لم يستغرق "المحافظون" وقتاً طويلاً خلال الحملة الانتخابية الحالية، لأن يستعرضوا الخرافة القديمة القائلة بأن العمال هم حزب فرض الضرائب المرتفعة في حين أن "المحافظين" هم أصحاب اقتطاع الضرائب بالفطرة.
وقد يصح القول بأن حزب المحافظين يحبذ الاقتطاع غير العادل للضريبة المباشرة، إلا أنه لا ينطبق حتماً على «الفطرة» المنصفة الأقل تقدمية حيال رفع الضريبة غير المباشرة.
ودعونا لا ننسى بأن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر التي رفعت ضريبة القيمة المضافة من 8 إلى 15 بالمئة بعد أسابيع فقط من نفي وجود مخططات للإقدام على الخطوة خلال حملة عام 1979 الانتخابية، وعمد وزير المالية السابق جورج أوزبورن إلى القيام بالأمر عينه، فرفع نسبة الضرائب من 17.5 إلى 20 بالمئة عقب نفي مشابه عام 2010.
وكانت تاتشر مولعة بالقول إن حزب العمال سيمضي في الإنفاق حتى الاستيلاء على آخر قرش من أموال الآخرين. لكن النظر إلى الضريبة على أنها جزء من إجمالي الناتج المحلي منذ العام 1979، يظهر أن معدل عبء الضريبة الإجمالية السنوي في عهدي تاتشر والسير جون مايجور بلغ 35.5 بالمئة من قيمة إجمالي الناتج المحلي.
أما إجمالي العبء الضرائبي في عهدي رئيسي الوزراء الحالية تيريزا والسابق ديفيد كاميرون منذ 2010 بلغ معدل 35.23 بالمئة أيضاً، في حين أنه وصل في ظل حكم رئيسي الوزراء الأسبقين طوني بلير وغوردون براون إلى 35.1 بالمئة، أي بمعدل أدنى بقليل مما كان عليه في عهد المحافظين.
واعتبرت تيري كيللي أن مطالبة الخبير الاقتصادي بول مايسون باتباع سياسة ضريبة تصاعدية جذرية أمر مرحب به.
وأكدت أنه محق بأنه لا يمكن حصر المستفيدين من سياسة حزب العمال المتعلقة بالضريبة والإنفاق بطبقة «الفقراء» وحسب.
إلا أنه يتجاهل مدى معاناة هؤلاء في ظل حكم حزب المحافظين، وإمكانية تزايد أعداد هذه الطبقة في ظل السياسات الحالية المتبعة. لا سيما أن لائحة أولوياته تتضمن رواتب التقاعد وليس مكاسب الفئة العمرية المنخرطة في سوق العمل.
وعلى نحو مشابه فقد انحصر الحديث عن مستقبل رواتب التقاعد ذات القفل الثلاثي دون التطرق إلى التجميد الحالي لمستحقات العاملين. وتعتبر هذه واحدة من اقتطاعات المستحقات الأكثر ضرراً التي يفرضها حزب المحافظين وهو أمر قيد التصعيد عقب تضخم ما بعد البريكسيت.
وهناك على الأقل تعهد بعدم اللجوء إلى مثل هذه الاقتطاعات من قبل البرلمان الحالي، الذي لم يعد قائماً بما يعرّض الأمن الاجتماعي للخطورة مجدداً.
ولا بدّ من دفع المحافظين على أقل تقدير لتجديد هذا التعهد، ولرفع تجميد المستحقات فوراً للمساعدة على قلب اتجاه المدّ الأسوأ على صعيد الفقر وعدم المساواة منذ عهد تاتشر.
وردّ روث ليستر عضو مجلس اللوردات العمالي على مقال بول مايسون الأخير ذي العلاقة بالتأكيد على صوابية رأيه فيما يختص بفرض ضرائب جديدة بهدف تأمين أموال تحمي هيئة الخدمات الصحية والمدارس في بريطانيا.
لكنه أشار في الوقت عينه إلى التعتيم الحاصل حول طرح الهيئة إمكانية استدانة بضع مليارات الجنيهات من شركات الاستثمار الخاص.
وتعقد الآمال بأن يتمكن صندوق التحوط من سداد تكلفة المباني والمعدات وأجهزة تقنية المعلومات الجديدة، علماً أن الأمر يشبه التقدم خطوة أخرى نحو الخصخصة. من الواضح أن المبرر وراء تلك الخطوة يذهب باتجاه تحقيق الاستفادة القصوى من معدلات الفائدة المنخفضة.
لماذا ينبغي التفكير في دفع الفوائد في الوقت الذي يمكن فيه للحكومة جمع المبالغ بدون فوائد؟ يتعين على حزب العمال المطالبة في كل فرصة تسنح والتأكيد بأنه إذا أراد الشعب تمويل هيئة الخدمات الصحية بالشكل الصحيح فليس هناك من سبيل إلا التصويت.
وأشار بيتر فيلدمان صاحب كتاب «العالم على مفترق طرق» إلى تعهد تيريزا ماي بألا ترفع الضريبة على القيمة المضافة، مع تلميحها إلى إدخال زيادات على الضمان الاجتماعي وضريبة الدخل.
وعلى الرغم من اعتبار الضريبة على القيمة المضافة ضريبة رجعية نظراً لإن الفقراء ينفقون المزيد من دخلهم مقارنةً بالأثرياء، فإن الدفع سيكون على الأقل متساوياً، في وضع لا ينطبق على بقية الضرائب.
فيما يتعلق بالأغنياء، تعتبر الضريبة على الدخل اختيارية، حيث يمكن لهم حماية دخلهم في حسابات خارجية أو الحصول عليها من شركاتهم على شكل حصص، تخضع لضرائب ذات فوائد أكثر انخفاضاً من الدخل الحقيقي، أو تحصيله على شكل أرباح رأسمالية كخيارات الأسهم، الخاضعة لضرائب بفوائد أقل.
ويدفع الأثرياء تأمينات اجتماعية بنسبة اثنين بالمئة على الدخل الخاضع للضريبة لكل مبلغ يتخطى 45 ألف جنيه إسترليني، بدلاً من 12 % تدفعها العائلات العاملة ذات الدخل الأدنى.
ثم هناك الشركات التي يشكل طاقمها أصحاب المهن الحرة، ولا يدفعون لصاحب العمل نسبة 13.8 بالمئة التي يدفعها الموظفون المنتظمون، علماً أن شكاوى أصحاب المهن الحرة حيال زيادة المدفوعات حركت الوضع في الآونة الأخيرة. وتبقى الآمال معقودة في ظل الوضع الراهن بأن تتمكن ماي من إنهاء انعدام المساواة.
خبير ومؤلف اقتصادي
