هنا في قلب صحراء أبوظبي يكمن ذهب المستقبل.. هنا في الرويس على بعد أكثر من 240 كيلومتراً من مدينة أبوظبي نشهد صفحة حقيقية من صفحات التنوع الاقتصادي للإمارة النفطية... هنا سواعد مواطنة فتية تقود موظفين وعمالاً من أكثر من 64 جنسية يواصلون العمل ليل نهار لإنجاح مشروع أكبر مجمع صناعي للبتروكيماويات في العالم باستثمارات تصل إلى 165 مليار درهم.
في قلب الصحراء تقف مشدوهاً وأن تشاهد على مساحة لا تقل عن 70 كيلومتراً المنشآت العملاقة لأكبر مجمع صناعي بترولي في أبوظبي والإمارات الذي يشكل حجر الزاوية الرئيسي في اقتصاد أبوظبي ويشهد حالياً تغييرات جذرية ستجعله مصدر الثروة الرئيسي لأبوظبي وأحد الأركان الاستراتيجية لسياسة التنويع الاقتصادي.
وبين عام 1981 وهو عام افتتاح مصفاة الرويس التي شكلت القلب النابض للمجمع وعام 2018 عام إعلان استراتيجية تطوير المجمع، لم يتغير الهدف، وهو استثمار كل قطرة نفط وغاز لتحقيق أفضل عائد.. بالأمس وطبقاً لاحتياجات الأسواق العالمية كان التكرير هو الأفضل، والآن فإن البوليمرز (البتروكيماويات واللدائن البلاستيكية) الأكثر طلباً وعائداً على مدار العشرين سنة القادمة.
وينقل المشروع التطويري الجديد مجمع الرويس الصناعي بصورة نوعية وكمية كبرى، حيث يتحول إلى مجمّع عالمي ضخم للمشتقات البتروكيماوية والصناعات التحويلية التي تستهدف في الأساس دعم صناعة البتروكيماويات وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للدولة 1% كما أن توسعات المشروع تلبي احتياجات عملاق الألومنيوم الإماراتي «الإمارات العالمية للألومنيوم» رابع أكبر منتج للألومنيوم في العالم من أسود الكربون وفحم الأنود البترولي ويحقق له الاكتفاء الذاتي كما يحقق للسوق المحلي الاكتفاء من البنزين.
جولة
«البيان الاقتصادي» رافقت وسائل الإعلام المحلية والأجنبية والمستثمرين أول من أمس في جولة لتفقد مجمع الرويس الصناعي، اطلعنا خلالها على واقع المجمع وخطة تطويره، حيث نظّمت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» زيارة ميدانية للمجمع الصناعي ومدينة الرويس، ضمت 200 من كبار قادة شركات الطاقة والبتروكيماويات والقطاع الخاص والرؤساء التنفيذيين ضمن فعاليات اليوم الثاني من ملتقى «أدنوك» للاستثمار في التكرير والبتروكيماويات.
وشملت الجولة في مدينة ومجمع الرويس الصناعي زيارة مصفاة الرويس غرب وشرق وعدد من مراكز وغرف التحكم في الموقع ومصنع بروج 3 ومواقع مشاريع التوسعة وكذلك جولة بالحافلة في مدينة الرويس.
ويغطي مجمع الرويس الصناعي والذي يمثل مركزاً لعمليات التكرير والصناعات البتروكيماوية الرئيسية لشركة أدنوك مساحة 70 كيلومتراً مربعاً، ويعتبر واحداً من أحدث المجمعات من هذا النوع في العالم، ويحظى بموقع ممتاز مما يجعله وجهة جاذبة للاستثمارات الكبيرة ومشاريع التوسع والنمو، كما يطل على مياه الخليج العربي ويستفيد كثيراً من الموقع المتميز لمنطقة الرويس، والتي تقع على الطريق المؤدية إلى أسواق «أدنوك» المستهدفة، كما أنها تتمتع بالعديد من المميزات حيث توفر إمدادات مستمرة من المواد الأولية ذات الجودة العالية وبأسعار تنافسية، إضافة إلي مساحات مناسبة لإقامة مشاريع تطوير عالمية المستوى وخدمات لوجستية وبنية تحتية متطورة.

وعلى القرب من المجمع الصناعي تقع مدينة الرويس على مساحة 7 كيلومترات ويبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة يمثلون 64 جنسية، ويجري حالياً المرحلة الرابعة من أعمال التطوير العمراني للمدينة، حيث تستفيد بشكل كبير من توسعة وتطوير مجمع الرويس الصناعي، كما يجري التخطيط لتنفيذ عدد مشاريع البنية التحتية الجديدة تشمل تشييد المزيد من الوحدات السكنية والمؤسسات التعليمية، منها جامعتان جديدتان ومساجد ومؤسسات تقديم الرعاية الصحية ومرافق الخدمات المجتمعية والمدنية ومراكز متعددة الاستخدامات ومرافق حكومية وحدائق عامة.
«بروج»
ويضم مجمع الرويس الصناعي حالياً مصانع شركة أبوظبي للدائن البلاستكية «بروج» ومصفاة الرويس ومجمعات أدنوك لمعالجة الغاز والأسمدة والغازات الصناعية، والذي كان المحطة الأولى ضمن جولتنا، حيث تشكّل مصانع بروج 1 و2 و3 حجر الزاوية في الخطة التطويرية الجديدة الهادفة للتوسع في قطاع البتروكيماويات، حيث التقينا أحمد عمر عبد الله، الرئيس التنفيذي، وفيما قدمت مهندسات مواطنات شرحاً مفصلاً عن إنجازات الشركة ومنتجاتها.
وشكّل تأسيس شركة «بروج» عام 1998 بالتعاون بين أدنوك وشركة بورياليس التي تتخذ من النمسا مقراً لها تحدياً كبيراً تمثل الهدف في الاستفادة من موارد أبوظبي الغازية لإنتاج مادتي البولي إيثلين والبولي بروبلين، واليوم يتوفر للشركة 3 مصانع عملاقة تنتج 4.5 ملايين طن سنوياً منها 600 ألف طن من مصنع بروج 1 و1.4 مليون طن من مصنع بروج 2 و2.5 مليون طن من مصنع بروج 3 ومنتجاتها تشمل البولي إيثلين والبولي بروبلين التي يتم تصديرها على هيئة حبيبات لتصنيع منتجات كثيرة منها.
وقدمت مهندسات مواطنات شرحاً وافياً للمشاركين في الجولة من مستثمرين ورجال أعمال وصحفيين واستعرضن المنتجات الكثيرة التي تساهم مصانع «بروج» فيها بالمواد الخام سواءً في قطاع البنية التحتية (مواسير مياه وأسلاك كهرباء) أو السيارات أو قطاع التغليف والأدوية.
من جانبه، أوضح أحمد الشامسي النائب الأول للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الشركة، أن للشركة حالياً أكثر من 70 منتجاً كان آخرها منتج للتغليف «أنيتو» وهو الأول من نوعه الذي ينتج في الإمارات، ويعد أحدث مجموعة من مادة البولي اثيلين منخفضة الكثافة التي يتم تصنيعها للمرة الأولى في مجمع بروج للبتروكيماويات في الرويس بأبوظبي، ويتواجد لمنتجات بروج أكثر من 400 عميل في أسواق العالم، وتتركز بصفة خاصة في الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وآسيا الجنوبية والشمالية الصين، كما أن للشركة أكثر من 500 ابتكار منها 121 تم تسجيلها عالمياً باسم الدولة، وتمثل هذه الابتكارات 30% من إجمالي الابتكارات المسجلة في الدولة. كما حققت «بروج» نجاحاً كبيراً في خطة توطين كوادرها، وتصل نسبة التوطين لديها إلى 50% ووصلت في بعض إدارات الشركة إلى 90%، وشملت عملية التوطين كافة التخصصات مثل التصنيع والتسويق والمبيعات والابتكار.
نقلة
وخلال الجولة التقينا مع عبد العزيز الهاجري مدير دائرة الغاز والتكرير والبتروكيماويات في «أدنوك» والذي لعب دوراً كبيراً في تأسيس قطاع البتروكيماويات في أبوظبي أثناء ترؤسه لشركة «بروج»، حيث شدد على أهمية المشروع التطويري الجديد لتطوير مجمع الرويس ليكون أكبر مجمع للبتروكيماويات في العالم.
ولفت إلى أن مصانع بروج الحالية تضم أكبر مجمع متكامل لإنتاج البولي أوليفينيات على مستوى العالم في موقع واحد، وهناك مرحلة رابعة لتأسيس (بروج 4) والتي تشكّل نقلة نوعية كبيرة نحو استغلال كل قطرة نفط حيث سيتم الاعتماد على سوائل النفط (مادة اللقيم) بدلاً من الغاز في الإنتاج لزيادة القيمة للسوائل البترولية مثل «النافتا» وهذه خطوة غير مسبوقة ستؤهلنا لقيادة قطاع البتروكيماويات في العالم، وحالياً يتم إعداد الدراسات الهندسية الأولية لمشروع «بروج 4» ومن المتوقع ترسية مناقصات الأعمال الهندسية الأولية خلال الربع الأخير من العام الجاري وسيرفع المصنع الجديد بروج 4 الإنتاج بنحو 2.5 مليون طن؛ مما يرفع إنتاج المصانع الأربعة ومشروع آخر إلى 7.5 ملايين طن سنوياً وسينتج المصنع الرابع لأول مرة منتجات كيميائية تدخل في صناعات المطاط الصناعي وغيرها من المواد عالية الجودة.

وأجاب الهاجري عن سؤال حول الأسواق الجديدة لشركة بروج مؤكداً أن الشركة ستركز خلال الفترة الحالية والمقبلة بشكل أكبر على أسواق آسيا، حيث إن غالبية الطلب العالمي والنمو به يأتي منها بشكل أساسي، حيث إنها أسواق واعدة خاصة الهند والصين كما ستتوسع الشركة في أسواق شرق أفريقيا.
ونوه إلي أن العمل في المجمع لا يقتصر فقط على البتروكيماويات بل تعمل شركة «أدنوك» على تطوير مرونة تكرير مختلف أنواع النفط الخام وعقدت اتفاقية مؤخراً بقيمة 3.1 مليارات دولار 11.5 مليار درهم لتنفيذ مشروع ضخم يكتمل بنهاية 2022 ويتيح المشروع لمجمع مصفاة الرويس غرب تكرير ما يصل إلى 420 ألف برميل يومياً من خام زاكوم العلوي أو أنواع الخام الأخرى، وتتيح هذه الخطوة توفير المزيد من خام مربان عالي القيمة للتصدير إلى الأسواق العالمية.
كما أجاب الهاجري عن سؤال حول الردود الأولية للمستثمرين الأجانب إزاء مشروع توسعة مجمع الرويس الصناعي قائلاً «المؤشرات الأولية جيدة جداً ونحن نستهدف استقطاب شركاء أجانب أقوياء للوصل لأهدافنا بطريقة أفضل وأعتقد أن ملتقي (أدنوك للاستثمار) حقق أهدافه، حيث اتضح لكل المستثمرين أن مجمع الرويس الصناعي وجهة مثالية للاستثمارات الأجنبية وسيكون الأفضل والأكبر عالمياً.
مصفاة الرويس
وخلال الجولة اطلعنا على المشاريع العملاقة التي تتواجد في مجمع الرويس الصناعي وأولها مصفتا الرويس شرق وغرب، والتي تعد اليوم رابع أكبر مصفاة على مستوى العالم وأكبر مجمع للتكرير في الشرق الأوسط وتنتج مصفاة الرويس شرق 140 ألف برميل من النفط الخام و280 ألف برميل من المكثفات بينما تنتج مصفاة الرويس غرب 417 ألف برميل من النفط الخام وتنتج المصفاتان الغاز البترولي المسال والبنزين ووقود الطائرات وزيت الغاز والبروبلين والزيوت الأساسية والكربون الأسود وفحم الكوك.
ويضم مجمع الرويس الصناعي «أدنوك» لمعالجة الغاز 1 و2 والتي تم تأسيسها بين شركات أدنوك وشل وبارتيكس وتقوم بتشغيل أحد أكبر مصانع معالجة الغاز في العالم وتنتج 27 مليون طن سنوياً تجزئة من سوائل الغاز الطبيعي، وتتنوع منتجاتها بين الميثان والإيثان والبروبان والبرافنيك نافتا والمكثفات والكبريت، وتزود وحدة سوائل الغاز الطبيعي التي تعد من أكبر مجمعات تجزئة سوائل الغاز الطبيعي في العالم مصانع بروج بما يزيد على 12 ألف طن يومياً من الإيثان، كما يتواجد بالمجمع محطة مناولة الكبريت التي تعد أكبر مصدر للكبريت في العالم بطاقة إنتاجية 17 ألف طن يومياً.
كما يضم مجمع الرويس أيضاً أدنوك للأسمدة حيث تنتج اليوريا التي تستخدم في الأغراض الزراعية من الغاز الطبيعي وتصل الطاقة الإنتاجية لوحدة أدنوك للأسمدة 2 مليون طن متري سنوياً من مصنعين وهما مصنع فرتيل 1 و2 كما يضم مجمع الرويس وأدنوك للغازات الصناعية، حيث تنتج غاز النيتروجين والنيتروجين المسال والأوكسجين المسال لقطاع النفط والغاز والقطاعات الصناعية داخل الدولة بطاقة 23 ألفاً و800 متر مكعب في الساعة من النيتروجين الغازي وألف و670 متراً مكعب من الأوكسجين السائل في الساعة.
«أدنوك» جوهرة الاقتصاد
تظهر «أدنوك» من بين الشركات الوطنية كدرة التاج، تحفر الأرض لتشارك في كتابة تاريخ هذا الوطن، وصياغة مستقبله، فمنذ 50 عاماً والشركة مثل عمود البيت الذي يزيد الخيمة ارتفاعاً واتساعاً، ليعم الخير ويفيض.
وخلال العامين الماضيين، بدأت «أدنوك» العمل لإحداث نقلة نوعية لتعزيز المرونة والقدرة على مواكبة متغيرات وتطورات قطاع النفط والغاز العالمي، فأطلقت استراتيجية 2030 المتكاملة للنمو الذكي والتي تركز على أولويات تشمل تعزيز العائد الاقتصادي في عمليات الاستكشاف والتطوير والإنتاج، وزيادة القيمة والنمو والتوسع في مجال التكرير والبتروكيماويات، وضمان إمدادات اقتصادية ومستدامة من الغاز، وتعزيز التسويق الاستباقي المرن، وبناء منظمة كاملة لهذه الصناعة وتنفيذ شراكات واستثمارات خارجية تسهم في ضمان الوصول إلى الأسواق ذات معدلات النمو المرتفعة خصوصاً في آسيا.
«أدنوك» ترسخ اليوم مكانة الدولة كأحد أهم المراكز العالمية المتكاملة والمتخصصة في مجال التكرير وإنتاج المشتقات البتروكيماوية، وتقدم نموذجاً طموحاً في التوسع، باستثمارات تزيد على 400 مليار درهم، وصولاً إلى العائد الأعلى من كل برميل نفط يتم إنتاجه، مستهدفة أن تزيد من فاعليتها في تحريك عجلة التنمية والتطور والازدهار وضمان مستقبل الأجيال من خلال الاستثمار الأمثل لرأس المال البشري والثروات الطبيعية.
الاستراتيجية الجديدة للشركة اكتملت ملامحها في ختام ملتقى الاستثمار الذي نظمته الشركة في أبوظبي وأعلنت فيه استثمار 165 مليار درهم في التكرير والصناعات البتروكيماوية خلال خمس سنوات لتتحول من مورد عملاق للخام إلى منتج عالمي لمنتجات عالية الجودة تخترق أسواق العالم المتوقع أن يزيد طلبه بمعدل 100% خلال أقل من عقدين، ما يعطي اقتصاد الدولة قوة ومرونة أكبر وتنوعاً أشمل.
ووفق المعطيات على الأرض تمتلك أدنوك كافة الإمكانات والإرادة والتصميم والتخطيط الدقيق الذي صاحب الإدارة الجديدة للشركة، فهي تنتج اليوم 3 ملايين برميل من النفط الخام، و10.5 مليارات قدم مكعبة من الغاز يومياً.
وتعمل 14 شركة فرعية متخصصة ومشروعاً مشتركاً على تنفيذ أعمال المجموعة المتكاملة في الاستكشاف والإنتاج والتصنيع والمعالجة والتكرير والبتروكيماويات والتوزيع. والنقلة في توجهات أدنوك تستند إلى ركائز أساسية تشمل الاستثمار في الكوادر البشرية والارتقاء بالأداء ورفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز العائد الاقتصادي، والقيمة المحلية المضافة التي تركز على دعم القطاع الخاص المحلي.
وليس مبالغاً القول إن «أدنوك» استطاعت خلال عامين إعادة تشكيل خريطة صناعة النفط عبر العديد من الشراكات العالمية في الاستكشاف والخفر والتصنيع والتسويق وضخ مئات المليارات من الاستثمارات في هذا القطاع وخصوصاً البتروكيماويات التي تضاعف العائد وتحقق الاستثمار الأمثل والعائد الأكبر من هذه الثروة الوطنية التي تتحول بفضل السياسة الجديدة لأدنوك إلى استثمار مستدام.
المحرر الاقتصادي
