«العملات الرقمية» المشفّرة.. وسيلة جديدة لدعم الاقتصـاد أم أداة للاحـتيال؟

طارق الرفاعي

تعتمد العملات الرقمية المشفّرة التي كثر الحديث عنها مؤخراً على تقنية «بلوك تشين»، الأمر الذي يأخذنا هذا السؤال إلى التساؤل عما إذا كانت تلك العملات بدائل حقيقية للعملات الرسمية، أم أنها أدوات مضاربة؟ وهنا تتضارب الآراء، فمنهم من يقول إنها عملات حرة بالفعل لأنها لا تخضع لسيطرة حكومية قد تعرضها لإساءة الاستخدام أو التلاعب كما رأينا عبر التاريخ.

كما أن تلك العملات أثبتت أنها طريقة سداد إلكتروني منخفضة التكلفة، وفعّالة في الاستخدام في المعاملات الدولية، ومنهم من يقول إنها تحتاج للتنظيم حتى لا تكون وسيلة للاحتيال، فهل يمكننا أن نقول إن تلك العملات بديلة عن العملات الرسمية؟ وهل تتمتع البيتكوين على سبيل المثال بخصائص العملات الاعتيادية كالاستمرارية وإمكان النقل والتجزئة والوحدة ومحدودية العرض والقبول؟

ويجيب طارق الرفاعي الرئيس التنفيذي لشركة كوروم جيوبوليتكس للاستشارات الاقتصادية، بـ«نعم»، وإن كان البعض يرى أن الطريق ما زال طويلًا أمام قبولها، لكن هناك عدداً متزايداً من التجار حول العالم يقبلون البيتكوين».

ويضيف الرفاعي: «على الرغم من أن البيتكوين مستوفية لخصائص العملة العادية، إلا أنها ما زالت عالية التقلب، بحيث لا يمكن أن نعدها بديلاً عن العملات الرسمية. ومن بين أكثر الأسباب انتشاراً للاستثمار في عملة أخرى بخلاف عملة بلدك الرسمية هو اتخاذ تلك العملة الأخرى مخزناً للقيمة، فأنت تريد أن تطمئن إلى المحافظة على سلامة ثروتك وثبات قيمتها.

وبالتالي، فإن تقلب البيتكوين وغيرها من العملات الرقمية يجعلها اختياراً سيئاً مخزناً للقيمة. وقد يقول قائل إن الارتفاع الجنوني للبيتكوين هذا العام كان سيُعدّ اختياراً ممتازًا مخزناً للقيمة لأن الثروة كانت ستزيد زيادة مطردة، إلا أن الاختبار الحقيقي لمخزن القيمة لا يكون أثناء ارتفاع السوق؛ بل أثناء هبوطه، فالتقلب عالٍ جداً بين بعض تلك العملات الرقمية لدرجة أنها قد ترتفع أو تهبط بأكثر من 40% في اليوم الواحد.

تخيل أنك تحاول شراء منتج من أحد التجار على موقع إلكتروني في ظل تذبذب السعر اليومي بنسبة 40%! هذا يجعل استخدام العملات الرقمية كونه شكلاً من أشكال السداد أمر ينطوي على مخاطرة.

مدى الأمان

وأردف الرفاعي: «أعتقد أن العملات الرقمية ليست بدرجة الأمان التي يُعلن عنها، فقد وقعت بالفعل بعض عمليات الاختراق والسرقة الكبرى لعملتي البيتكوين والإيثيريوم منذ سنة 2010. كما أن تكنولوجيا البيانات المتسلسلة التي تعد أساس جميع تلك العملات غير آمنة بالقدر الذي نحتاجه للاطمئنان إلى أمان عملاتنا».

ويثير هذا سؤالًا للمتابعة: فإذا كانت تلك العملات عالية التقلب وغير آمنة بالقدر الذي ننتظره، فلماذا تحظى بكل هذا الانتشار؟ يجيب الرفاعي: «معظم الناس الذين يشترون تلك العملات ويتداولونها يفعلون ذلك ببساطة انطلاقًا من هدف واحد لديهم وهو شراء تلك العملات ومتابعة ارتفاعها، فجميع الآراء حول فوائد استخدام العملات الرقمية وتكنولوجيا البيانات المتسلسلة لا تعني شيئاً لهؤلاء الأشخاص في السوق اليوم لأنهم مضاربون.

على سبيل المثال، ألق نظرة على التداول اليومي للبيتكوين لترى أنها تتداول كونها أحدث طرح عاماً أولياً بتكنولوجيا عالية، وليس كونها عملة بديلة. ومن الواضح أن تكنولوجيا البيانات المتسلسلة والعملات الرقمية تتمتع بمستقبل مشرق، إلا أن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب للاستثمار فيها، لأنها أدوات تنطوي على عنصر مضاربة عالية.

ويذكرنا هذا بمرحلة «دوت كوم» إذ كانت القيمة السوقية لأية شركة ينتهي اسمها بـ «.com» تشهد ارتفاعاً جنونياً، واليوم نرى تلك الظاهرة نفسها بالنسبة للعملات الرقمية. وكما حدث لظاهرة «دوت كوم»، ستأتي فترة انهيار وهروب المضاربين ليكون النجاح في النهاية حليف مجموعة صغيرة من الفائزين. ولا تتعجب إن لم تكن البيتكوين ضمن مجموعة الفائزين!».

تعليقات

تعليقات