ثمة نظريات عدة تفسر سبب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه: التوسع الامبراطوري المفرط والمبالغ فيه، الافتقار للكفاءة الاقتصادية، الإفلاس الأيديولوجي، كل هذه الأسباب مجتمعة، غير أن الخبراء الاقتصاديين يفترضون سبباً أكثر وجاهة من السابق: الاقتصادات المخططة والأنظمة السلطوية للاتحاد السوفييتي كانت تعتبر من سقط المتاع في البيانات المعالجة، فالرأسمالية فازت بالحرب الباردة نظراً لأن معالجة البيانات المنشورة كانت تعمل بصورة أفضل من معالجة البيانات المركزية.
كيف يمكن لأي مخطط مركزي يجلس في أحد مكاتب غوسبلان للتخطيط الاقتصادي المركزي في موسكو أن يأمل بفهم جميع الأجزاء المتحركة في اقتصاد الاتحاد السوفييتي السابق في 11 منطقة زمنية؟
جنون هذا النظام يمكن تفسيره على نحو أفضل من خلال الصحافي الاقتصادي الروسي الراحل أوتو لاتسيس، حيث تحدث كيف أنه زار ذات مرة شركة سوفييتية متخصصة في تصنيع القرميد كان لديها خطط توسع كبيرة، واكتشف أن جميع الاستثمارات غرقت في داخل مصنع آخر متخصص في تدمير القرميد التالف وغير مكتمل الصنع، ومنع بيعها في السوق السوداء عبر عمال المصنع.
وبالنسبة لمعظم المصانع السوفييتية، كان المخططون يضعون أمامهم أهدافاً صعبة لتحقيقها في المصانع الجديدة، ويركزون على الكم بدلاً من الجودة، ويوجدون حوافز فاسدة للتخلص منها بجانب القرميد المصنع بصورة شبه متكاملة. ويصعب التفكير بمثل صارخ بصورة أكبر من القيم المدمرة التي أجهزت على الاقتصاد السوفييتي.
لكن تفجر البيانات في عالمنا الحديث يمكن- نظرياً على الأقل- أن يشير إلى قرارات إدارية أفضل بكثير ويقلل الاختلال في المعلومات بين الاقتصاد المخطط واقتصاد السوق. ويكتسب المخططون المركزيون الأدوات اللازمة لمعالجة البيانات بصورة أكفأ بكثير.
تضخ أجهزة اتصالنا كماً هائلاً من البيانات بشأن الأنشطة الاقتصادية والمطالبات والرغبات في الوقت الفعلي. وتسخير هذه المعطيات قد يضاهي آلية التسعير وسيلة لمضاهاة العرض والطلب.
وخلال العقود القليلة الماضية، داست اقتصاديات السوق الحر على قبر الاقتصاد المخطط، فهل يعود هذا الاقتصاد بشكل جديد بصورة جذرية؟
ويبدو أن بعض الخبراء الصينيين يفكرون على هذا النحو، لكنهم يبقون متشبثين بالأيديولوجية الصينية بغض النظر عن مدى التمسك الفضفاض في ممارستهم الفعلية، ويطورون أكثر أسواق البيانات حيوية في العالم.
في العام المنصرم، جادل جاك ما، مؤسس موقع علي بابا الإلكتروني الذي يعتبر من أكبر منصات البيع عبر الإنترنت، ويتعامل معه 500 مليون مستخدم- جادل بأن التكنولوجيا الجديدة توفر وسائل لتجميع البيانات ومعالجتها بمقياس لا يمكن تخيله.
ويعمق تطبيق الذكاء الاصطناعي على هذه المجموعة من البيانات فهمنا للعالم في الوقت الفعلي. وعلى هذا النحو، فإن تحليل البيانات الكبرى ستجعل السوق أكثر ذكاء، بحيث يتمكن من التخطيط لقوى السوق المتوقعة ليتيح لنا اكتساب اقتصاد مخطط في نهاية المطاف.
وقد ذهب الخبراء الصينيون إلى مدى أبعد، ففي دراسة حديثة لهم، جادل بعضهم بأن الاقتصاد المهجن يمكن أن يقوم على نموذج يرتكز على السوق الذي تحفزه الخطط.
وتدفق البيانات بصورة أكثر حرية يمكن أن يكافح الكثير من الأمراض التي شوهت الاقتصادات المخططة: التركيز المفرط للسلطة، فساد المستأجرين، اتخاذ القرارات بصورة غير عقلانية، قد تتيح التفاصيل الدقيقة لكم البيانات المتوفرة للمخططين توفير خيارات أكثر تخصيصاً للعملاء.
ويجادل الخبراء بأن المنصات الموجودة على الإنترنت تحتكر مؤسسات التخطيط المركزية المشابهة.
ومثل هذه المنصات الحكومية قد تعمل بصورة شبيهة بحركة مرور جوية يوجهها برج المراقبة في المطار.
ومما لا شك فيه أن البيانات الكبرى يمكن أن تحسن كفاءة الأنظمة الإدارية، سواء الخاصة أو الحكومية. وقد تؤدي أيضاً إلى تخصيص موارد أكثر عقلانية، سواء من ناحية التخطيط على المدى الطويل للبنية التحتية، أو إدارة أنظمة الرعاية الصحية، ولكن في حين أن هذا الاقتصاد المهجن يمكن أن يكون متقناً نظرياً، فإن هناك بعض الشكوك تحوم حوله في العالم الواقعي.
كاتب في صحيفة «فايننشيال تايمز»
