الصراع الحاصل بين مفاوضي البريكسيت البريطانيين والأوروبيين شبيه بارتطام ناقلتين عملاقتين، في مشهد يطالعنا منذ فترة دون أن تبهت يوماً حماسته الاستعراضية.

وقد تحدد مسار الاتحاد قبل ستة أشهر على الأقل، وبدأ مع جزم مفاوضي البعثة الأوروبية بأن الطريقة الأكثر عملانية لفسخ عضوية بريطانيا المشوبة بالتعقيدات تكمن في تحييد السؤال الأكثر إرباكاً المتعلق بمستقبل العلاقات التجارية، الذي يتطلب موافقة وطنية بالإجماع، وترك النقاش بشأنه حتى مرحلة لاحقة.

وشددت خطوط المسودة التي نشرها مجلس الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي على أن القادة في عواصم دول الاتحاد الأوروبي يبدون موافقتهم على أن تلك هي الصيغة الأمثل لرفع مستوى حظوظ بريطانيا ومساعدتها على سدّ ثغرات الموازنة قبل خروجها من بوتقة الاتحاد. واتسم توجه الحكومة البريطانية بوضوح موازٍ طبع الفترة الماضية عينها.

وأشار مسؤولون بريطانيون استندوا بجانب من جدالهم على قانون الاتحاد الأوروبي، إلى أنه سيكون من السذاجة الدخول في نقاش حول خروج البلاد من البوتقة الأوروبية بمعزل «عن الأخذ بعين الاعتبار الإطار الذي سيحدد علاقة بريطانيا المستقبلية بالاتحاد». حسب الكلام الوارد في المادة 50. وتبين مع ذلك، حين تبلورت الأمور على أرض الواقع أن الموقفين المتعارضين بالعمق لا يزالان قادرين على بث موجات من الصدمة تطال أوروبا برمتها.

ولم تستغرق الأخبار الكارثية حول ما حصل أثناء عشاء «شارع داوننغ» أكثر من أربعة أيام لتصل إلى أسماع الشعب عبر خبر تم تسريبه في الصحف الألمانية. وظهر أفواج الغاضبين المتعاطفين مع الحكومة ليكيلوا الاتهامات للأوروبيين بمحاولة تسميم المحادثات عن طريق الكشف عن مجريات عشاء يفترض أن يكون محاطاً بالسرية التامة.

وكان لا بدّ للمفاجأة الأكبر أن تتمحور حول الوقت الذي استغرقته وسائل الإعلام والجهات السياسية المؤيدة للبريكسيت لملاحظة حدوث خطب ما. وشكل العشاء الأخير المحطة الثالثة التي جمعت بين رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي وكبار المفاوضين في فريقها مع كبار قادة الاتحاد الأوروبي للاستماع إلى رسائل متشابهة المضمون.

وكان رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، قد أُوفد بدايةً في السادس من أبريل الماضي لنقل المعلومات الضرورية. وحين طرح رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني النقاط عينها خلال زيارة له إلى لندن في 20 أبريل، تلقى مكالمة هاتفية بعد مغادرته شارع داوننغ بساعتين من كبير مفاوضي البريكسيت في الاتحاد الأوروبي ميشال بارنييه للتأكد من أن طروحاته قد لقيت الفهم المطلوب.

لكن في النهاية لم تلقَ الطروحات صداها في الوزارات ومراكز الأخبار عبر أوروبا إلا حين قام بارنييه والمسؤول عنه رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر بإيصال الرسالة شخصياً.

وكانت أخبار النزاع الذي جرى بين ماي ويونكر أول ما نقل إلى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وترافق مع عودة وفد الاتحاد الأوروبي إلى مقر إقامته في أحد فنادق لندن. وتابع يونكر الموضوع بنفسه فاتصل صباح اليوم التالي شخصيا بميركل التي أعربت عن انزعاجها في خطاب مقرر أمام البرلمان الألماني.

وتعتمد الخطوة الدرامية التالية بجانب منها على بداية نظر الجانبين بشكل واقعي أكثر لموقف الخصم. وقد سبق لمصادر في الحكومة الألمانية أن لمّحت لإمكانية التوصل إلى تسوية، تتضمن موافقة بريطانيا على المعادلة الصعبة في احتساب تسوية الطلاق بدلاً من إعطاء أرقام نهائية. ويدرك الوزراء البريطانيون حق الإدراك الحاجة لدفع ثمن ما، حتى إن عمدوا لإغاظة محاوريهم علناً بالتشكيك بقانونية فرض أي مطالب.

وتتجلى المخاوف وسط طبقة رجال الأعمال من أن يصب الصراع السياسي في صالح المتشددين من الجهتين، أي جهة البريطانيين المشككين باليورو الذين يفضلون إجراء «بريكسيت نظيف»، بدلاً من الدخول في مزيد من التسويات والتنازلات المتشابكة، وجهة مسؤولي بروكسل الذين يتمحور هدفهم الحقيقي حول إرسال تحذير استباقي ناجع لبقية الحركات القومية إلى أن يكف السياسيون المتخاصمون عن الشعور بـ «الصدمة» حيال اكتشاف حقيقة تضارب وجهات النظر المتعلقة بمحادثات البريكسيت، لن يكون هناك حيز كبير يتيح لهم المضي قدماً.