تعاني الكثير من الصناعات الوطنية من منافسات غير عادلة من شركات أجنبية تروج لمنتجاتها داخل دولة الإمارات والمنطقة بأسعار قليلة، تحد من انتشار منتجات الصناعة الوطنية وتشكل عائقاً أمام نموها داخلياً وخارجياً. ما حدا بالعديد من الصناعيين إلى المطالبة بأفضلية للصناعة الوطنية في مناقصات المشاريع لحماية تلك الصناعة.
وتمتلك منتجات الصناعات الأجنبية مزايا كثيرة تجعلها قادرة على إغراق أسواق الإمارات والمنطقة بمنتجاتها، أبرزها التكلفة منخفضة الأسعار داخل بلدانها الأم بسبب رخص وعدم جودة المواد الخام وانخفاض أجور العمالة والمعيشة، إضافة إلى حماية بلدانها لها عبر تشريعات داعمة لها، كما أن هذه المنتجات تستفيد كثيراً من طبيعة النظام الاقتصادي في الإمارات القائم على حرية الأسواق والمنافسة الحرة.
وأثبتت الكثير من الصناعات الوطنية مثل صناعات الألومنيوم وحديد التسليح والكابلات الكهربائية وغيرها قدرتها على المنافسة عالمياً بفضل كفاءة منتجاتها، وأبرمت عقوداً مع شركات عالمية ومستوردين في أكثر من 65 سوقاً عالمياً مثلما يحدث مع شركة الإمارات العالمية للألومنيوم أو نحو 44 سوقاً لشركة دبي للكابلات الكهربائية، أو 38 سوقاً عالمياً كما يحدث مع شركة حديد الإمارات.
وتتزايد التحديات التي تواجهها منتجات الصناعات الوطنية خاصة في الأوقات الحالية حيث تنافسها صناعات أجنبية مدعومة ومحمية من بلدانها الأم مما يعطيها ميزة أكبر في المنافسة ، وهو ما تفتقد إليه الصناعات الوطنية التي تنمو بقوة في إمارات أبوظبي ودبي والشارقة بصفة خاصة.
وطبقاً لآخر إحصائيات وزارة الاقتصاد فإن حجم إجمالي الاستثمارات في القطاع الصناعي بالدولة ارتفع بنهاية عام 2016 ليصل إلى 130 مليار درهم، مقابل 127.6 مليار درهم نهاية 2015، كما ارتفع عدد الرخص الصناعية إلى 6301 مصنع بزيادة 209 رخص عن عام 2015، فيما بلغ إجمالي عدد العمال في القطاع نهاية العام الماضي 452765 عاملاً، وتعد استثمارات المواطنين هي الأكبر في القطاع الصناعي مقارنة بالمستثمرين الآخرين، وبلغت مساهمة المواطنين في الاستثمار بالقطاع الصناعي خلال عام 2016 نحو 86% وبقيمة 112 مليار درهم، تلاها الأجانب بنسبة 11% وبقيمة 14 مليار درهم، ثم الخليجيون بنسبة 3% وبقيمة 4 مليارات درهم.
صعوبات
ويؤكد جمال سالم الظاهري الرئيس التنفيذي للشركة العامة القابضة "صناعات" أكبر الشركات الاستثمارية في الإمارات ومنطقة الخليج، رئيس مجلس إدارة شركة "دوكاب" وشركة دوكاب للألومنيوم أن الوضع الحالي للصناعات الوطنية صعب للغاية، وقد أنفق المواطنون عشرات المليارات من الدراهم في هذا القطاع الذي تحوطه المخاطر ولا يقبل عليه غالبية المستثمرين بسهولة، كما أن القطاع الصناعي أصبح واحداً من أهم القطاعات الصناعية التي تعول عليها رؤية الحكومة الاتحادية 2021 أو رؤية حكومة أبوظبي الاقتصادية 2030 لإحداث تنوع اقتصادي قوي، وهذه الصناعة بحاجة اليوم للدعم تحت أي مسمى سواء حماية أو دعم أو غيرها المهم أن نساعد هذه الصناعة الوليدة التي أثبتت كفاءة وحضوراً عالمياً على أن تستمر وتنمو بشكل أفضل.
ويقول: "هناك حماية المنتجات الوطنية في الدول الأخرى . وهناك دول تدعم المنتج أثناء تصنيعه أو خلال عمليات التصدير أو التوزيع في الأسواق، وأقترح أن تدعمنا الحكومة بأفضلية في عقود المناقصات الحكومية أو الخاصة وتحديد نسبة لنا تتراوح من 10% إلى 15% أو أكثر علما بأن منتجاتنا هي الأفضل والأكفأ والدليل على ذلك أنها تنافس بقوة في الأسواق العالمية لكننا بحاجة لدعم منتجاتنا في أسواقنا المحلية حتى يتعرف المواطن والمقيم على منتجاتنا، كما أن هذا الدعم سيكون له آثار إيجابية أخرى تتمثل في توسيع القاعدة الصناعية والاستثمارية في الدولة وإتاحة فرص عمل جديدة خاصة للمواطنين.
ويضيف :" نريد حماية صناعاتنا الوطنية من المنافسة غير العادلة، وهناك آليات عديدة يمكن اتخاذها في هذا الصدد منها وقف الإعفاءات الجمركية للمنتجات المستوردة، التي يثبت إضرارها بالصناعات الوطنية، إضافة إلى وسائل لدعم الصناعات الوطنية عن طريق إعطاء الأفضلية في المشتريات الحكومية الاتحادية والمحلية للمنتجات الوطنية.
آليات الحماية
ويؤكد محمد عبد الرحمن المطوع المدير التنفيذي للعمليات التجارية لشركة دوكاب وجود آليات عديدة لحماية الصناعات الوطنية لافتاً إلى أن الحكومة تدرس هذه الآليات في الوقت الحالي.
ويلفت المطوع إلى نقطة مهمة للغاية وهي أن الصناعة الوطنية مثل صناعة الكابلات التي برزت فيها دوكاب لا تحتاج لحماية أو دعم مالي لتقف على أرجلها، بل إن هذه الصناعة تفوقت للغاية، بل نريد حماية منتجاتنا من الكابلات الغير مطابقة للمواصفات العالمية.
ويقول: إن أسعار منتجات الشركات الوطنية مرتفعة مقارنة بالمنتجات المنافسة الأخرى، مشيرا إلى وجود أسباب وراء ذلك ، وغالبيتها أسباب خارج إرادة الشركات الوطنية مثل ارتفاع أسعار المواد الخام ذات الكفاءة العالية عالمياً، حيث تفضل الشركات الوطنية الحصول على خامات أصلية ذات جودة عالية تنفيذاً لتوجيهات الحكومة وكبار المسؤولين، وغالبا تكون أسعار هذه المواد مرتفعة، كما أن تكلفة المعيشة وأجور العمالة في الإمارات مرتفعة مقارنة بدول آسيوية أو حتى أوروبية ، كما أن الشركات الوطنية لديها التزامات وطنية وإنسانية تجاه أهلها في الإمارات عكس الشركات الأجنبية التي تنافس منتجاتنا وهي منتجات مدعومة من حكومات بلدانها ولا يوجد لها أية مسؤوليات تجاه المجتمع الإماراتي، وبالطبع تطرح منتجاتها بأسعار أقل.
نموذج عقود
ويطالب المطوع بتعميم نموذج عقود شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" على الشركات العاملة في الدولة، مشيراً إلى أن عقود أدنوك تجبر الشركات الفائزة بتنفيذ مناقصات مشاريعها الضخمة على أن تكون نسبة من مشترياتها من مصانع داخل الدولة وأن تكون لديها شهادة بذلك، كما أن هناك اقتراحات بتخصيص نسبة من عقود المشتريات أو المشاريع خاصة وأن منتجاتنا متوفرة في الدولة في أي ظرف وبأسرع طريقة.
تشريعات
ويشدد المهندس سعيد الرميثي الرئيس التنفيذي لشركة حديد الإمارات أكبر تجمع صناعي للحديد في منطقة الخليج والذي تملكه حكومة أبوظبي على ضرورة إصدار قوانين وتشريعات ولوائح لحماية ودعم الصناعات الوطنية. ويقول على الرغم من أن صناعات عديدة في الإمارات قد تبوأت مكانة عالمية قوية مثلما يحدث مع الألومنيوم وحديد التسليح والكابلات الكهربائية إلا أن هذه الصناعات تحتاج لحماية أكبر ومتواصلة. ويضيف لا شك الوضع لدينا أفضل كثيرا من شركات وطنية أخرى تعاني كثيرا من منافسة الشركات العالمية خاصة في قطاع الأغذية والمشروبات وغيرها.
ويذكر الرميثي أن صناعة الحديد والصلب الوطنية كانت أكثر الصناعات تعرضا للمنافسة غير العادلة خلال السنوات الماضية من قبل شركات وتجار عالميين ومحليين، وخاضت منافسات قوية مع الحديد التركي والصيني إلا أنها تمكنت من زيادة حصتها في السوق المحلي والخليجي، وبلا شك تحملنا مصاعب كبيرة.
وينوه الرميثي إلى الإيجابيات الكبيرة الذي أحدثه التعميم الذي أصدرته وزارة المالية وأرسلته لكافة الجهات الحكومية بعدم اشتراط استخدام الحديد المستورد لمواصفات البناء والمشاريع الإنشائية عند إعداد طلبات الشراء (المناقصات)، وقال: تعميم مهم للغاية وفر نوعاً من الحماية لصناعة الحديد الوطنية، وأفادنا كثيرا ومن المهم تعميمه في صناعات أخرى كثيرة.
وأشار إلى أن التطبيق الجيد للتعميم زاد من حصة الشركة في السوق المحلي لتصل إلى نحو 65% حاليا، ودفع الشركة لضخ المزيد من كمية إنتاجها للسوق المحلي لإنجاز المشاريع العملاقة مثل مشروع مطار أبوظبي ومشاريع إكسبو 2020، وقد جاء التعميم في وقته تماما، حيث كانت شركة حديد الإمارات تركز في أنشطتها على الأسواق الخليجية والعالمية إلا أن الحماية التي توفرها حكومات هذه الأسواق لصناعاتها وتغير أسعار صرف العملات حد من تصدير الشركة لمنتجاتها خاصة في منطقة الخليج، مما دفعها للتركيز على السوق المحلي الإماراتي.
منافسة غير عادلة
أما حمد العوضي عضو مجلس إدارة غرف تجارة وصناعة أبوظبي فيرى أن الوقت قد حان لحماية الصناعات الوطنية، مؤكدا على أن شكوى المصانع والشركات الوطنية من المنافسة غير العادلة في السوق المحلي والخليجي من شركات أجنبية صحيح للغاية، وبلا شك فإن مصانعنا تشكو في صمت وهذا يؤثر سلبا عليها.
وأشار إلى أنه من المستحيل أن تنطبق قواعد المنافسة العادلة والشريفة داخل السوق الإماراتي بين الشركات الوطنية والأجنبية، مشيرا إلى أن الشركات الوطنية تتمتع بالجودة والكفاءة العالية جدا الناتجة عن مصاريف تشغيلية مرتفعة جدا سواء أجور العمالة أو ارتفاع أسعار المياه والكهرباء والغاز الطبيعي والإيجارات ورسوم العمالة وغيرها، بينما المنتجات المنافسة تأتي من دول تدعم منتجاتها بعدة أشكال وليس بآلية واحدة.
ويشدد العوضي على أن المنتجات الوطنية لم يتم دعمها أو حمايتها بشكل صحيح وهناك تعاميم صدرت ولم تفعل على أرض الواقع مثل قرار مجلس الوزراء بإعطاء الأولوية في المشتريات الحكومية للمنتجات الوطنية ، وهناك تخوف أن تدعم بعض الجهات الحكومية الشركات الوطنية باعتبار ذلك مخالفة لنصوص وقرارات منظمة التجارة العالمية، وهذا إن صح يحتاج لنقاش حقيقي لأن كبريات الدول المنضمة للمنظمة العالمية تدعم منتجاتها وتوفر لها الحماية ونحن لسنا أقل منها، لأننا أنفقنا استثمارات ضخمة للغاية فضلاً عن أن لدينا خبرة كبيرة وتميزاً واضحاً في تصنيع منتجات معينة وأهلنا كوادر مواطنة بزغت في هذا القطاع كما أن الحكومة تعول على هذا القطاع كثيراً خلال السنوات المقبلة وتحدد له مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25%، الأمر الذي يتطلب توفير الحماية والدعم.
«دوكاب»: الدعم والحماية ضرورة
طالب محمد عبد الرحمن المطوع المدير التنفيذي للعمليات التجارية لشركة دبي للكابلات الكهربائية (دوكاب) بدعم وحماية الحكومة لشركته ولمثيلاتها من الشركات والصناعات الوطنية، قائلاً: إن سوق الإمارات مفتوحة للجميع والشركات الأجنبية المنافسة تبيع بأسعار أقل من أسعارنا بنسب تتراوح بين 15% و20% لكننا ننافس بالجودة العالية لمنتجاتنا، وفي أحيان المستهلك سواء شرك أو شخص يستهدف التوفير أولاً.
وأكد أن دوكاب والتي تأسست 1979 كمشروع مشترك بين حكومتي أبوظبي ودبي، لم تتلق أي شكوى سواء من داخل الدولة أو خارجها تشير إلى أنها تغرق الأسواق بمنتجاتها أو أن أي منتج لديها به عيب حتى لو طفيف بل العكس أعمار كابلاتنا تفوق أعمار كابلات الشركات العالمية الشهيرة في هذا المجال.
وأضاف: تعد الشركة حاليا من أضخم الشركات المتخصصة بصناعة الكابلات والأسلاك في دولة الإمارات والمنطقة، وتصل طاقتها الإنتاجية من 110 آلاف طن سنوياً من قضبان النحاس عالية ومتوسطة ومنخفضة الجهد، والتي يتم تصديرها إلى 44 دولة.
ويرى المطوع أن غالبية الأسواق التي تعمل فيها الشركة تتواجد فيها قوانين وآليات لحماية الصناعة الوطنية مثلما يحدث في منطقة الخليج، حيث تفضل دولها منح الأفضلية لشركاتها المحلية في مناقصات المشاريع غير الحكومية، عكس سوق الإمارات المفتوح للجميع دون أفضلية لأحد، وتلاقي الشركات الخليجية وغير الخليجية خاصة الآسيوية دعماً من حكوماتها ومؤسساتها الوطنية بشكل مباشر أو غر مباشر ولها الأفضلية مما يصعب علينا استمرار التواجد في أسواقنا والمنافسة.




