في هذا الوقت من كل عام، نستمع إلى النقاد وهم يشرحون بعناية فائقة الخطابات التي يلقيها بعض المصرفيين المركزيين في قاعة جاكسون بيومينغ في الولايات المتحدة. والأمر المسلم به في الدوائر المالية كافة أن أي شيء يقوله الخبراء الماليون الأميركيون أمثال جانيت يلين، مارك كارني أو ماريو دراغي، يعتبر في غاية الأهمية. ولكن هل يتعين أن يكون ذلك صحيحاً؟ هل هذه المجموعة من الاقتصاديين غير المنتخبين يحظون بهذا النفوذ الرهيب؟
ربما لا يكون الأمر كذلك، انظروا إلى الأزمات المالية، فقد لعب المصرفيون المركزيون دوراً كبيراً في التسبب بها بالدرجة الأولى (من خلال إيجاد تشريع غير ملائم وإبقاء أسعار الفائدة منخفضة جداً لفترة طويلة). لقد عرفنا بالأمر التالي حتى في عام 2007: لا يوجد الكثير من الناس الذين يمكن أن يحددوا كيف للأزمات المالية أن تتكشف، لكن هناك عدداً كبيراً من الأصوات التي تشير إلى أن أسعار الفائدة المخفضة تتسبب بفقاعات ائتمانية وأزمات لا يمكن تجنبها. وكل هذه الأصوات تجاهلتها البنوك المركزية على امتداد العالم.
ومع ذلك، عندما أصرت تلك البنوك أنها الوحيدة التي يمكنها إنقاذ العالم في مرحلة ما بعد الأزمات، صدقتها حكومات العالم. لذا فإن التيسير الكمي الذي وفره البنك المركزي علاوة على بعض أقل أسعار الفائدة بالتاريخ، قد تبدو مؤثرة في بعض الأوقات، لكنها بالتأكيد لم تكن مناسبة في ذلك الوقت. والفكرة الأصلية من التيسير الكمي، كما وصفها بنك إنجلترا في عام 2011، تمثلت في طبع الأوراق النقدية وشراء سلع بها، وبالتالي رفع أسعار الأصول المالية وتحفيز الإنفاق من خلال خفض تكاليف الاقتراض وزيادة الثروة.
هذا هو بالضبط ما حدث، وليست هذه وسيلة جيدة، فجميع الأسهم في الأسواق المالية تقريباً أصبحت الآن مرتفعة. وهذا يعود جزئياً لأسباب تتعلق بالطلب عليها. فالأموال الرخيصة التي تصنع الشركات الكبيرة تبدو مربحة بصورة أكبر، فهي تخفض تكاليف ديونها وتشجع على عمليات الدمج والاكتساب التي تعزز قوتها السوقية، وبالتالي هوامش أرباحها.
وإلى جانب ذلك، فإن حقيقة أنه بوجود أسعار فائدة منخفضة جداً بحيث أن المستثمرين سيشترون من خلالها أي شيء حتى أقل عائد في توزيعات الأرباح، كل ذلك جعل الأسهم تبدو جذابة جداً بالنسبة لهم بالطبع. ومن جهة العرض، فإن المال الرخيص يشجع أيضاً عمليات إعادة الشراء، التي تقلل كمية الأسهم المصدرة وترفع أسعار المتبقية منها.
هذا حال الأسهم بالطبع، ثم هناك الفقاعة الاقتصادية المتوفرة بكثرة في سوق السندات. فقد تصاعدت أسعار العقارات في المراكز المالية إلى أعلى حد، وجلبت الثروة لأصحابها.
لكن المشكلة الكبرى هنا تتمثل في أنه لم يحصل الجميع على مثل هذه الثروة، بل الأشخاص الذين كانوا يمتلكون أرباح الأسهم نتيجة لارتفاع أسعار العقارات. وأوضح تأثير لهذه السياسة المالية المترهلة هو جعل رغد العيش والرفاهية أفضل حالاً.
والجزء الثاني من الخطة لم يعمل حتى بطريقة حاذقة. بالتأكيد فإنه عبر اقتصادات التيسير الكمي فإن أسعار الفائدة المنخفضة عززت الاقتراض وتحفيز الاستهلاك. لكن إنفاق مال الغد اليوم يولد ما يصفه الخبراء بـ «اختلال التوازن الزمني». فإذا أنفقنا مال الغد الآن، فإنه يتعين علينا إما أن نتوقف عن الإنفاق عندما يأتي الغد، أو إذا أردنا مواصلة الإنفاق، فإن علينا أن نقترض المزيد. والحالة الأولى تجلب الكساد، والثانية تسبب فقاعة ائتمانية.
إذاً ما هو الحل لكل هذه الأشياء؟ لا يوجد حل في الواقع، ويحرص الاحتياط الفيدرالي الأميركي، حيث يبدأ عنده الحل الأمثل، على أن يجعلنا نعرف أن العملية بطيئة ومملة جداً. ونظراً للحجم الكبير للتأثيرات الاقتصادية لهذه السياسة بالدرجة الأولى، وحقيقة أنه لم يتم إنجاز مثل هذا الأمر في السابق، فإن هذه العملية تبدو غير مرجحة الحدوث.
وهذا أمر يجب أن نفكر فيه أثناء مشاهدتنا لمصرفيي البنوك المركزية على امتداد العالم، وهم يسعون لنيل الاستحسان في اجتماعهم في وايومينغ في الآونة الأخيرة، غير أن حكوماتنا المنتخبة تنازلت مع ذلك عن هذه السلطة الهائلة لنظامنا المالي بحيث لا يوجد لدينا خيار سوى الاستماع إلى كل كلماتهم، وذلك إذا أردنا الحصول على فرصة للاستنتاج كيف يمكن للأزمة التالية (المحتومة) أن تحدث. أي أنه من كل الأشياء التي حدثت منذ عام 2007، فإن هذه تشكل أقلها منطقية.
