الإعلام مليء بأحاديث عن التباطؤ الاقتصادي الصيني، حيث إن نمو ناتج البلاد المحلي الإجمالي بخانتين على مدى عقود، يتراوح الآن بين 6 إلى 7% وفقاً للإحصاءات الرسمية.

لكن فيما التباطؤ الاقتصادي للصين هو حقيقي، يظهر نمو المستهلك الصيني كقوة مؤثرة على المسرح العالمي مؤشرا ضئيلا إلى حدوث تراجع. بحلول 2020، سيكون هناك تقريبا 400 مليون «مستهلك من التيار السائد» وفقا لتسمية شركة ماكينزي، وهم مستهلكون بدخل منزلي يتراوح ما بين 16 ألف دولار إلى 34 ألف دولار، ويشكلون بالتالي جزءاً من «الطبقة الوسطى». هؤلاء المستهلكون سيهزون العالم.

الحكومة الصينية ملتزمة في نقل اقتصاد البلاد من اقتصاد يقوده الاستثمار الى اقتصاد يقوده الاستهلاك. وتدرك بكين أن المصادر التي حققت من خلالها نمواً هائلاً في العقود الماضية، وهي الاستثمار، الصادرات الرخيصة والهجرة من الريف إلى المدينة، لم تعد بإمكانها أن تتحكم بنمو الناتج المحلي الإجمالي بقدر ما كانت تفعل في السابق، وأنه ينبغي عليها إيجاد مصادر جديدة للنشاط الاقتصادي.

الأخبار السارة لصناع السياسات في الصين هو أن الإنفاق الاستهلاكي يزداد بقوة. وتوضح سارة بومفري في «يورومونيتور» ذلك بالقول: «لأن الصين سوق غير ناضجة، فإن الإنفاق الاستهلاكي ما زال ينمو على الرغم من تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي. وهو يتفوق على نمو الناتج المحلي الإجمالي وأقوى بكثير من نمو الإنفاق الاستهلاكي في الاقتصاديات المتقدمة».

ووفقاً للكاتب جيفري تاسون، مؤلف كتاب عن الصين، فإن النمو السريع للطبقة الوسطى في الصين يشكل قوة جديدة «يجب أخذها في الاعتبار بشكل مستقل عن الصعود الاقتصادي العام للصين».

وتقدر «يورومونيتور» أن تساهم الصين أكثر من أي دولة أخرى في نمو الإنفاق الاستهلاكي العالمي من الآن حتى 2030. الصين هي أصلاً أكبر سوق تصديري لـ43 بلداً، وبالمقارنة، فإن الولايات المتحدة الأميركية هي أكبر سوف تصديري لـ32 دولة فقط. وحتى فترة أخيرة، حلمت الشركات في «النجاح الكبير المتحقق في أميركا، الآن على الأرجح أنها تحدق مطولاً في السوق الهائل للصين».

لكن المشهد الاستهلاكي في الصين يتغير بسرعة مع زيادة المستهلكين ثراء. فقد تحول المتسوقون الصينيون بعيداً عن «مشتريات القيمة» الصرفة.

حيث السعر هو أهم عامل في قرار الشراء، وينظرون الآن بقوة في عوامل مثل، العلامات التجارية والجودة والمكانة المرتبط بالمنتجات. وفقاً لتاسون ينبغي على الشركات أن تكون جذابة بالنسبة إلى «مستهلكين عاطفيين بشكل متزايد» يمكنهم ان يكونوا متقلبين جدا أكثر من أي ثقافات أخرى.

مثال على ذلك هو «بوبي بير»، دمية الدب الأرجواني المصنع في مزرعة بتسمانيا بأستراليا، والذي زاد الطلب عليه من 10 طلبية في الشهر إلى 34 ألف طلبية، بعد أن قامت الممثلة الصينية زانع زينغيو بنشر صورة لها على الإنترنت. ثم بالسرعة التي ارتفعت فيها المبيعات، هوت مع ظهور تقليد للدب في الصين.

وتسلط حادثة «بوبي بير» على انتشار المنتجات المقلدة والمزورة في الصين، مما أزال الثقة في المنتجات المنتجة محلياً. ومع كثرة المنتجات المزيفة فإن الصحة والسلامة أصبحت مصدر اهتمام هائل بعد فضائح لا تحصى ولا تعد.

وهذا يؤثر على سلسلة كاملة من المنتجات، من لعب الأطفال الى الغذاء والأدوية، والملابس. وتوضح الحادثة أيضا قوة النجوم الصينيين في سرعة تشكيل طلب المستهلكين.

وسيكون في الصين 345 مليون شخص فوق سن الستين بحلول 2030 بزيادة بأكثر من 80% مقارنة بعام 2013. ومع إيغال السكان في العمر، فإن الطلب على خدمات الرعاية الصحية سوف يزداد بشكل كبير، فيما نظام الرعاية الصحية في الصين غير مهيأ بالكامل. تريد الحكومة الصينية زيادة نفقات الرعاية الصحية الى 7-7.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2020، صعودا من 5.6% في عام 2013.

لكن تاسون يعتقد ان «المستشفيات الصينية متخلفة كثيراً عن اقتصادات نامية أخرى مثل الهند» و«المستهلكون لن ينتظروا وسوف يستقلون الطائرات إلى سنغافورة ولندن للحصول على علاج».

وسوف تتطلع الشركات الأجنبية لملء الفراغ وجني المكافآت المالية. تخطط شركات العقارات المعمرة السنغافورية لبناء 20 إلى 40 مركز رعاية صحية في أنحاء الصين. وسوف تحصل شركات الأدوية الكبرى على المزيد من الأرباح، وتلعب الثقة مجدداً دوراً كبيراً في قيادة هذا النمو. الأمر لا يتعلق فقط بالجيل الأكبر سناً الذي ينفق أكثر على الصحة، بل إن الصينيين يتوجهون بشكل متزايد إلى الأطعمة العضوية الأكثر كلفة.

السياحة والتعليم سوف يتأثران بشكل كبير أيضاً. سوق السفر الخارجي في الصين سيكون أكبر مرتين من الولايات المتحدة في عام 2025. كما ستجني الجامعات الغربية الكثير في ارتفاع المداخيل الصينية. ويشكل الطلبة الصينيون ثلث الطلبة الدوليين في الولايات المتحدة.

ومع تحول الاقتصاد الصيني إلى اقتصاد لا غنى عنه لمزيد من البلدان والشركات حول العالم، فإن اللغة الصينية ستزدهر. هناك 100 مليون من غير الصينيين يتحدثون الآن هذه اللغة. وسوف تقوم الشركات بضخ الموارد في محاولة لفهم السوق الصيني وتفضيلات المستهلك الصيني.

وما يعنيه سوق الاستهلاك الهائل للصين هو أن البلاد ستكون قادرة على تحديد شروط الاتفاقات التجارية لصالحها، وفي جزء هام بسبب القوة التفاوضية لقاعدتها الاستهلاكية الهائلة.

ماذا لو أن التباطؤ الاقتصادي للصين أصبح أزمة اقتصادية نتيجة لتراكم دينها الهائل؟ مستويات الدين في الصين هي مرتفعة بشكل يثير القلق، عند 247% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015. ويعبر أحد الخبراء قائلاً: «أزمة هي ربما السيناريو الثاني..

لكن حل المشكلة مستحيل.. إذا قررت الحكومة عدم تغيير النظام، فإنها ستستمر في إساءة استخدام رأس المال. وسوف تعاني الطبقة الوسطى من التقزم، وتصل أرصدتها الى أعلى حد».

ولا يمكن إنكار أن أزمة اقتصادية خطيرة من شأنها أن تضعف السوق الاستهلاكي الصيني. بعض المحللين يتوقعون حدوث أزمة، لكن الحقيقة أن لا أحد يعلم، ففي النهاية، لم يتوقع أحد أزمة 2008. معظم المحللين يتوقعون تباطؤاً بدلاً من الأزمة.

عموماً، من الواضح بأن النمو في الإنفاق الاستهلاكي الصيني يحدث الآن، دون أزمة كبيرة، سيستمر في النمو حتى لو واصل تباطؤ الاقتصاد الصيني. ولن تبذل بكين جهودا هائلة في إعادة التوازن للاقتصاد الصيني ليصبح اقتصاداً يقوده الاستهلاك بصورة أكبر. يقول تاسون: «تأثيرات إنفاق المستهلكين في الصين تحلق فوق العالم».

مستشار في وكالة أبحاث السوق