ليس مهماً قيام وكالة التصنيف الائتماني، موديز، بتخفيض دين الصين، لكن ما يتصف بأهمية كبرى هي الرياح المعاكسة الأساسية التي تواجهها تلك البلاد.
ويؤكد تخفيض دين الصين ما نعرفه جميعاً: بأن المديونية في الصين هي مشكلة خطيرة على كل المستويات، الشخصية والعمالية والمصرفية والحكومية، لكن هذا لا يعني بأن المديونين غير قادرين على السداد.
الصين ليست اليونان أو حتى إيطاليا. في الماضي، تمكنت من النمو من خلال عبء ديونها بنواحٍ عدة. وفي العادة، فإن الأشخاص الذين استدانوا بشكل مفرط لشراء ممتلكات يجدون بأن قيمتها المرتفعة تنقذهم. مشاريع البنية التحتية المسرفة في النهاية هي مبررة: إذا تم بناؤها مع الانتظار فترة طويلة سوف تأتي بثمارها. وعلى المستوى المحلي إذا نما الاقتصاد بنسبة 7% وما يزيد من الممكن أن تدير عجزاً نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%، ويبقى بإمكانها أن تخفض عبء الدين العام.
وهناك تطور آخر، مستويات الدين التي تثير القلق في الغرب هي أقل في بلاد مواطنيها يدخرون في العادة ثلث دخلهم. وفيما يستمر الصينيون في الادخار، يمكن للبلاد أن تنمو بصعوبة مع ذلك.
كثيرون نسوا هذا الأمر، وتوقعوا كارثة في الصين، وانتهى بهم المطاف كحمقى نتيجة لذلك.
النمو يتيح للبلاد أن تخطئ استثماريا. القضية ليست مجرد تراكم ديون، على الرغم من أن المسار هذا يبقى مثيراً للقلق، إنما هو تدهور آفاق النمو.
يجب أن يتباطأ النمو في الصين الذي هو عند مستوى 7% في السنة حالياً لمجموعة متنوعة من الأسباب، أهمها الديموغرافيا، فالصين تعاني من شيخوخة السكان، وسرعان ما ستشهد انخفاضاً في القوى العاملة.
هناك دراسة حديثة للخبير لي فوكسيان في جامعة ويسكونسن ـ ماديسون تزعم أن الصين قد بالغت في تقدير عدد سكانها. ووفقا لحساباته، فإن السكان في نهاية عام 2016 كان عددهم 1.29 مليار، بالمقارنة مع أرقام رسمية 1.38 مليار نسمة. سكان الهند هم رسميا عند 1.33 مليار، بالتالي من المحتمل أن الهند قد تجاوزت الصين باعتبارها البلاد الأكثر في عدد السكان في العالم.
الفكرة هنا ليست بشأن السكان فحسب، وإنما أيضا بشأن تدفق العمالة، لقد كانت الصين قادرة على النمو بسرعة لأنها كانت قادرة على تلبية الطلب على العمالة على الرغم من انخفاض معدل المواليد، من خلال نقل السكان بعيداً عن الأراضي إلى المدن. هذا التدفق آخذ في الانخفاض الآن، مما يحد من معدل النمو المستدام، تماما كما حصل في اليابان.
الأسئلة المطروحة حالياً تتمثل بمدى سرعة معدل النمو على المدى الطويل، وما إذا كان بإمكان الصين القيام بهذا الانتقال من سرعة 7% إلى 4% على سبيل المثال من دون أي اضطرابات خطيرة.
التقديرات تختلف، إذ يعتقد بعض الاقتصاديين بأن نمواً بنسبة 4 ـ 5% هو مستدام على المدى المتوسط. وحالياً، فإن الصين تلحق بالركب مع الغرب من خلال تطبيق تكنولوجيا تم تطويرها في الخارج. اللحاق بالركب سوف يستمر لدفع النمو على مدى جيل آخر، لكن مع ضيق سوق العمالة فإن الصين سوف تفقد ميزتها من حيث التكلفة ليس فقط مع الغرب، لكن بالمقارنة مع بلدان مجاورة في شرق آسيا، وبشكل أساسي شبه القارة الهندية.
وتبقى الصين أكبر اقتصاد في العالم، لكنها ستصبح أقل حيوية فيما تكرس المزيد من مواردها لرعاية شعبها وبدرجة أقل لتشغيل المصانع التي تدفع بالصادرات. وفي نهاية المطاف، فإن النمو الصيني سيتباطأ إلى مستويات العالم المتقدم، حوالي 2.5% في السنة، لكن هذا التحول والانتقال ما زال بعيداً قليلاً.
بيد أن الانتقال نفسه من 7% إلى 4% يعد أمراً صعباً، لاسيما في اقتصاد موجه حيث القرارات الأساسية تؤخذ بشكل مركزي. القيادة الصينية واعية تماما بفخ اليابان في الإخفاق في التكيف مع تباطؤ النمو، ولديها مثال على ما لا يجب القيام به.
هناك قضية أخرى، هي نوعية البيانات المتوفرة. لقد حافظت الصين رسمياً على نمو بنسبة 7% منذ عام 2012. في الواقع، كان من الممكن أن يكون النمو أقل بكثير خلال الفترة 2013 ـ 2015، قبل التعافي العام الماضي. تنظيم الانتقال إلى نمو أبطأ هو صعب بما فيه الكفاية كما هو، أما القيام به بمعلومات كاذبة فيشكل كابوساً.
لكن لنتذكر كيف خسر العديد من الناس الأموال والسمعة بالرهان ضد الصين. ولنتذكر أيضا كيف أن الزخم يستغرق مدة طويلة قبل أن تهمد سرعته. يجب على الصين الاستمرار في إصلاحات صديقة للسوق، ورفع الإنتاجية وإتاحة المجال للشركات السيئة بأن تغلق أبوابها، واتخاذ قرارات أكثر رشيدة بشأن البنى التحتية. عليها أيضاً أن تحافظ على اندفاعاتها لتحسين المعايير البيئية والأداء البيئي.
تعلم القيادة الصينية بكل هذا، وليست بحاجة إلى نصيحة من وكالات تصنيف أميركية لما ينبغي القيام به. لكن إدارة مثل هذا الانتقال الهائل يبقى تحدياً هائلاً، والقصة الأكثر إثارة في الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن.
محلل اقتصادي بريطاني
