لم تكن العديد من الوظائف المعروفة اليوم موجودة قبل 10 سنوات مضت؛ إذ لم يسمع أحد آنذاك ببعض المهن السائدة اليوم مثل مطوّر التطبيقات أو «سائق لدى شركة أوبر». ولم تكن مسؤوليات المدير المشرف على قنوات الإعلام الاجتماعي قبل 10 أعوام تتجاوز إدارة وأرشفة الأفلام، ولكن ماذا عن مهندسي الحوسبة السحابية؟ في الواقع، لم يكن أحد يعرف في السابق المعنى الحقيقي لهذه الوظيفة.
كما لم نشهد انتشار محللي البيانات الضخمة، أو مشغلي الطائرات بدون طيار، أو حتى ناشري المدوّنات المصوّرة، ولكن مرور 10 أعوام كان كفيلاً بإحداث تغييرات جذرية في سوق العمل. ومع استعدادنا لاستقبال تطوّرات جديدة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، نتوقع بزوغ نموذج أعمال جديد ألا وهو عمليات الأتمتة التي ترتكز على أفضل أنظمة التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي.
رفع الجاهزية لمواكبة سوق العمل
رغم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلّة لا تزال شيئاً من المستقبل البعيد، ولكن أثر التعلم الآلي سيتجسّد بوضوح قريباً، فمع حلول العام 2021 -أي بعد 5 سنوات فقط من الآن- ستشغل الروبوتات نسبة 6% من جميع الوظائف في الولايات المتحدة وفقاً لدراسة أجرتها شركة «فورستر». وتوجد مؤشرات إيجابية في هذا المجال، إذ يقدّر بروفيسور في جامعة رايس في هيوستن أن نحو 50 % من الأعمال المعروفة في عالمنا اليوم ستكون حصراً على أنظمة الذكاء الصناعي بحلول عام 2045.
وتأتي الوظائف المنسّقة في صدارة هذا المشهد؛ إذ يمكن تقسيم هذا النوع من الوظائف إلى أجزاء مصغّرة وتبسيطها وترميزها بالاعتماد على أوامر رقمية محددة. ويمكن القول إن العاملين في مجال خدمات العملاء، وسائقي الشاحنات والقطارات وسيارات الأجرة سيكونون بالتأكيد ضمن دائرة الخطر، ولكن أصحاب الوظائف الأكثر تعقيداً لا يزالون في مأمن، إذ يمكن للأطباء ومحللي الأعمال أن يطمئنوا لأن الأتمتة لن تستحوذ على وظائفهم، أقله حتى الآن.
وتتبنى إحدى المدارس الفكرية توقعاتٍ تشير إلى أن المهن التي تتطلب امتلاك مستوى كاف من المعرفة ستستفيد من الذكاء الاصطناعي، مع نشوء المزيد من المهن الجديدة، إذ لا يزال الكثير يذكرون النقلة النوعية التي أحدثها دخول الحواسيب إلى الحياة المكتبية. من الممكن جداً أن تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتأدية بعض الوظائف المتكررة نسبياً، لتفسح المجال أمام العديد من الفرص في مجالات تتطلب التدخل البشري.
ولكن الشيء المؤكد هو أن بزوغ الموجة الجديدة من الأجهزة والآلات الذكية سيزيح من الطريق كثيراً من فرص العمل الحالية التي ستصبح قديمة الطراز، تماماً كما حدث في قطاعي الزراعة والتصنيع. وبغض النظر عن النتائج، لا مفر أمامنا من الاستعداد لمواجهة الموجة الأولى للتغيير في مشهد سوق العمل واستغلال هذا التغيير لتحقيق صالح المجتمع.
عالم من الطموحات الجديدة
لم ننعزل في شركة «موانئ دبي العالمية» عن ركب هذا التطوّر واستشراف المستقبل، إذ نستمر بتقديم برنامجنا التعليمي العالمي للأطفال بسن 8-14 عاماً عبر محفظة أعمالنا العالمية، بهدف تعليم الناشئة من المتحمسين للتكنولوجيا الذكية كل جديد في قطاعنا ودور التجارة في دفع عجلة التطور في العالم وتحقيق رفاه الأمم.
وفي مناطق أخرى من العالم، نعمل على تجربة أحدث تقنيات الأتمتة، مثل بوابة «روتردام ورلد غيتواي» التي نشغّلها، فيما ندرس خيارات الاستفادة من تقنيات «هايبرلوب» في نقل البضائع في الإمارات العربية المتحدة. ويتم كل هذا في الوقت الذي بتنا نشهد فيه المنافع الهائلة التي تقدّمها المركبات بدون سائق، والبيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، وأنظمة المحاكاة.
وفي نهاية المطاف، أتوقع أن تلعب قدرة الآلات على التعلّم دوراً كبيراً في تبسيط الخدمات اللوجستية، وتعزيز السلامة في عملياتنا. ولكنني على ثقةٍ بأن أهمية رأس المال البشري لن تتزعزع في شركتنا- بل أتوقع إيلاء المزيد من الأهمية الاستراتيجية له نتيجة ازدياد تركيزنا على التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية، والريادة، والابتكار.
ولهذا، نكرّس جهودنا للاستثمار في فريق عملنا لمواكبة سوق العمل المتغيّر. ويوفّر التدريب الذي يقدمه معهد «موانئ دبي العالمية» الرائد عالمياً مزيجاً فريداً من أساليب التدريب التقليدي ولتدريب الإلكتروني وتطوير المواهب الجديدة.
الاستعداد لاستقبال ثورة الذكاء الصناعي
ينبغي على الدول كافة الشروع في مناقشة الآثار الأخلاقية والمعنوية لعمليات التسريح الجماعي إذا ما حدثت بالفعل؛ ولكن كيف سيسهم الأفراد الذين سيتقدّمون وسط هذا العالم الجديد والطموح في دعم نظرائهم ممن يمتلكون مهارات عفا عليها الزمن؟ وستحظى الدول التي تخطط وتستشرف المستقبل بميّزة تنافسية على حساب تلك التي تتخلف عن ركب التطوير، ولهذا، أقترح أن نتكاتف ونعمل بشكل مشترك لاتخاذ الخطوات التالية:
بناء القدرات: حض الشباب على تطوير وتنسيق مهاراتهم التي ستمنحهم موقعاً متميزاً في الاقتصاد الجديد، حيث ستبقى مجالات الهندسة والعمارة والتصميم والطب من المهن العصية على الآلات، في حين سيرتفع الطلب بشكل كبير على الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا والبرمجة، وهو ما يعني اليوم ضرورة الحصول على التدريب الكافي استعداداً للمستقبل.
المحافظة على الكوادر المتأثرة: لا يمكننا أن نكتفي بالإشارة لعدم الحاجة لسائقي الشاحنات خلال الأعوام العشرة المقبلة، إذ ينبغي وضع خطة مدروسة لتدريب تلك الكوادر وتعزيز انخراطها في مسيرة النمو الاقتصادي عبر توظيف مهاراتها الجديدة.
التأكيد على الإبداع والقيادة وصنع القرار: أسهمت الثورة الصناعية في خفض أعداد الناس الذين نحتاج إليهم لأعمال حراثة الحقول على سبيل المثال، ولكن لا تزال هناك حاجة للمشرفين من أجل اتخاذ القرارات، ومواءمة النتائج والمخرجات والحفاظ على سير عمل الآلات.
ويقع على عاتق الدول مسؤولية إعداد كوادرها بالشكل الأمثل لشغل أدوار لا تنافسها الآلات، حيث تُظهر الأبحاث الصادرة عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» أن علماء البيانات، ومديري تحسين محرّكات البحث، ومتخصصي جذب المواهب يمثلون نسبة كبيرة نسبياً من المهارات المطلوبة حالياً لشغل الوظائف.
ومع التوقعات بمساهمة أنظمة الذكاء الاصطناعي في تغيير طبيعة سوق الوظائف خلال الأعوام الخمسة المقبلة، ستبقى مهارات القيادة والإبداع والابتكار والمعرفة من العناصر الأساسية التي ستبرز في صدارة مشهد التوظيف.
ونقف اليوم على مفترق طرق في واقع التوظيف، حيث يمكننا اتخاذ قرار التعنّت ومجابهة التغيير المحتوم، أو العمل بشكلٍ استباقي وتصميم الخطط وتدريب الموظفين على التكيّف مع التغيير، بشكل يضمن حصول السكان والمواطنين على المهارات التي تمكّنهم من اتخاذ خطوات ثابتة وناجحة في الواقع الجديد لسوق العمل، تجاوز المنافسة مع الأقران، لمنافسة الآلات والأتمتة.
