تركت الأزمة المالية العالمية التي اندلعت منذ عقد من الزمن الكثير من الندوب الاقتصادية والسياسية، كما أعادت تشكيل طريقة تدفق رؤوس الأموال حول العالم.
كانت كمية الأموال التي عبرت الحدود في عام 2007 ثلاث مرات أكثر مما هي عليه في عام 2016، مع مطاردة المستثمرين للعوائد في ظل عالم يتصف بمعدلات فائدة منخفضة، أما اليوم، تبقى البنوك أقرب إلى الديار بعد أن رأت فيما مضى العقود الآجلة للإثراء في الإقراض الخارجي، أما معظم المال الذي يعبر الحدود فهو على شكل استثمارات مباشرة طويلة الأجل، لبناء المصانع أو شراء الحصص في شركات بأسواق واعدة في الظاهر.
وفي عالم حيث القوميون الاقتصاديون يهددون ببناء حواجز جديدة أمام التجارة، تهيمن تجارة السلع اليوم على النقاشات بشأن العولمة والزيادة الكبيرة التي شهدتها خلال نصف القرن الماضي، مع إعراب بعض الاقتصاديين عن مخاوفهم من أن تكون مسيرة الاندماج الاقتصادي تسير الآن في اتجاه معاكس، فيما يقال القليل بشأن تدفق رؤوس الأموال أو وضع العولمة المالية. لكن المبالغة في تدفق رؤوس الأموال كانت واحدة من الأسباب الرئيسية للأزمة المالية، ويمكن أن تكون موطن الأزمة التالية.
ويعد النظام المالي أكثر مرونة اليوم مما كان عليه منذ عقد مضى، وفقاً لما ذكره تقرير لمؤسسة «ماكنزي غلوبال»، وهذا ما يدعو للأمل حتى مع تسجيل تراجع بنسبة 65% في التدفقات الإجمالية لرؤوس الأموال عبر الحدود منذ عام 2007.
الكثير من هذا التراجع يذكرنا بأسس الاقتصاد المعولم. في عام 2007، كان العالم غارقاً بالسيولة نتيجة لرفع الأنظمة المالية المقيدة، وتدفق الادخارات من الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى، كما الثروة التي لا حدود لها لمصدري النفط. كل تلك الأموال كان عليها العثور على موطن وعوائد، معظمها استوطن في الملكيات العقارية في الولايات المتحدة، فأحدث فقاعة انفجرت بعواقب مذهلة. ويقول كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي موريس اوبسفيلد: «لا نريد أن نستخدم فترة منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كمعيار لما هو عادي وما هو صحي وطبيعي». السبب الرئيس لتراجع التدفقات كان انهيار الإقراض المصرفي عبر الحدود وأساساً من جانب البنوك الأوروبية.
وتقول معدة التقرير سوزان لاند: «ما يبدو واضحاً لنا أن ما يظهر هو شكل أكثر استقراراً ومرونة من العولمة المالية، مما قد يكون مفيداً، فقد اختفى الكثير من الإقراض العابر للحدود، ونعلم من عقدين من الأزمات المالية في أنحاء العالم أن الإقراض عبر الحدود غالباً ما يكون أول شكل من أشكال رؤوس الأموال التي تتدفق خارج البلاد عند اندلاع الأزمة».
المزيد من رؤوس الأموال التي تدور حول العالم اليوم هي في شكل استثمارات أجنبية مباشرة، أي التزامات مالية طويلة الأمد من قبل الشركات في مصانع وغيرها من المرافق التي ينظر إليها في العادة على أنها منتجة. لكن هناك وجهة نظر تزداد شعبية بين الاقتصاديين تفيد أن نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة يعكس اتجاهاً غير صحي، يتمثل في بحث الشركات عن معدلات ضرائب منخفضة وسباق الدول لخدمة هذا الطلب.
يقول حكام المصرف المركزي الإيرلندي فيليب لاين، في ورقة مشتركة مع كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، جيان ماريا ميلسي فيرتي، إن العامل الرئيسي وراء توسع الاستثمارات الأجنبية المباشرة تمثل في تدفق الاستثمارات المحجوزة في «المراكز المالية»، في عبارة ملطفة لوصف البلدان ذات الضرائب المنخفضة مثل إيرلندا.
ويقول اوبستفيلد: «إذا اعتقدت أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتدفق إلى لوكسمبورغ لبناء المصانع هناك، فأنت مخطئ، الكثير من ذلك يشكل انتقالاً للأرباح التي محفزها الضرائب والتي تظهر في ميزان المدفوعات مع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة». ولا يزال صندوق النقد الدولي يرى مخاطر في النظام المالي. فمطاردة العوائد من قبل المستثمرين الذين يواجهون معدلات منخفضة باستمرار قد أدى إلى انخفاض تكلفة الديون على المقترضين في جميع أنحاء العالم النامي. يقول اوبستفيلد: «ما نراه الآن هو مستوى أكثر استدامة من التدفقات والنمو، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل شيء على خير ما يرام».
فقد تراجعت تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود بشكل كبير عما كانت عليه عند بدء الأزمة المالية العالمية. المبالغ المقدرة بـ4.3 تريليونات دولار التي تدفقت في أنحاء العالم في عام 2016 كانت مجرد ثلث ما كانت عليه في أوقات الذروة 12.4 تريليون دولار في عام 2007، لكن لا أحد يعتقد أن عودة إلى تلك المستويات سيكون أمراً صحياً. المساهم الأكبر في الصورة المتغيرة لتدفق رؤوس الأموال كان انهيار الإقراض المصرفي عبر الحدود، مع تحمل البنوك الأوروبية مسؤولية معظم التراجع. تقول سوزان لاند في ماكنزي: «من الصعوبة الإشارة إلى جزء من الاقتصاد العالمي الأقل عولمة اليوم من القطاع المصرفي».
وقد انتقلت «الاختلالات» في الاقتصاد العالمي. في عام 2007، كانت الصين أكبر اقتصاد بفوائض في العالم، فيما الولايات المتحدة كان لديها أكبر فائض في حسابها الجاري، معظمه في التجارة. لكن اليوم، ألمانيا لديها فائض في الحساب الجاري أكبر من الصين. وتبقى الولايات المتحدة وبريطانيا الوجهتين الرائدتين في العالم لتدفق الأموال العالمية، وفقاً إلى بيانات الحسابات الرأسمالية والمالية.
وينبغي أن يعود تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم إلى مستويات ما قبل الأزمة. لكن وفقاً لتوقعات الأمم المتحدة، سيستغرق هذا الأمر سنوات أخرى.
(كاتب بريطاني)
