تشير الدراسات إلى أن مدن العالم ستأوي خمسة مليارات نسمة بحلول 2030، وهو ما يمثّل ضعف التعداد الحالي، ومن المتوقع أن تتصدّر آسيا وأفريقيا موجة الهجرة من الريف إلى المدينة. وبمقدور هذه المراكز الحضرية والمدن أن تكون محركات النمو الاقتصادي لكامل المنطقة ونقطة الارتكاز للعديد من أسس الحياة اليومية التي تضم خدمات الاتصالات والتعليم والخدمات الصحية والابتكار العلمي.
هذا الأمر يتيح فرصاً قادرة على تغيير واقع الأفراد والعائلات والمجتمعات بشكل جذري، بحيث تأتي على شكل فرص عمل أو وصول إلى الموارد أو تطوير مستويات الرفاهية، لكن بنفس الوقت يمكن أن تكشف عن حالةٍ من الفقر وعدم المساواة وبعض التحديات الأخرى، وفي بعض الأحيان يمكن أن تفاقم من هذه المشاكل. وفي ظل تباين التجارب لسكان المدينة، قد يرغب قادة المدن من القطاعين العام والخاص والقطاع غير الربحي في تضمين معايير للسعادة لوضع ضوابط وأولويات للتطوير والاستثمار.
ونطراً إلى جسامة التحديات الحضرية التي نواجهها مثل الفقر والجوع والأمراض وعدم المساواة، قد تبدو السعادة ضرباً من ضروب الخيال، لكن الخبراء في المجالين الاقتصادي والنفسي تمكنوا من تطوير نهج محدد يتيح للأفراد من خلاله تقديم تقارير عن مستوى سعادتهم، وهو ما يوفر معلومات مهمة ومفصلّة يمكن استخدامها للتواصل الأفضل حول سبل تطوير جودة الحياة في المدن.
لا يزال هذا الموضوع محط نقاشٍ منذ ما يقارب 15 عاماً ضمن مستويات مختلفة عالمياً، ففي مطلع القرن الحالي ساعدت «الأهداف الإنمائية للألفية» في توجيه الأولويات الوطنية نحو القضاء على التحديات الاجتماعية الأكبر التي يواجهها العالم. وبتركيز أكبر على أهمية النهوض بالسكان وأثره في تنمية المدن، تم استبدال هذه الأهداف في العام 2015 بأهداف ذات طموح أعلى وهي «أهداف التنمية المستدامة» والتي تمثّل «دعوةً لكافة الدول الفقيرة والغنية والمتوسطة للتشجيع على الازدهار وحماية الكوكب».
هذا التحوّل في التفكير هو أمر بالغ الأهمية، فقد تم تطوير هذه الأهداف من قبل «شبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة»، وهي المجموعة نفسها التي أطلقت «تقرير السعادة العالمي» الذي يصنّف الدول بحسب معدلات السعادة الوطنية فيها، والذي تم استقاؤه من الردود التي قدمها المشاركون حول تقييم رضاهم عن مستوى حياتهم.
ونشهد في وقتنا الحالي اهتماماً متزايداً من قبل الحكومات لإدراج مقاييس السعادة والرفاهية ضمن الإحصاءات الوطنية الرسمية، ونتيجةً لتزايد كمية الأبحاث المتعلقة بالسعادة، يتم التركيز على الطريقة التي يتم بها القياس والعلاقة التي تجمع بين الثروات الشخصية والسياسات الاجتماعية، ومن بين الدول التي بدأت بهذا النهج المملكة المتحدة وإندونيسيا وأستراليا والمكسيك والنمسا. وعلى مستوى المنطقة، تمكنت الإمارات ومن خلال تعيين وزير للسعادة وضع أهدافها الوطنية للسعادة.
إن زيادة وضوح مقاييس السعادة والمقاييس الأخرى المتعلقة بجودة الحياة ساعد في التأثير في المدن والحكومات المحلية أيضاً. فقد تم تصميم مشروع الرفاهية في سانت مونيكا بكاليفورنيا في العام 2013 «للانطلاق إلى ما بعد المؤشرات الاقتصادية» وذلك من خلال تقديم مؤشرهم المخصص للرفاهية للتعرّف على مدى رضا السكان في مدننهم وتحديد الطرق اللازمة لتطويرها.
وتم استخدام إدارة المدن الذكية لقياس السعادة في دبي، وذلك من خلال تقديم خدمات بلدية تفاعلية يمكن الاعتماد عليها وذات قدرة على المعايرة لتلبية احتياجات الأفراد. حيث أصبحنا كمقيمين نجد شاشة رقمية عليها وجه مبتسم أو عابس أو عادي لتقييم الخدمات ويتم تقديم نتائجها بشكل مباشر للسلطات. هذه المقاييس ألهمت مزودي الخدمات مثل جمارك دبي وهيئة كهرباء ومياه دبي لإيجاد الطرق التي تجعل من خدماتهم أفضل للمقيمين والسائحين على حد سواء.
إن بناء مساحات أكثر صحة وسعادة ليس أمراً ذا تكلفة عالية، فعلى المدى الطويل يساعد هذا النهج في توفير النقود. ويمكن لتطوير السعادة في عدد من القطاعات الاستفادة بشكل إيجابي من السعادة الفردية والاقتصاد والبيئة والتنمية الاجتماعية ضمن حلقة قوية، وهو ما يجعل منه ذا جدوى اقتصادية ناجحة. والمدن التي تشجع على التفاعل الاجتماعي تحصد المزيد من مستويات الإبداع والثقة وتساهم في النمو الاقتصادي.