لمعرفة مدى اعتمادنا على كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية، علينا فقط التركيز على حقيقة أن يكون أحد الفائزين المحتملين من فترة «الانقطاع السيبراني» العالمي، الذي سببته سلسلة الهجمات السيبرانية الأخيرة، والتي ألمت بالمؤسسات العامة والخاصة في جميع أنحاء العالم، هو الشركة ذاتها التي تم اختراق برامجها، ألا وهي «مايكروسوفت».

لقد عاثت هجمات فيروس الفدية «وانا كراي» الفوضى بشركات مثل «فيديكس» و«تيليفونيكا»، فضلا عن هيئة الخدمات الصحية البريطانية، حيث تم إلغاء العمليات وإجراءات الأشعة المقطعية، كما لم يكن بالإمكان الوصول لنتائج الاختبارات الطبية وسجلات المرضى.

في نهاية مطاف نجح «بطل عابر» في إيقاف الهجوم الإلكتروني العالمي بتدخل منه، ويعمل مدوناً في أمن تكنولوجيا المعلومات، ويبلغ من العمر 22 عاما، وهو من مقاطعة ديفونشير البريطانية.

وهو شاب يدعى ماركوس هتشينز، وقد عمل، دون قصد، على توليد وتنشيط «مفتاح تدمير» تلك البرمجيات الخبيثة عن طريق كتابة اسمٍ معين كان مخبأً داخل البرنامج.

ولكن حتى قبل هجمات «وانا كراي» الأخيرة، فإن مايكروسوفت، التي سعت لإخلاء مسؤوليتها من العيوب في منتجاتها، كانت تدعو المؤسسة الرقمية لعقد اتفاقيات من شأنها حماية المدنيين من الهجمات السيبرانية. وفي الوقت ذاته، من شأن مثل تلك الاتفاقيات حصر المسؤولية على كبرى شركات التكنولوجيا التي يمكنها المساعدة على ضمان سلامة الانترنت.

وفي أعقاب هجوم الفدية، صعدت مايكروسوفت خطابها، ليطالب مسؤولوها باتخاذ إجراءات فورية من قبل الحكومات.

بيد أن هنالك خطباً ما فيما يتعلق بتلك المحاولة، حيث إن مايكروسوفت تطلب، وبشكل أساسي، منحها المزيد من الواجبات والمسؤوليات من خلال التشريعات الدولية. ولكن هل هنالك شركة ما ترغب، وبشكل طوعي، بفرض المزيد من تلك اللوائح المفروضة على عملياتها العالمية؟

مع ذلك، فإن أسباب ذلك الحماس الإنساني، الذي أصبح العلامة التجارية لصناعة التكنولوجيا، أناني للغاية.

أولاً، لأنه بمثابة عملية دعائية تفصيلية تهدف لتصوير الهجمات السيبرانية باعتبارها مسألة طبيعية وحتمية، أو على الأقل كشيء لا يمكن إلا للحكومات القومية تحمله، ومن خلال هذا المنطلق، فإن شركات التكنولوجيا ليست إلا «ضحايا» لهجمات القرصنة المتطورة التي يشنها عباقرة وكالات الاستخبارات.

ثانياً، ليس هناك ما يشير إلى أن أميركا، التي لديها جهاز القرصنة الأكثر تطوراً والأوسع نطاقاً في العالم، ستوقع على اتفاقيات جنيف الرقمية تلك. وهي البلد ذاته الذي يرفض التصديق على بروتوكولات عديدة تعتبر أساسية لاتفاقيات جنيف الأصلية.

ثالثاً، لا يمكننا استيعاب رغبة مايكروسوفت في إيجاد قرارات تنظيمية دون فهم الأمور التي ستنطوي عليها. وبشكل أساسي، أصبحت الهجمات السيبرانية الحديثة هائلة وأكثر تعقيداً بحيث إن الجهات الفاعلة الوحيدة القادرة على حمايتنا منها تتمثل بشركات مثل «غوغل»، «فيسبوك» و«مايكروسوفت».

حتى أن العديد من خبراء الأمن يقرون حالياً أن استخدام الخدمات التجارية من عمالقة التكنولوجيا الكبيرة يضعنا بمأمن من الهجمات السيبرانية، وذلك بدلا من تشغيل خوادم البريد الإلكتروني الخاصة على سبيل المثال، وهو درس مستفاد من تجربة تسريبات البريد الإلكتروني لوزير الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون.

حينما أصبح الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي عنصرين أساسيين في تحديد شكل الهجوم الخبيث، من الواضح أن كل من يسيطر على تلك الموارد سيكون أيضا مزوداً رئيسياً للخدمة. وفي هذا المجال، ندرك أن هنالك عدداً قليلاً من المنافسين لشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، أو حتى ليس لهم وجود.

إذ إن هناك بعض الشركات الصينية التي تحاول اللحاق بالركب، ولكن دون تحقيق نجاح كبير لأن تلك المعركة تنطوي على متابعة عالمية للمواهب والبيانات اللازمة لتدريب أنظمة التعلم الآلي.

من هنا نتساءل، كيف طورت شركات التكنولوجيا الأميركية تلك قدراتها المميزة في مجال الذكاء الاصطناعي؟

يأتي بعض الأجوبة مرتبطاً بإرث الحرب الباردة والتمويل الحكومي الهائل الذي نجم عنها، غير أن بعضها يأتي من الطبيعة الخاصة لنماذج الأعمال التجارية التي يدفعها، وإلى حد كبير، إصرار أميركا على تحرير التجارة العالمية من الخدمات، وإزالة أي عوائق تحول دون التدفق الحر للبيانات.

تعد تلك النماذج التجارية مؤلمة حتى في بساطتها، فشركات مثل «غوغل» و«فيسبوك» تستخدم الإعلانات لتسديد ثمن خدمات عديمة الأهمية، نسبياً، مثل البحث أو البريد الإلكتروني، وبالمقابل تستخدم وتنشر بيانات المستخدم لتطوير منتجات هامة مثل السيارات ذاتية القيادة أو التحليلات الصحية المتقدمة القادرة على تشخيص الأمراض في وقت مبكر.


كاتب روسي وباحث في التأثيرات السياسية والاجتماعية للتكنولوجيا