يُعد الاعتماد على موارد النفط والغاز عاملاً مشتركاً بين دولة الإمارات العربية المتحدة التي تتميز بإطلالتها على الخليج العربي وبطقسها شبه الاستوائي، وجمهورية كازاخستان التي تتصف بأنها أكبر الدول غير الساحلية في العالم وتعتبر عاصمتها ثاني أكثر المدن انخفاضاً في درجة الحرارة على وجه الأرض. وتسعى الدولتان في الوقت الحالي إلى تأسيس روابط أقوى في مجالات عدة بما في ذلك الطاقة النظيفة.

ويمثل تأمين الوصول الآمن والمستدام إلى الطاقة، وفي الوقت نفسه الحد من انبعاثات الكربون، أحد التحديات الرئيسية التي يُسلّط عليها الضوء في معرض إكسبو 2017 المقام في العاصمة الكازاخستانية أستانا، وهو معرض مفتوح للحكومات والشركات والأفراد يقام تحت شِعار «طاقة المستقبل»، ويأمل منظموه في استقطاب أكثر من خمسة ملايين زائر قبل اختتامه يوم 10 سبتمبر.

وعلى غرار الإمارات، تسعى كازاخستان إلى إنتاج 50 في المئة من الكهرباء من مصادر نظيفة بحلول العام 2050، وأدخلت الجمهورية بالفعل تعرفة تشجيعية لمنتجي الكهرباء من الطاقة النظيفة، وقانون الاقتصاد الأخضر، كما أنها أعلنت الشهر الماضي تمويل مجمع طاقة شمسية جديد بقدرة 50 ميغاواط.

واعتمد الاقتصاد العالمي في القرن العشرين إلى حد كبير على إنتاج ومعالجة الهيدروكربونات، وسيعتمد اقتصاد المستقبل بالقدر نفسه على موارد أساسية مثل المياه العذبة والهواء النقي ومصادر كهرباء يمكن الاعتماد عليها وبيئة نظيفة خالية من الملوثات.

ولأن التقدم الاجتماعي والاقتصادي كان ولا يزال يحدده الابتكار التقني، الذي بالطبع يشكل فيه البشر عنصراً أساسياً، لذا يحمل جناح دولة الإمارات العربية المتحدة في معرض إكسبو 2017 شعار «الطاقة البشرية».

وألهمت رؤية الأب المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حول التنمية المستدامة جيلاً كاملاً جعل دولة الإمارات في مصاف الدول المتقدمة من خلال تنمية مسؤولة لموارد الطاقة التقليدية.

واليوم، تُرشِد هذه الرؤية المبتكرين في دولة الإمارات ليكونوا في طليعة القطاعات المتطورة والقائمة على المعرفة، مثل تحلية مياه البحر بآليات وتقنيات موفرة للطاقة، وتخزين الطاقة الشمسية والتنمية العمرانية منخفضة الكربون، ويتجسد ذلك في المبادرات التي يتم عرضها في جناح الدولة ضمن معرض إكسبو 2017.

ولذلك، فإن عملية رسم مسار نحو مستقبل مزدهر تتعلق في الأساس بتمكين القوة البشرية الإماراتية، وليس مجرد التغلب على التحديات التقنية التي تحول دون تحويل اقتصاداتنا من الاعتماد على القطاع الهيدروكربوني إلى الطاقة المتجددة.

ويأتي تأمين التعليم والتدريب المناسبين وتوفير الوظائف وتنمية المجتمعات المحلية، من بين عدد لا يحصى من التحديات المتعلقة بالموارد البشرية، إضافة إلى أنه ينبغي علينا التأكد من مدى جهوزية خريجي المدارس والجامعات لتحقيق النجاح في ظل بيئة جديدة سريعة التغير.

ولإيضاح هذا، يمكن النظر إلى النقلة التي حققها قطاع الطاقة في الصين، ففي حين يُتوقع أن ينمو إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الصين بمقدار خمسة أضعاف بحلول عام 2030، فإن الجهود الرامية إلى خفض إنتاج الفحم ستؤدي إلى إغلاق ما يقدر بـ 5600 منجم ما سيؤدي إلى احتمال خسارة 1.3 مليون وظيفة، بحسب تقرير نشرته الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا» أخيراً.

وقد يشكل هذا العدد جزءاً صغيراً من التعداد السكاني في الصين، إلا أن استخدام الابتكار التكنولوجي لتأسيس صناعات قائمة على المعرفة وتوفير فرص عمل مستدامة لكوادرها البشرية، هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للإمارات كما هي الحال بالنسبة للصين.

وفي «مصدر»، يشكّل تأمين رأس المال القائم على المعرفة لدعم رؤية الإمارات 2021 جانباً رئيسياً ضمن مهمتنا، وعلى مدى العقد الماضي، سعينا جاهدين للقيام بذلك من خلال ثلاث طرق.

أولاً: استثمرنا بشكل مستمر لاستقطاب وتشغيل ورعاية المواهب، ونظمت «مصدر» ما لا يقل عن 83 دورة تدريبية لموظفيها العام الماضي، وأطلقت الشهر الحالي دورة تدريبية للمديرين المتوسطين بالشراكة مع كلية هارفارد للأعمال، وتم تصميم محتوى الدورة للوصول إلى جميع المستويات داخل الشركة.

ثانياً: قمنا بالتوسع في التطبيقات التجارية للطاقة المتجددة من خلال الاستثمار في نشر التقنيات المتقدمة على نطاق واسع مثل «شمس 1» التي تعد واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية المركزة في العالم، و«مصفوفة لندن»، أكبر محطة عاملة لطاقة الرياح البحرية في العالم حالياً.

ثالثاً: حرصنا على استخدام تقنيات مجربة بهدف إجراء أبحاث تطبيقية، بالتعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات العالمية مثل معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الذي يعد جزءاً من جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا. وتم إطلاق خمس شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا من قبل خريجي معهد مصدر حتى الآن، ويجري حالياً تأسيس سبع شركات أُخرى.

ويعد برنامج «مصدر» لتحلية المياه بالاعتماد على الطاقة المتجددة، مثالاً على هذه الاستراتيجية الثالثة في العمل، ويختبر البرنامج بدائل لتقنيات تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة المستخدمة عادة في منطقة الخليج، ويقوم على المشاريع ضمن البرنامج مطورين خارجيين.

وفي حين يعد الاستثمار الأولي صغيراً نسبياً، إلا أن المحصلة والفوائد النهائية لدولة الإمارات و«مصدر»، هي حصة في الملكية الفكرية التي يمكن تطبيقها تجارياً على نطاق أوسع.

كل هذه الدروس في بناء المعرفة والابتكار الحقيقي يمكن تطبيقها في كازاخستان، والعديد من البلاد الأخرى.

كانت هذه رسالتي عندما زرت معرض إكسبو 2017 أخيراً، وستكون جزءاً من رسالة دولة الإمارات إلى العالم عندما تستضيف دبي معرض إكسبو الذي يحمل شعار «تواصل العقول وصنع المستقبل» في عام 2020. فالطاقة البشرية الإيجابية هي السلعة التي ينبغي أن تتطلع جميع دول العالم إلى ترويجها.

الرئيس التنفيذي لـ«مصدر»