«صنع في الإمارات» ضرورة وطنية وإضافة جديدة لقوة الإمارات الناعمة

من أبرز مزايا قيادة دولة الإمارات قدرتها على استقراء سنن نشوء الدول وارتقائها، واستثمارها في استشراف تحولات المستقبل لرسم خطة محكمة تخاطب الحاضر وتتفاعل معه وفي الوقت نفسه تعد العدة لمواجهة ما تحمله الأيام المقبلة من تحديات.

أدركت حكومة الإمارات الرشيدة باكراً أن آفاق التحول المستقبلي للدولة وانتقالها من بلد حديث النشأة يعتمد على عوائد النفط إلى محور رئيس في الاقتصاد العالمي، تكمن في إيجاد مكامن قوة جديدة لها وتحويلها – إلى جانب النفط – إلى أدوات أساسية تصنع بها مستقبلاً يحقق طموحاتها في التنمية ويضمن لمواطنيها والمقيمين فيها سعادة ورفاهية مستدامتين.

قطعت الإمارات شوطاً كبيراً في رفع مستوى مساهمة القطاعات المختلفة في التنمية الاقتصادية للدولة محققة ما لم تحققه دول أخرى في المنطقة في مجال التنويع الاقتصادي. فشجعت القطاعات غير النفطية ومهدت الطريق نحو رفع تدريجي لمستوى الإنتاجية فيها بما يسهم في دفع الصادرات الإماراتية غير النفطية، عبر استراتيجيات متنوعة.

ووصل الاستثمار الحكومي في القطاعات غير النفطية مستويات من النادر رؤية مثلها في دول أخرى تزخر بالموارد الطبيعية، فتم بناء مدن متخصصة للصناعات المختلفة وأخرى للتجارة، ولتشجيع المنتج الإماراتي من خلال الدفع بقوة نحو دعم ريادة الأعمال وتوفير البيئة المثالية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

كل هذه العوامل قادت الإمارات لتتوجه تدريجياً نحو الاستغناء عن النفط والمصادر الطبيعية الأخرى كمحركات اقتصادية، وبدلاً عن ذلك، تبلورت شخصية الدولة كوجهة استثمارية وتجارية وحتى فكرية من خلال شبكتها المتميزة من المؤسسات الاقتصادية والمالية والثقافية والتجارية.

وبعد اعتماد مجلس الوزراء لنظام علامة «صنع في الإمارات»، يضاف عامل جديد إلى كل العناصر الأخرى التي من شأنها دعم قطاع الصناعة والاقتصاد الوطني في الدولة، وتوفير منظومة تشريعية وإجرائية وأنظمة رقابة تضمن الجودة العالية للمنتجات التي يتم وضع «صنع في الإمارات» عليها.

ومن الناحية العملية، تعد العلامة إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة، ووجهاً حضارياً مشرفاً لها في كل دول العالم وأحد محركات الطلب على البضائع والخدمات التي تحملها. فمن البديهي أن يُقبل المشتري على البضائع التي منشأها دول تمتلك مكانة اقتصادية وسمعة مميزة وتضع الجودة العالية في مقدمة أولوياتها، وبالتالي تخلق شعوراً بالأمان لدى المستهلك وتعزز ثقته.

ومن هذا المنطلق، تعكس علامة «صنع في الإمارات» رصانة الأسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يتمتع بها بلد المنشأ، ألا وهو الإمارات، كما تدلل جودة البضائع التي تصدرها الدولة على قوة المنظومة الرقابية لضمان جودة المنتج وموافقته لأعلى المعايير العالمية.

وتكتسب الخطوة أهمية خصوصاً وأنها تتزامن مع بلوغ استراتيجية الصناعة للدولة مراحلها النهائية ومن المخطط صدورها في نهاية العام الجاري. فالاستراتيجية الجديدة تشكل خارطة طريق لكل إمارات الدولة، وتجعل منها عموداً فقرياً لجهودها في المضي قدماً نحو تنويع الاقتصاد والنهوض بقطاع الصناعات والصادرات غير النفطية للدولة.

ومن المؤكد أن هذه الخطوة وغيرها ستعمل على تعزيز المكانة العالمية للإمارات وتوظيف مسيرتها الطويلة الحافلة بالإنجازات، فبناء القوة الناعمة لا يأتي بقرار وإنما بتخطيط ذي بعد استراتيجي طويل الأمد يغطي قطاعات واسعة تشمل التجارة والصناعة والتخطيط الاجتماعي المميز ويصب كل ذلك في النهاية في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

إن تحويل علامة «صنع في الإمارات» إلى علامة ذات قيمة عالية ورمز موثوق في مختلف أنحاء العالم يهدف إلى نقل القدرات الصناعية في الدولة من مرحلة النشوء والنمو إلى النضج من خلال سياسات وخطط بعيدة المدى تعمل على تعزيز تنافسية الصناعة الإماراتية وتطويرها وتحقيقها لشروط الاستدامة والنجاح. وفي خلال المرحلة المقبلة يجب التركيز على عدد من النقاط الأساسية:

أولاً: تمكين القوى العاملة المحلية والوطنية من خلال نقل الخبرات واجتذاب الكفاءات أنى كان ذلك متاحاً ولكن مع وضع برامج متوسطة وبعيدة الأمد لتأهيل الكفاءات من أبناء الوطن في عدد من القطاعات التي فيها شيءٌ من القصور وهذا يتطلب وضع برامج تدريبية ونظرة شاملة إلى المناهج التعليمية المدرسية والجامعية.

ثانياً: تمتلك الدولة بيئة تعد من بين الأفضل للأعمال إلا أن هدف جعل علامة صنع في الإمارات علامة مميزة عالمياً يتطلب دراسة معمقة لواقع قوانين الملكية الفكرية لما لها من أثر كبير على المصنعين الذين يقدمون السلع والبضائع ذات الجودة والقيمة العالية.

ثالثاً: عقد الشراكات مع المؤسسات والشركات العالمية ذات الخبرة والقدرة في هذا المجال كي نستطيع المنافسة في سوق عالمي مفتوح فيه منتجات قد تكون أنسب أو أرخص أو أقدر في نواحٍ مختلفة. وتحقيق الاستفادة القصوى من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها الإمارات للوصول إلى أسواق عالمية جديدة وتعزيز حضورنا فيها بمنتج يتميز بجودته واستدامته.

وعلى كل المؤسسات الصناعية أن توائم جهودها مع الأجندة الحكومية للدفع نحو اتجاهين، دعم تواجد المنتجات الإماراتية في أسواق عالمية جديدة، والعمل على تنويع الموجود في الأسواق التي تم الدخول إليها مسبقاً.

رابعاً: تطوير قدرات الإمارات – القوية أساساً – في سلاسل القيمة المتكاملة كي نوفر للمصنع الوضع الأمثل الذي يمكنه من توفير المواد وتطوير المنتج وتسويقه وتصديره.

خامساً: تطوير المنظومة الإدارية والتشغيلية لتكون قادرة على التعامل مع الفرص والتحديات التي تفرضها التحولات الكبرى للثورة الصناعية الرابعة. والاستفادة من مكانة الدولة كحاضنة للشركات الناشئة ذات التخصصات التقنية والرقمية.

لطالما استطاعت الدولة إبهار العالم في كل المجالات التي دخلتها. وكلنا ثقة أن قرار قيادتنا دخول هذا المجال الجديد يعني أننا سوف نرى علامة «صنع في الإمارات» علامة ورمزاً عالمياً يحمل معاني الثقة والتميز والجودة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات