيز تجميد وتصفية المشروع».

لكن بن مجرن في آخر حديث له عشية الإعلان عن قوانين عقارية لتنظيم سوق التأجير ذهب إلى تأكيد أن «أغلى المشترين اليوم أكثر نضجاً وأكثر صبراً ولا يستعجلون الشراء قبل التأكد من سمعة المطور ووضعه القانوني في السوق، وقبل ذلك التزامه بالقوانين العقارية وآليات دائرة الأراضي والأملاك في دبي».

وأثنى علي راشد لوتاه، رئيس مجلس إدارة نخيل العقارية، على التغيير الجذري الذي رافق سلوك أغلب شركات التطوير العقاري، على صعيد مراجعة أسعار البيع وطرح أسعار تنافسية بدفعات وجداول سداد مرنة، لكن لوتاه أبدى تحفظه على بعض العروض وإن بدت تنافسية، لأنها قد «تغري» الراغبين في الشراء من ذوي الملاءة المالية الضعيفة وتجعلهم أمام تحديات لا تظهر عند فرحة الشراء، بل عند التعثر في السداد.

داعياً شركات التطوير العقاري إلى تمكين المشتري من امتلاك منزل أحلامه، وقال إن الشركة التي تقدم عروضاً تقوم على سداد دفعات أولية بقيمة لا تتجاوز 1% من قيمة العقار هي أدرى بمصلحتها وأعلم من غيرها بقدرتها على الالتزام.

وأضاف لوتاه: نأمل من المطورين ونعمل مع العديد منهم على عدم الإخلال بتوازن سوقي الإيجار والتملك، لأن دفع المستأجرين لكي يصبحوا ملاك عقارات يجب أن يكون عبر التمكين. وقال في كل مدينة في العالم هناك مالك عقار وهناك مستأجر، وقد يكون من غير المفهوم أن يصبح السوق العقاري عبارة عن سوق للبيع فقط. وتساءل «كيف سيكون المشهد إذا أصبح الكل ملاك عقارات؟» مجيباً «قد يؤثر ذلك على قرار كثيرين يشترون العقارات لأغراض استثمارية عبر تأجيرها للغير».

مصلحة السوق

أشار أحمد المطروشي، العضو المنتدب لشركة إعمار العقارية، إلى أن التنافس في السوق العقاري أمر ضروري وجوهري، ووصف بعض العروض العقارية المغرية بأنها «لا تحرج شركة بثقل إعمار ولا تؤثر على مبيعاتها».

ورداً على سؤال لـ «البيان الاقتصادي» حول ما إذا كان استياء كبار المطورين من هذه العروض ناجماً عن تراجع مبيعات أولئك المطورين وتراجع تنافسيتهم مقابل مطورين فرعيين حديثي العهد بسوق التملك الحر؟ أجاب المطروشي بأن البعض يخطئ إذ تصور أننا منزعجون أو نشعر بالحرج من بعض المطورين الذين يطرحون جدولَ سدادٍ مغرياً ينافس عروض كبار المطورين، موضحاً أن من بدأ عروض الأسعار المخفضة أو جداول السداد المرنة هي إعمار قبل غيرها.

مزايا

أما مروان الكندي، المدير التنفيذي للمبيعات في مجموعة دبي للعقارات، فقد أثنى على التنافس في السوق العقاري ووصفه بالخطوة الجيدة، موضحاً أن القطاع العقاري كان وما زال مشجعاً لمستويات المنافسة العالية التي تظهر جليّاً في أحدث تقارير للسوق العقاري في دبي، التي تشير إلى وجود تحول تدريجي من كونه سوقاً يقوده المستثمرون والبائعون بشكل رئيس إلى سوق يتميز بالعديد من الخصائص، ومنها الحاجة إلى تحقيق التميز في خدمة العملاء.

وحول قيام بعض المطورين بعرض خصومات على رسوم التسجيل العقاري البالغة 4% قال الكندي: تعد رسوم نقل الملكية الخاصة بدائرة الأراضي والأملاك بدبي، التي يُطلق عليها اسم «عقود» وتبلغ قيمتها 4% من السعر الأصلي الصافي، جزءاً من جميع التكاليف الإضافية التي تُحسب عند شراء العقار. وتلجأ بعض شركات التطوير العقاري عادةً إلى تغطية هذه الرسوم بشكل جزئي أو كلي ضمن عروضها الترويجية، لكن من الجدير بالذكر أن عملية الاستثمار العقاري هي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

تحديات

مات جرين، رئيس قسم الأبحاث والاستشارات في دولة الإمارات لدى شركة سي بي آر إي الشرق الأوسط، له وجهة نظر تقول إنه مع اقتراب معرض إكسبو 2020، يواجه المطورون تحديات جمة للحفاظ على مستويات المبيعات، وخاصة مع تزايد أعداد المشاريع المعروضة على الخارطة. وفي محاولة لمعالجة هذه القضية، يظهر المطورون مرونة أكبر في شروط الدفع، بهدف تشجيع المستخدمين النهائيين والمستثمرين على الشراء. وينصب التركيز الرئيس على خطط الدفع المؤجلة، التي توفر للمشترين فرصة الشراء الآن ودفع القسم الأكبر من التكاليف عند الانتهاء أو ما بعده.

سلوك المشتري

أما ميليسا ماكرلي، مديرة مبيعات لدى دوبيزل العقارية، فترى أنه في المقام الأول قد يختار المستثمر الشراء على الخارطة للاستفادة من الزيادة المتوقعة لرأس المال خلال فترة التشييد. وقد يرغب حتى في البيع والاستفادة من ارتفاع القيمة قبيل الانتهاء الفعلي من البناء، وبالتالي التقليل من حجم رأس المال المُقيّد، إلا أنّ هذه الخطوة لا تخلو من المخاطر، نظراً لكونها تدفع المستثمر لأن يبقى مُلزماً بخطة الدفع حتى لو شهد السوق انخفاضاً في الأسعار، وقد يُضطر إلى خسارة مبلغ كبير عند البيع إذا لم يكن قادراً على متابعة تسديد الأقساط.

وحظي هذا النوع من الاستثمار برواج كبير في دبي على مدى السنوات الـ 15 الماضية. وبحسب دائرة الأملاك والأراضي في دبي، فقد شهد سيتي سكيب جلوبال نسخة عام 2017 زيادة بنسبة 186% في مبيعات الوحدات على الخارطة.

تسويق

يعد المعروض العقاري المتزايد في السوق والأسعار المعتدلة غير المبالغ فيها هي التي تحرك شركات التطوير العقاري لتحديد عدد الدفعات وقيمة كل دفعة وزمن السداد، لكن يمكن القول بأن السوق العقاري في هذه المرحلة لن يقدم المزيد من العروض، لكنه سيعيد إنتاجها بطريقة أخرى من خلال برامج تسويق تستهدف بالدرجة الأولى إقناع المشتري بالاستثمار في هذا المشروع أو ذاك.

سداد مرن من 10 دفعات

تطرح أغلب الشركات العقارية ما يوصف بجداول السداد المرنة والتي تتكون من 10 دفعات، أغلب الدفعات تبدأ إما بنسبة 1% أو 5% والبقية 10% من سعر الوحدة العقارية، جزء كبير من سعر بيع الوحدة العقارية تسدد بعد التسليم بعامين حتى 4 سنين. وهناك جداول سداد تستمر لعشر سنوات، رغم أنها محدودة ولم يتجرأ على طرحها غير شركتين فقط.

مكونات

وتقوم العروض التنافسية على عدد من المكونات.

وتتضمن تلك المكونات أولا تجزئة الدفعات في جداول السداد

شهد السوق العقاري في عام 2004 عروضاً تنافسية على صعيد جدول الدفعات، لكن المضاربات أفرغتها من محتواها. واليوم تعود تلك الجداول لكنها تستهدف المشتري النهائي أو المستخدم النهائي مع هامش بسيط جداً لا يتجاوز 5% لحركة المضاربين وهي نسبة معقولة في السوق الذي أصبح يشهد معروضاً كبيراً في العقارات الجديدة تحت الإنشاء.

نسبة الدفعات

كما تتضمن نسبة الدفعات في جداول السداد.ونسبة الدفعات متغيرة حسب طبيعة المشروع وضخامته وسعر بيع الوحدة العقارية (فيلا أو شقة سكنية) من جهة وبين قدرة المطور على البدء بتنفيذ المشروع من دون انتظار تمويل جزء منه عبر عمليات البيع المباشر.

فكلما كان المشروع ضخماً تراجعت قيمة الدفعة الأولى، فمثلاً هناك مشروعات تحدد الدفعة الأولى بخمسة في المئة وفي كل الأحوال لا توجد شركة تخاطر بتحديد قيمة الدفعة الأولى بأكثر من 20%، بل في أكثر الأحيان بأكثر من 10%. ويبقى الحديث عن بعض الشركات التي تسوّق عقارات بدفعة أولى لا تتجاوز 1% مسألة تسويقية لا أكثر.

جدول زمني

وتعتمد الشركات العقارية الجدول الزمني للدفعات حيث اتجهت أغلب الشركات العقارية إلى مرونة كبيرة في المدة الزمنية المطلوبة لسداد كامل الدفعات. فبالنسبة للدفعات التي لا تتجاوز أغلبها 10% تمتد إلى إرجاء جزء كبير من قيمة العقار إلى ما بعد التسليم بعامين أو 3 أو حتى 4 أعوام. وهذه تحدث في السوق العقاري لأول مرة.