في أعقاب التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، بات يُنظر الى العولمة بأنها مشكلة سياسية، بدلاً من وسيلة مطلوبة للازدهار. وجاء رد الفعل الشعبوي ليذكرنا بأن مكافآت العولمة ليست موزعة بالتساوي، وأن هناك بعض التشكيك بفكرة وجوب بقاء الحدود مفتوحة للتجارة.
وعلى الرغم من هذا التحول، إلا أن عدداً كبيراً من الخبراء يستمرون في الاعتقاد بإمكانيات العولمة غير المحدودة، معظمهم يركز على وجه التحديد على الرقمنة وعلى تكنولوجيا الاتصالات، على الرغم من استمرار إيلاء بعض الاهتمام للبنية التحتية للنقل.
وأود أن أشير إلى تلك التصورات المبالغ فيها للعولمة كـ «أفكار غير منطقية وسخيفة متعلقة بالقضايا العالمية». واقتراح توماس فريدمان الشهير انه، بفضل الإنترنت، «أصبح العالم مسطحا» يصيغ تلك الفكرة بطريقة واضحة وبسيطة، وبصورة خاطئة.
مثال أخير من صنف تلك الأحاديث ما يقوله ‘يان غولدن إنه «مهما حصل للتدفقات المادية، كالحرب التجارية على سبيل المثال، فإنها لن تتداخل مع النمو الهائل في التدفقات الرقمية عبر الحدود».
وفيما اتفق مع فكرة أن الرقمنة يمكنها أن تسهل العولمة في بعض النواحي (تسهل على الشركات الصغيرة تصدير منتجاتها)، فان هناك ثمانية أسباب تجعلني غير مقتنع بان التكنولوجيا الرقمية كافية لدفع العولمة إلى الأمام، بالنظر إلى كل شيء آخر يجري في العالم:
1 – لأكثر من 150 عاماً الآن، وصفت التكنولوجيات الجديدة بانها تجعل العالم واحداً. وكان إعلان فريدمان بأن العالم مسطح مدفوعاً على سبيل المثال ببرامج الكمبيوتر الهندية. لكن بعد أكثر من عقد من الزمن، لا يزال مصدرو البرامج الهندية يولدون أكثر من 80% من إيراداتهم، وفي معظم الحالات، كل أرباحهم من الأسواق الناطقة بالإنجليزية، وهم حساسون جدا لأنظمة التأشيرات وأنظمة أخرى في الخارج، ويستثمرون بالقرب من الزبائن في الغرب للتدرج في سلسلة القيمة (نحو الاستشارات)، ويعتمدون بشكل حاسم على مبرمجي برمجيات في الهند يكلفون جزءا بسيطاً مما يتكلفه الموجودون في الغرب. (فارق قد يضمحل سريعا في ظل عالم مسطح بالفعل).
2 – بالنظر إلى البيانات، فإن النسبة الدولية للمكالمات الهاتفية، والصداقات على «فيسبوك»، وحركة المرور عبر الإنترنت، والتجارة الإلكترونية، والروابط على «تويتر» تتراوح ما بين 5 إلى 25%. بعبارات أخرى، فان التفاعلات المحلية تهيمن على الدولية في جميع تلك الفئات الرقمية. الحدود الوطنية ما زالت قضية ذات شان كبير، كذلك المسافة عبر أبعاد متعددة.
3 – مستويات التدويل للتدفقات الرقمية تبدو، على الأقل في بعض الفئات (حركة الإنترنت والتجارة الإلكترونية)، إنها تتزايد بمرور الوقت، لكن بدرجة متواضعة. وفيما التقرير الأخير لـ «ماكينسي» حول العولمة الرقمية يذكر على الأقل ست مرات نموا في تدفق البيانات الدولية، و45 ضعفا منذ 2005، فقد ازداد تدفق البيانات المحلية بشكل كبير أيضا خلال الفترة نفسها. أما أفضل تقدير فهو تضاعف النسبة الدولية لحركة المرور عبر الإنترنت منذ عام 2005. وهذه زيادة كبيرة، لكنها بعيدة كل البعد عن 45 ضعفاً.
4 – حتى لو أن مستويات التدويل للتدفقات الرقمية كانت تنمو بشكل متفجر، فكروا، على سبيل المثال، بالمكالمات الهاتفية عبر الأطلسي في أوائل الثلاثينات، بعد أن تم تدشين الخدمة بين نيويورك ولندن. فان معدلات النمو الفلكية كانت قد أشارت الى عولمة قوية. لكن في الواقع، كان هناك تراجع سريع بنسبة الثلثين في التجارة العالمية في أوائل الثلاثينات، ولهذا تلك الفترة تعتبر في العادة علامة لنهاية الموجة الأولى من العولمة.
5 – التركيز على التدفقات الرقمية يتجاهل أيضا واقع أن بعضها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتدفقات المادية، التي يوافق عموماً أن تكون أكثر تحت سيطرة الحكومات الوطنية. ومن المؤكد أن التجارة الإلكترونية عبر الحدود سوف تنخفض إذا كان من غير الممكن شحن السلع بسهولة عبر الحدود في سبيل الإيفاء بالطلبات. وكما يؤدي تدفق الناس إلى تحفيز التجارة وتدفق المعلومات.
6 – يمكن أن تتدخل الحكومات بالتدفقات الرقمية كما المادية. وهذه المخاوف تتفاقم عند الاعتراف بأن المساحة السيبرانية تفتح ساحة جديدة للحروب. الفكرة الأوسع نطاقا تلك التي تفيد بشكل خاص في التصدي لفكرة أن التكنولوجيا فوق أي شيء آخر، هي خيارات سياسية يمكنها أن تطغى على التطورات التكنولوجية.
7 – يميل محبو الرقمية إلى الخلط بين الرقمنة والأصول غير الملموسة، بطرق تبالغ في إمكانيات التحول الرقمي. بعض أنواع المعرفة.
8 – خطأ شائع آخر هو في الخلط بين الرقمنة والتكنولوجيا، والتأكيد أن كل التغييرات التكنولوجية تدفع باتجاه العولمة المتزايدة. لكن التطورات مثل الروبوتات والطابعات ثلاثية الأبعاد قد تخفض بدلا من أن تزيد مستويات التجارة، بالاعتماد على السرعة التي تنخفض فيها كلفتها. تكنولوجيا التعليم على الإنترنت قد يخفض التدفقات عبر الحدود للطلبة الجامعيين.
مساهمة أخرى تتعلق بالرقمنة لريتشارد بالدوين في كتابه «الالتقاء العظيم» تميز بين الحقبة الأولى من العولمة المدفوعة بانخفاض كلفة النقل، والحقبة ثانية عندما سهلت الاتصالات نشر النتاج الاقتصادي والمعرفة، والثالثة التي ستشعلها حركة الناس الافتراضية عبر «التواجد عن بعد» أو «الروبوتات عن بعد». بيد أنه من الصعوبة تخيل أن زيادات كبيرة في نقل الخدمات العمالية إلى الخارج سينظر إليها بانها ناجحة ومستدامة في حقبة حيث هناك مخاوف كثيرة على الوظائف.
مدير مركز عولمة التعليم والإدارة في جامعة نيويورك
