تساق الاتهامات القديمة مرة أخرى، لكنها هذه المرة اتخذت نبرة مختلفة. وفي مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز» اليومية، اتهم كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بيتر نافارو، ألمانيا بأنها تستفيد بشكل غير عادل من اليورو «المقوم بأقل من قيمته بشكل صارخ»، على حساب الشركاء الأوروبيين والولايات المتحدة.
وقال إن ألمانيا تستغل تلك البلدان بـ «دويتش مارك ضمني». لكن مثل تلك الادعاءات ليست جديدة، فقد تم طرحها مرات عدة من قبل الاقتصاديين الأميركيين، ومسؤولين مثل مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، وحتى من قبل سلف ترامب، الرئيس الأميركي باراك أوباما.
لكن ينبغي التشديد، مع ذلك، بأن تكرار مثل تلك الاتهامات مجدداً لا يجعلها صحيحة بدرجة أكبر.
وأخيراً، أصدرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رداً حاسماً على مزاعم نافارو، حيث أشارت الى أن ألمانيا ليست هي المسؤولة فحسب على انخفاض قيمة اليورو مقابل الدولار. وقالت ميركل: «فيما يتعلق بمسألة اليورو وتقييمه.
فإن ألمانيا عملت دوما على تشجيع البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ سياسة مستقلة، كما البوندسبنك عندما لم يكن هناك يورو»، مضيفة: «حتى لا يكون لدينا تأثير على الخيارات التي يتخذها البنك المركزي الأوروبي، وحتى لا يكون لدي أيضا أي تأثير في ظل الوضع السائد، وأنا لا أريد تغيير أي شيء».
وبطبيعة الحال، ساهمت خطوات البنك المركزي الأوروبي بقوة في تراجع سعر صرف اليورو، حيث يطبق البنك المركزي الأوروبي سياسة بمعدل فائدة صفر، يجري انتقادها بشدة من قبل المدخرين الألمان.
ويضخ البنك المركزي الأوروبي مبالغ هائلة من الأموال في النظام الاقتصادي، في محاولة لشراء الوقت لدول مثل فرنسا وإيطاليا اللتين لم تكونا قادرتين على إصلاح اقتصادهما المتعثر. وتشكل طباعة الأموال الهائلة من دون شك ضغوطا تنازلية على قيمة العملة.
وهذا التطور، في واقع الحال، لديه تأثيرات جانبية في جعل المنتجات الألمانية أرخص نسبياً، وكسب ميزة تنافسية في السوق العالمي.
لكن هذا الأمر لم يكن يوماً ضمن نوايا البنك المركزي الأوروبي، بل مجرد نتيجة غير مقصودة لسياسة معدل فائدة فائقة الانخفاض.
علاوة على ذلك، لم يعتمد المصدرون الألمان أبداً فقط على عوامل سعر صرف العملة لبيع منتجاتهم في السوق العالمي. ويمكن ملاحظة ذلك، من واقع، انهم تدبروا بيع سلعهم حتى خلال الأوقات عندما كان اليورو قوياً للغاية في مقابل الدولار. السر وراء نجاح المصدّرين الألمان لا يقع فقط في سعر منتجاتهم.
لكن أيضا في جودتها. ومن غير المنصف الطلب من شركات السيارات الألمانية ومصنعي الآلات إنتاج منتجات بجودة رديئة، فقط لمعالجة قضية الاختلالات في التجارة العالمية، واسترضاء أصحاب عقود الأنانية الذين لديهم فهم غريب للاقتصادات والعلاقات التجارية.
في غضون ذلك، فإن الولايات المتحدة أيضا ساهمت في تعزيز الدولار وضعف اليورو. وقد دفعت خطوات الاحتياطي الفيدرالي نحو رفع أسعار الفائدة قيمة الدولار صعوداً. ومن المتوقع أن يرفع المصرف المركزي الأميركي معدل الفائدة ثلاث مرات على الأقل هذا العام، مما سيوسع الفارق النقدي بين العملتين، ومن المرجح أن يدفع باليورو الى أقل من التعادل مع الدولار.
هذه لن تكون المرة الأولى التي تهبط فيها قيمة اليورو ما دون الدولار. وكانت هناك أوقات عندما كان يورو واحد يصرف بـ 95 سنتاً فقط، وكانت هناك أوقات عندما ادعت اليونان أنها لبت معايير الانضمام الى اليورو، وأصبحت عضوا في منطقة اليورو في 1 يناير 2001.
وبالنظر الى الواقع الحالي، فهذا قرار لم يقدم أي خدمة لتلك الدولة الأوروبية الجنوبية، وبالإضافة الى ذلك، لم يكن هناك أي حديث في وقتها عن الأوروبيين، وخاصة الألمان بأنهم يكسبون ميزة تنافسية غير عادلة من خلال تبني اليورو.
المسألة الآن هي ما إذا كانت دينامية سعر الصرف سوف تستمر، وإذا استمرت فإلى متى. أما العامل الآخر للتركيز عليه فهو تأثيراتها على المدى الطويل.
سوف تؤدي توقعات سعر الفائدة للبنك المركزي الأوروبي ضخه الأموال في الأسواق، وهو الأمر الذي من المرجح أن يستمر بلا هوادة على الأقل حتى نهاية 2017، مما سيتسبب بزيادة تباعد السياسة النقدية بين منطقة اليورو والولايات المتحدة. لكن ينبغي التشديد مرة أخرى انه لا الحكومة الألمانية ولا «البوندسبنك» مشاركان في وضع السياسة النقدية الفضفاضة للبنك المركزي الأوروبي.
وبلا شك فإن ترامب منزعج من العجر التجاري الهائل للولايات المتحدة، العجز مع ذلك هو نتاج ليس فقط معدلات أسعار الصرف، لكن أيضا الطبيعة الاستهلاكية العميقة للمجتمع الأميركي. في الواقع، ارتفع الدين العام الأميركي بحوالي 10 تريليونات دولار في السنوات الثماني الماضية فقط.
وينظر ترامب الى المنافسة في السوق العالمي على أنها ليست إلا صراعاً ولعبة محصلتها صفر، حيث هناك رابح مقابل خاسر. استهداف المانيا من قبل الرئيس الأميركي ومستشاريه ينبغي أن ينظر اليه انه مجاملة لدول الاتحاد الأوروبي.
الموقف الحكيم هو أن تتجاهل الحكومة الفيدرالية في برلين الخطاب الصادر عن واشنطن، حيث إن الاتهامات الآتية من الجانب الآخر من الأطلسي هي ببساطة خاطئة وسخيفة.
المحرر الاقتصادي في «دويتشه فيلي»
