تنافس أميركا والصين في مجال الابتكار الصناعي

تقضي خطة البيت الأبيض بإيجاد 25 مليون وظيفة جديدة في العقد المقبل في الولايات المتحدة، من أجل إعادة النمو الاقتصادي وزيادته 4% سنوياً. وعلى النقيض من ذلك، ترتكز خطة الصين لخمس سنوات التي اعتمدتها البلاد أخيراً، على التقدم السريع في التصنيع المتقدم والقدرة على الابتكار.

وما يبعث على الغرابة، هو تركيز أميركا على نوع من السياسة الصناعية التي عادة ما ترسم لاقتصادات أقل نمواً، في مقابل انخراط الصين في استراتيجية ابتكارية تسود في اقتصادات أكثر ثراء، فما هي النتيجة؟

اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سبيل تعزيز قوة الصادرات الأميركية من حيث الحجم، الخبير الاقتصادي بيتر نافارو لترؤس المجلس التجاري الوطني، وتكمن مهمة نافارو في الإشراف على السياسة الصناعية، مع استهداف العجز التجاري، مفسحاً المجال للنزعة الحمائية التجارية لترامب «أميركا أولاً».

وحتى وقت قريب، كانت انطلاقة السياسة الصناعية الجديدة على نطاق صغير نسبياً بتأثير محدود. ولو تم تبنيها على أساس أوسع نطاقاً، فإن التأثير ربما سيكون كبيراً ولأطلق العنان، ليس لنمو أعلى بكثير بل لنمو بوتيرة أبطأ بسبب انخفاض مكاسب الإنتاجية، ولأطلق تضخماً ورداً انتقامياً من الشركاء التجاريين وانخفاضاً في أسعار الأسهم.

ففي عام 1930، أصدر الكونغرس الأميركي قانون التعريفات الشهير سموت-هاولي، فارتفعت كلفة المستوردات الأجنبية بشكل كبير، ما سبب رداً انتقامياً من دول أخرى.

الآن، فيما الاقتصادات المتقدمة غارقة في الركود في ظل تفادي التغييرات الضرورية، تنتقل الصين لتطبيق إصلاحات هيكلية واسعة النطاق، وباتجاه صناعات جديدة يغذيها التطور القائم على الابتكار. وكما يتضح من القمتين الأخيرتين اللتين عقدتا في بكين، فإن المخطط الجديد من خمس سنوات يدمج مبادرات حديثة متعلقة بالتكنولوجيا تشمل مبادرات «الصناعات الناشئة الاستراتيجية»، و«الابتكار التكنولوجي العلمي 2030»، و«إنترنت بلس»، و«مصنوع في الصين 2025».

وتتبنى الصين الآن تكنولوجيات ذات أولوية مثل «إنترنت الأشياء» و«بيغ داتا» والتصنيع الذكي للانتقال في سلسلة القيمة في العديد من القطاعات الأساسية. وهناك حوالي 75 من التكنولوجيات ذات أولوية، بنحو 60 تكنولوجيا إضافة عن الخطة السابقة، على سبيل المثال الروبوتات التي ضاعفت الصين إنتاجها السنوي منها ثلاثة أضعاف إلى 100 ألف في خمس سنوات.

وفي سياق هذا التطور في الصين، سيرتفع دور الصناعات المتقدمة، والخدمات الحديثة، والصناعات الناشئة الاستراتيجية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بشكل كبير. وقد تم الآن تخصيص رقم قياسي مرتفع للبحوث والتطوير نسبة إلى الناتج (2.5%).

في عام 2010، كانت البحوث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الصين منخفضة نسبياً (1.6%)، وبحلول 2020، فإن الرقم سيكون أعلى من متوسط الاتحاد الأوروبي، ويعادل الاقتصادات الأكثر تقدماً (2.5%) ويقترب من الولايات المتحدة (2.7%).

ومنذ أوائل الثمانينات، كانت حصة أميركا من القيمة المضافة الصناعية العالمية تتراجع من 29% إلى 19% في 2015. ومنذ انفجار فقاعة الأصول، انخفضت حصة اليابان من الصناعات التحويلية العالمية إلى نحو 7%. كما انخفضت في الفترة نفسها، الصادرات الألمانية إلى النصف تقريبا، إلى اقل من 6%، على الرغم من الفوائد النسبية من ارمه القروض السيادية الأوروبية.

وكان تراجع حصة الاقتصادات المتقدمة في الصادرات انعكاساً لزيادة النشاط التصنيعي في الاقتصادات الناشئة الكبرى، لا سيما الصين، التي حلت محل أميركا كأكبر دولة تصنيع في عام 2010. ونتيجة لميزة الكلفة المنخفضة للاقتصادات الناشئة وتصدير الأعمال إلى الخارج، فإن الاقتصادات المتقدمة مالت إلى التركيز أكثر على القيمة المضافة الأعلى، والتي هي ميزتها النسبية.

لكن الآن مع اختيار الولايات المتحدة سياسة صناعية مختلفة كثيراً، قد تكون النتيجة الصافية لذلك المساهمة في التراجع النسبي طويل الأمد للابتكار في الولايات المتحدة، وفي الصناعات المدنية والدفاعية على حد سواء.

وكما يتضح من بحوث حديثة، فإن الزعامة الأميركية للابتكار العالمي تستمر في التراجع والابتكار وهناك خطر في أن تراوح مكانها. وفيما ما زالت الدولة الأكثر ابتكاراً في العالم، فان الزعامة الدفاعية الأميركية لم تعد مضمونة، ونظراً إلى واقع أن الابتكار الدفاعي في الولايات المتحدة يشكل نحو نصف الابتكار الإجمالي، فإن هذا التراجع لا يؤثر فقط على الابتكار الدفاعي والقدرات الدفاعية، لكن على مجمل الابتكار التجاري والتنافسية الأميركية.

وعلى نقيض أوباما، يأمل ترامب في تسهيل النمو الأميركي من خلال «إصلاحات ضريبية مؤدية للنمو» ومن خلال إعادة التفاوض أو نقض اتفاقات تجارية، لجلب الوظائف ذات الأجر المرتفع ودعم الصناعة الأميركية.

وفي الواقع، فإن الاعتماد على أدوات سياسية جديدة (خفض الضرائب، وإلغاء الضوابط التنظيمية وصادرات الطاقة الجديدة) قد ترفع الحظوظ الاقتصادية للولايات المتحدة على المدى القصير، لكنها سوف تسهم في زيادة التدهور على المدى الطويل (تعميق التفاوت في الدخل،.

والتكلفة الاجتماعية المترتبة على إزالة الضوابط الاجتماعية، والأخطار البيئية المرتبطة باستخراج النفط الصخري). ومن المستعبد جداً أن يعود أداء النمو المرتفع المستدام، والأمر ينطبق على توليد الوظائف على نطاق واسع.

وتبدو إدارة ترامب للمفارقة أنها تحاول تحقيق التقدم في مجالات ذات أولوية ثانوية مصيرها توليد تقدم ضئيل أو عابر، مع تجاهل التقدم الذي يمكن تحقيقه في مجالات التنافسية والابتكار. وإذا ثبتت صحة هذا الأمر، فإن الصين لن تكون في موقع لجني ثمار المنافع من إصلاحاتها، بل أيضاً لجني ثمار المنافع من أخطاء السياسة الأميركية.

 

 

محلل اقتصادي وسياسات فنلندي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات