بإطلاق المادة 50، انطلقت بريطانيا في رحلة إلى المجهول، تأمل رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أن تدفعها إلى مدارها المستقبلي بنجاح، فيما يخشى المشككون من أن تنتهي بهبوط حاد.
ولن تتوضح وجهة السفر والمقصد النهائي حتى إلى ما بعد بدء المفاوضات مع الأعضاء الـ27 للاتحاد الأوروبي، على شروط الانفصال ربما في يونيو المقبل. وبعد ذلك يكون هناك أقل من عامين للتوصل إلى تسوية، ما لم يتفق الجميع على تمديد المباحثات، وهو الأمر البعيد عن المؤكد.
وأخذاً في الاعتبار تعقيد القضية وتصلب مواقف الحكومات أخيراً على جانبي القناة الإنجليزية، فإن هناك خطراً من أن تنهار المباحثات، وهذا من شأنه أن يترك بريطانيا معزولة اقتصادياً.
وقد تنبأت ماي بهذا الاحتمال، فهددت بالابتعاد عن طاولة المفاوضات إذا فشلت في تأمين شروط مقبولة معلنة «دون اتفاق أفضل من إبرام اتفاق سيئ». ولمحت مع وزير ماليتها فيليب هاموند إلى ما يمكن أن تقوم به بريطانيا في المستقبل إذا ما حدث مثل «هذا الخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي»:
إعادة هندسة جذرية لنموذجها الاقتصادي من خلال إلغاء حواجزها التجارية، وإلغاء العديد من قوانينها الاقتصادية والاجتماعية، والتحول إلى ملجأ ضريبي في الخارج.
وعلى الرغم من عدم تقديم أية تفاصيل، فإن هاموند قال لصحيفة ألمانية «فلت ام سونتاغ» إنه في الوقت الذي يريد الحفاظ على «اقتصاد معترف به على النمط الأوروبي» إلا أن المملكة المتحدة «يمكن أن تُجبر على تغيير نموذجها الاقتصادي».
تعليقات هاموند، وبعض التصريحات غير المباشرة من قبل ماي، تم تفسيرها بشكل واسع كتهديد بتحويل البلاد إلى «سنغافورة أطلسية» أو بشكل أدق، نسخة ماي عن الدولة المدينة الآسيوية، المشهورة باقتصادها المفتوح، ومعدلات الضريبة المنخفضة، ومواقفها المسترضية للأعمال، وأخلاقيات العمل القوية، وضمانات اجتماعية بحدودها الدنيا، وضمانات أسواق العمل.
عند الوهلة الأولى، تشكل هذه رؤية مغرية. وفي غضون نصف قرن منذ أن نالت استقلالها، فإن المستعمرة البريطانية السابقة حولت نفسها إلى حاضرة حديثة مع بنية تحتية تحسد عليها ومستويات معيشة من الطراز الأول. منذ عام 1975، فإن معدل النمو السنوي بلغ حوالي 7%، وهو أعلى من بريطانيا.
كما أنها مركز التجارة والخدمات المالية البارز في جنوب شرق آسيا مع نسبة عالية جداً من أصحاب الملايين بالعلاقة مع عدد سكانها. لكن إلى أي مدى ساهمت التدابير التنظيمية المخففة وتدني معدلات الضريبة، وهي الصيغة التي يبدو أنها تثير إعجاب ماي كثيرا، في هذا النجاح؟
من المؤكد أن قوانين العمل والقوانين الاجتماعية لسنغافورة توفر القليل من الحماية وتستند إلى «برامج التشغيل المؤقتة الحكومية»، بتشجيع وتجهيز الناس للحصول على الوظائف، أكثر من استنادها إلى رعاية من ليس بقدرته إيجاد وظيفة. العديد من تلك الوظائف بأجور منخفضة وتفتقر إلى الأمان.
لكن هذا يعود إلى سياسة تشجيع الهجرة الجماعية ذات المهارات المتدنية، في محاولة لمنع معدل خصوبة ضعيف مزمن وتقادم سكاني من الهبوط بالنمو الاقتصادي. في غضون جيل تقريباً، فإن سكان سنغافورة تضاعف، حيث أصبح اليوم حوالي 40% من المولودين خارج البلاد.
وهذا لن يكون مقبولاً لماي، التي شجعت على فرض المزيد من السيطرة على الهجرة كجزء من نهجها للخروج من الاتحاد الأوروبي. كما أن معدلات الضريبة لا توضح أسباب نجاح سنغافورة. وفيما قد يبدو معدل ضريبة أقصى على الدخل الشخصي 20% منخفضاً.
لكن الإلزام بمدخرات إلزامية ترفعه إلى 40%، مثله مثل بريطانيا. في غضون ذلك، فإن معدل ضريبة الشركات الأساسي 17% هو أعلى من ست دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولا يقل كثيراً عن معدل 20% في بريطانيا.
والذي من المقرر خفضه إلى 19% في 1 أبريل و17% في 2020. في كل الأحوال، إذا كانت ضرائب الشركات المتدنية تحفز النمو والاستثمار، فلماذا لم تعمل على تحويل بلدان مثل بلغاريا والباراغواي وأوزبكستان إلى مراكز اقتصادية؟
في الحقيقة، أهم التفسيرات لأسباب ازدهار سنغافورة يقع في أماكن أخرى، الكثير منها ليس من السهل تقليده في بريطانيا، إن كان هذا ممكناً على الإطلاق. أحد التفسيرات هو التعليم الأساسي عالي الجودة.
فالفتيان السنغافوريون بعمر 15 عاماً هم في صدارة الترتيب العالمي للإنجازات المدرسية في العلوم والرياضيات والقراءة. وعلى الرغم من إنفاق بريطانيا الكثير من ناتجها الإجمالي المحلي على نظام التعليم الحكومي، فإنها تتراجع كثيراً في تلك الجداول الدورية.
زميل في المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي (ايسيب)
