تُمثّل الشركات العائلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 60 إلى 80% من اقتصاد القطاع الخاص. ومن الضروري لهذه الشركات وضع استراتيجيات وأسس واضحة تضمن الاستمرارية لأجيال عديدة ولا ينتهي عمرها بذهاب مؤسسيها.

ومن هنا بات تحديد مواطن القوة والضعف لدى تأسيس الشركة محط اهتمام العديد من المكاتب العائلية اليوم، وذلك بهدف مواجهة التحديات الماثلة أمامها واقتناص الفرص السانحة. وتظهر الدراسات أن أكثر من نصف المكاتب العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي حالياً تمر في خضم مرحلة انتقالية من الجيل الثاني إلى الثالث، إلا أن التقديرات تشير إلى أن 15% منها فقط ستنجح في ذلك.

ومن الصعب للغاية في عالمنا الراهن، أن تواصل هذه الشركات تحقيق النجاح المأمول في حال بقيت استراتيجياتها الاستثمارية مشتتة عبر جميع المجالات والقطاعات. وينبغي على هذه المؤسسات العائلية اليوم، وضع استراتيجية واضحة للنمو والتقدم لتضمن استمرارية هذه الشركات بعد الجيل الأول وانتقالها بسلاسة إلى الجيل الثالث وما بعده.

مع سعي بلدان المنطقة إلى إعداد خططٍ وطنية شاملة تتضمن رؤاها التنموية للعام 2020 أو حتى عام 2030، باتت الشركات اليوم بحاجة إلى وضع استراتيجيات مالية تتماشى مع الدور الذي حددته لنفسها. ومن هنا تنبثق أهمية لجوء هذه الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجية لضمان استمرارها، عبر التخطيط المدروس بعناية، واعتماد أفضل الممارسات المتاحة.

وكثيراً ما تفشل الشركات العائلية في التفريق بوضوح بين تكوين الثروة والإدارة الصحيحة للأعمال، إذ يتسبب الخلط بين هذين المفهومين في بروز مشاكل حقيقية في بنية هذه الشركات.

وتلك نقطة مهمة لا بد من إدراكها. ويكمن مفتاح النجاح بالنسبة للشركات العائلية في إجراء تحول أساسي في هيكلية الشركة ينقل العائلة من كونها الجهة التي تملك وتدير الشركة، لتغدو جهة مساهمة فيها فحسب، مما يؤدي إلى إفساح المجال لنمو الأعمال بما يتجاوز رأس المال الذي يمكن للعائلة استثماره بنفسها.

ولتحقيق ذلك، يتعين على الشركات العائلية ومستشاريها الموثوقين طرح أسئلةٍ حاسمة: هل النمو المدروس لحضور الشركة في القطاعات المتنوعة ينبغي أن ينحصر ضمن منطقة جغرافية واحدة، أم يجب أن يشمل المستوى العالمي الأوسع نطاقاً؟ وهل هي بحاجة إلى تعزيز أنشطة الأعمال الأساسية، والتخارج من أصولها وعملياتها غير الأساسية؟

وهل فئات الأصول المختلفة محصنة بحيث لا تؤثر الوحدات الخاسرة على ازدهار الأعمال؟ وهل المشاريع المشتركة هي الأسلوب الأمثل لدخول قطاعٍ جديد؟ وهل يعتبر إدراج أسهم الشركة في الأسواق المالية خياراً صائباً لتحقيق الاستمرارية؟ وهل تم تحديد مصالح كل من الشركة والعائلة بشكل واضح؟ وهل تم وضع خطة توريث فعالة حيز التنفيذ تتيح الانتقال السلس لقيادة الشركة بين الأجيال المتعاقبة؟

تشير معلوماتنا إلى أن 42% من الشركات العائلية في المنطقة تواجه صعوبةً في الوصول إلى رأس المال اللازم للنمو مقارنةً مع 32% من الشركات العائلية حول العالم. وعلى الرغم من عدم وجود حلول عامة تنطبق على الجميع، إلا أن السبيل الأمثل لإعادة الهيكلة وتوفير التمويل اللازم لمواصلة النمو يكون من خلال الاعتماد على مستشاري المال والأعمال المتمرسين في إدارة الاستثمارات.

ففي ظل العولمة المتزايدة لبيئة الأعمال، باتت الشركات العائلية اليوم تواجه منافسةً شديدة من الشركات متعددة الجنسيات والمدرجة التي تسعى من خلال تبني سياسات تنافسية للغاية إلى تعزيز حصتها السوقية بشكل متواصل.

لذا فإن اعتماد نهج مدروس بعناية هو شرط أساسي لتحويل المخاطر إلى فرص؛ خصوصاً وأن العلاقات العائلية الوثيقة، وهيكليات الملكية، والحوكمة الرشيدة، والإدارة المالية، والحفاظ على الثروة، والشفافية لم تعد حاجةً ضرورية وملحة فحسب، وإنما سبيل لابد منه لاستمرارية الشركات العائلية.

ولحسن الحظ، فقد شهدنا نجاح العديد من العائلات في المنطقة في وضع الأسس والإدارة المناسبة، وتبني مبادئ الحوكمة الرشيدة، لضمان استمرار تحقيق الأرباح والثروة لأجيالٍ مقبلة والحفاظ على إرثها.

لقد تقدمت أسواق المنطقة كثيراً عما كانت عليه في السابق، ولدى الشركات العائلية اليوم الكثير من الخيارات لضمان ديمومتها واستمراريتها، وسواء تمثل الخيار الذي تتخذه العائلة في البحث عن شريك استراتيجي، أو اللجوء إلى شركات الملكية الخاصة، أو وضع الشركة تحت إدارة صندوق ائتماني، أو حتى طرح جزء من أسهم الشركة للاكتتاب العام وإدراجها في البورصة.

فإن أهم ما في الأمر هو توقف أصحاب الشركات العائلية عن النظر إلى شركاتهم باعتبارها حيازة شخصية أو إرثاً عائلياً، والبدء في التعامل معها كمستثمرين ينبغي عليهم الحرص على وضع استثماراتهم تحت إدارة مناسبة ذات صلاحيات واسعة تتمتع بالخبرة والمعرفة والكفاءة.

* الرئيس التنفيذي لشركة

«الإمارات دبي الوطني كابيتال»