تجنب اليورو أزمة وجودية أخرى كان من الممكن أن تُلحق ضرراً بأوروبا والاقتصاد العالمي. هكذا كان الاستنتاج الذي خرج به المستثمرون بعد انتهاء الجولة الأولى من التصويت في الانتخابات الفرنسية، مما شجع على الشراء القوي في السوق على امتداد العالم أخيراً.
أولئك الذين يسيطرون على المال نظروا إلى أبعد من حقيقة أن مارين لوبن، مرشحة اليمين المتطرف التي تحمل عداء شديداً لليورو، حظيت بموقع في جولة إعادة الانتخابات في 7 مايو الجاري، بل ركزوا على الاستطلاعات التي تظهر أنها على الأرجح أن تفشل، وبهامش غير متكافئ، على يد الخصم الوحيد المتبقي، ايمانويل ماكرون، وهو شخصية مؤيدة لأوروبا تحظى بثقة زعماء رجال الأعمال.
فقد ارتفعت أسهم البورصات الفرنسية إلى أعلى مستوى لها منذ تسع سنوات، بفعل موجة الارتياح التي اجتاحت مجال الأعمال. وقد ارتفع اليورو 2 % في مقابل الدولار قبل أن يخسر بعضاً من تلك المكاسب، وتضاءلت الفجوة بين الفائدة المدفوعة على الديون السيادية الفرنسية وسندات الحكومة الألمانية.
وهو مؤشر على أن المستثمرين كانوا يرون تراجعاً في المخاطر. وقد امتد التفاؤل إلى الولايات المتحدة، مع ارتفاع الأسهم الأميركية بأكثر من 1% وبيع المستثمرون سندات الخزينة وغيرها من الملاذات الآمنة.
وتشهد التقلبات الهوسية في الأسواق - الرعب من احتمال وصول لوبن للرئاسة، ثم الانتشاء بتراجع هذا الاحتمال ظاهرياً -على الخوف المستمر الذي ما زال يرزح اليورو تحته، وهو يواجه ضعفاً مزمناً في الإيمان بقدرته على البقاء، مع فائض من التهديدات لوجوده.
في السنوات الأخيرة، نجا اليورو من تراجيدية يونانية جديرة باسخيليوس، وتحمل صدمة مالية عالمية، وسنوات من الركود الاقتصادي الإقليمي، وغيرها. ومع صعود لوبن أخيراً، فإن الأسواق ساقت تهديداً مباشراً آخر لاستدامة اليورو.
فلوبن رفضت طويلاً اليورو باعتباره تهديداً للازدهار، وتعهدت بتحويل الدين الفرنسي إلى عملة وطنية جديدة، والقيام بذلك كان من الممكن أن يهبط باليورو. كما أنها أقسمت على إعادة التفاوض على علاقة فرنسا بالاتحاد الأوروبي، وهددت بقلب مشروع التكامل الأوروبي.
قوتها في استطلاعات الرأي أخيراً شجعت المستثمرين للمطالبة بعائدات أكبر على الدين الحكومي الفرنسي، وهو مؤشر على أن احتمالات التخلف عن السداد كانت تتضاعف، مهما كانت ضئيلة. وكان المستثمرون يشترون بقوة ما يقدم لهم حماية ضد هبوط حاد في قيمة اليورو.
وسلط القلق في السوق الضوء على العيوب الجوهرية التي تضعف اليورو، كعملة دون تنظيم سياسي موحد.
كثيرون جادلوا بأن اليورو محكوم عليه بالسقوط منذ البداية، وكان الافتراض أن العملة الموحدة يمكنها أن تحفز مزيداً من التكامل السياسي، وبدلاً من ذلك تطور اليورو إلى مصدر رئيسي للتقريظ السياسي عبر القارة.
في البلدان التي لديها عملتها، تدفع الأوقات الاقتصادية الصعبة الحكومات إلى تحفيز الإنفاق لتوليد الوظائف ودفع النمو. فتهبط قيمة عملتها مما يجعل سلعها أرخص ثمناً في الأسواق العالمية فتنمو صادراتها، لكن بلدان اليورو لا يمكنها أن تستفيد من تلك المزايا. فالعملة تأتي مع قواعد تحد من حجم العجز في الميزانية.
وفي مواجهة الأوقات الصعبة، فإن حكومات اليورو أجبرت على إلحاق الأذى بالناس العاديين من خلال الاقتطاع من معاشات التقاعد، وغيرها من النفقات العامة.
ومع انزلاق قبرص واليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا في أزمات ديون في السنوات الأخيرة، فإن تلك الدول اتهمت ألمانيا بعدم المرونة الخادمة للذات في مطالبتها بالتزام صارم بالحد من الدين، مع رفض نقل الثروة إليها،.
فيما اتهمت ألمانيا إخوانها الجنوبيين بالفشل في القيام بالتغيرات لجعلهم أكثر تنافسية. يقول جايكوب كيركغارد في مؤسسة بيترسون للاقتصادات الدولية في واشنطن: «طالما يستمر هذا الوضع، فإن أعداداً كبيرة من المستثمرين ستكون لهم شكوك وجودية بشأن اليورو».
جرس الإنذار الأخير انطلق في فرنسا، أحد أعمدة الاتحاد الأوروبي. عداء لوبن للاتحاد الأوروبي واليورو معروف جيداً، وقد قالت لمجلة «دير شبيغل» في مقابلة عام 2014: «أريد تدمير الاتحاد الأوروبي». لكنها سكتت لاحقاً عن أي حديث عن التخلي عن اليورو لصالح إضافة عملة موازية هي الفرنك. لكن التهديد بإعادة هيكلة الديون الفرنسية سيؤدي إلى خفض التصنيف الائتماني لفرنسا، بعواقب وخيمة على السوق، وفقاً للخبراء.
وحتى لو تمت عرقلتها، فإنه يمكنها إحداث تقلبات في الأسواق المالية حول المعمورة، إذ إن المصارف المركزية وصناديق الثروات السيادية ومديري الأصول لديهم بعض من 700 مليار يورو في ديون الحكومة الفرنسية. رئاسة لوبن يمكنها أن تخيفهم في التخلي عن بعضها، مما يزيد تكاليف الاقتراض للحكومة الفرنسية وعالم الأعمال.
ويمكن أن تشهد المصارف الفرنسية سحباً لليورو من الحسابات لادخارها في وسائط أخرى. وإذا تحول هذا إلى تهافت على سحب الودائع، فإن العواقب قد تصبح عالمية، نظراً لأن المصارف الأربع الكبرى في فرنسا متشابكة بالعمق بالنظام المالي الدولي.
وفيما قد يرفض معظم المحللين هذا السيناريو المرعب، إلا أن تكاليف حماية الأصول من التعثر الحكومي ارتفعت في إيطاليا وفرنسا خلال فترة الاستعداد للجولة الأولى للانتخابات الفرنسية.
إذا فازت لوبن بالرئاسة فسترتفع تكاليف الاقتراض للأعمال والقطاع المنزلي في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال مما يعيق خلق الوظائف والنشاط الاقتصادي، فيما ستجبر الحكومات على خفض الخدمات، مما سيشعل الغضب الشعبي وحريق الشعبوية. باختصار، سيزيد فوز لوبن زخم أزمة الثقة في أوروبا.
ويضخ المزيد من الاختلال في المؤسسات الأوروبية، مما يجعلها بقدرة أقل على تخفيف المتاعب الاقتصادية. يقول كيركغارد: «إذا فازت، فسيكون الأمر مدمراً لمنطقة اليورو والاتحاد الأوروبي».
بيد أنه مع انتعاش أسواق الأسهم وصعود اليورو أخيراً، بدا هذا الاحتمال افتراضياً، وقد تفادى اليورو المشكك به باستمرار، آخر تهديد مباشر لديمومته.
كاتب وصحافي أميركي
