قال خبراء ماليون وقانونيون، إن صدور قانون يعالج قضية إعسار الأفراد، سينعكس إيجاباً على النظام المالي في الدولة، ويعزّز الثقة الاستثمارية، مجمعين على ضرورة أن يعالج قانون إعسار الأفراد المقترح، قضية الشق الجزائي الحاصل في قضايا الشيكات، ونفي الصفة الجنائية عن الالتزامات المالية للشخص المعسر، وإعادة الشيك إلى اعتباره الأصلي، كأداة وفاء، وليس أداة ضمان.
وتوقع الخبراء أن القانون في حال صدوره، سيؤثر إيجابياً في أنشطة الإقراض الشخصي في البنوك على المدى المتوسط، وأن يقلل من نسبة التعثر في البنوك، مشيرين إلى أن إصدار القانون في حاجة لخبراء يتولون وضع منظومة لما بعد إقراره.
وقال الخبراء إنه يمكن أن يتضمن القانون المقترح بنداً خاصاً يحدّد الحد الأدنى للمبلغ المدين لإعلان الشخص كمفلس أو متعثر، مشيرين إلى أن وضع الشخص في السجن لا يرجع المبالغ المستحقة ولا يفيد أحد، وأن هنالك الكثير من الحالات التي يقوم فيها مستلم الشيك باستغلال الشيك بطريقة كيدية ضد محرر الشيك، الذي قد تكون نيته سليمة.
وأكّدوا أن تهيئة البنية التحتية التشريعية الإلكترونية، هي من أهم العناصر التي قد يتضمنها القانون، وذلك بهدف تحديد الملاءة المالية للأفراد، والاطلاع بشكل آني على التاريخ الائتماني للشخص، مشيرين إلى كافة البيانات المالية والتاريخ الائتماني للفرد، يمكن أن يوضع في مركز إلكتروني موحد، بإشراف المصرف المركزي والجهات الرقابية.
وكان معالي عبيد بن حميد الطاير وزير الدولة للشؤون المالية، أكد الشهر الماضي، أن وزارة المالية وضعت تصوراً لإعداد مشروع قانون للإعسار، يعالج تعثرات الأفراد، ستبدأ العمل عليه لاحقاً، وفقاً للإجراءات المعمول بها في الحكومة الاتحادية لإصدار القوانين.
جدولة الديون
وتوقّع القاضي الدكتور جمال السميطي مدير عام معهد دبي القضائي، أن يحتوي قانون الإفلاس قواعد جديدة لحماية الأفراد من الإفلاس، ومساعدتهم على جدولة ديونهم، وإتاحة الاقتراض لهم من جديد بشروط ميسرة، داعياً إلى ضرورة تفعيل البند المتعلق بالوفاء الجزئي للشيكات المتضمن في قانون المعاملات التجارية، والذي يعطي الخيار لمستلم الشيك باستلام مبلغ أقل من مبلغ الشيك في حال ارتضى ذلك.
وأوضح: «في حال لم يكن هنالك رصيد كافٍ للشخص المدين، يمكن للدائن أن يرفع دعوى مدنية في هذه الحالة، وليس جزائية. أي أن هنالك خللاً في التنفيذ وليس التشريع». ودعا السميطي كذلك إلى ضرورة وجود جهة رقابية وطنية مختصة بالرقابة، تقوم بتدقيق الكفاءة المالية للمدين، ووجود آلية معينة في البنوك تمنع من تحرير الفرد لشيك، في حال عدم وجود رصيد كافٍ لديه، مشيراً إلى ضرورة «مركزة» المعلومات بشكل إلكتروني في هذه الحالة.
وأضاف: «يجب ألا يكون للشيكات أي حماية جنائية، وأن يعود الشيك إلى أصله، وهو أداة وفاء، وأن تكون الدعوى الجزائية من حق الدولة فقط، بحيث يتم التعامل مع شيكات الأفراد في المحاكم المدينة».
وأوضح السميطي أن هنالك الكثير من الحالات التي يقوم فيها مستلم الشيك باستغلال الشيك بطريقة كيدية ضد محرر الشيك، الذي قد تكون نيته سليمة، لمجرد وضع الأخير في السجن، ولكن القضاء لا ينظر سبب تحرير الشيك أو حسن نية صاحبه من عدمها، في حين أن المحكمة المدنية قادرة على النظر في تلك الأسباب. وأضاف: «يمكن من خلال وضع الشيكات، ضمن اختصاص المحاكم المدنية جدولة ديون المدين، وحتى يمكن للقاضي المدني حبس صاحب الشيك في مرحلة التنفيذ».
وتوقع السميطي أن يؤدي وجود بند للتعامل بقضية الشيكات في قانون إعسار الأفراد الجديد، إلى أثر إيجابي في الإقراض في المدى المتوسط، لافتاً إلى دور البنوك في ضرورة الامتناع عن منح قروض كبيرة، لمجرد أن البنك يستطيع حالياً حبس المتعامل في حال عدم وفائه للقرض، بسبب وجود شيك الضمان.
البنية اللازمة
من جانبه، قال محمد مصبح النعيمي الرئيس التنفيذي العضو المنتدب لمجموعة شركات موارد للتمويل، إن تطبيق قانون خاص بإعسار الأفراد في حال صدوره، يتطلب وضع آليات عدة تستلزم توفير البنية اللازمة من خبراء وقضاة ومنظومة أو دائرة قضائية داخل المحاكم، تختص بهذا النوع من القضايا، إضافة إلى أهمية تشكيل هيئة تنظيمية تتمثل في لجنة إعادة الهيكلة المالية، تقوم بالإشراف على حالات إعادة الهيكلة، وتكليف خبراء يتولون وضع منظومة كاملة لما بعد إصدار القانون.
وأضاف: «نحتاج بالفعل لتشريع مثل هذا القانون، ليكون مكملاً لمنظومة القوانين المتعلقة بالتجارة، والتي تهدف جميعها إلى توفير حلول في حالات المديونية والإفلاس، ويؤمل منه تعزيز الثقة الاستثمارية، لافتاً إلى أن هناك قطاعات بعينها ستستفيد من هذا التشريع في حال إقراره، منها قطاع المقاولات، بوصفه الأكثر عرضة للاضطرابات والانكماشات التي قد تؤدي إلى إفلاس وتصفية المشاريع والشركات.
وألمح النعيمي إلى أهمية أن يتضمن مشروع القانون الجديد، في حال تطبيقه، مواد تفصيلية عن إجراءات التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية، على أن يمنح الإجراءين الأولين، أولوية تهدف إلى إقالة عثرات المدينين وتمكينهم من معاودة ممارسة نشاطاتهم التجارية والاقتصادية في أسرع وقت ممكن، والحرص على حفظ حقوق الدائنين وغيرهم من أصحاب المصالح، تعزيزاً للثقة في التعاملات التجارية والمالية.
وفي ما يخص آلية التعامل مع قضايا الشيكات المرتجعة بالنسبة للأفراد، قال النعيمي إنه يتوقع من القانون الجديد، في حال إقراره، أن يضع حداً لسجن مصدري الشيكات المرتجعة، لما سيتيحه من بنود ومواد تسمح للشركات الاتفاق على خطة لإعادة هيكلة الدين مع الدائنين.
التجربة البريطانية
وتحدثت جينيفر آركهورست، الشريك في مكتب «آركهورست وعبد الله» للمحاماة في دبي، عن تجربة بريطانيا في هذا الشأن، قائلة: إن إعطاء شيك شخصي بدون رصيد مع نية مسبقة، هو أمر مستبعد الحدوث في المملكة المتحدة بشكل عام، وذلك لأن الأفراد هنالك يهتمون كثيراً بـ «سمعتهم المالية».
وأشارت إلى أنه في حال حدوث ذلك، فإن الدائن يلجأ إلى المحاكم المدنية التي يقع ضمن اختصاصها هذا الأمر، والتي لا تقوم بسجن الفرد. حيث إن الدائن في بريطانيا لا يقوم برفع دعوى، إلا إذا تأكد أن المدين لديه أصول أو حساب في البنك أو لديه وظيفة، وعندها يمكن مصادرة أملاك الشخص، وإلا فإنه يعتبرها مضيعة للوقت.
ولفتت آركهورست إلى أن النظام المالي البريطاني يجبر الفرد على اعتبار عدم الوفاء بالدين أمراً بالغ الجدية، وذلك لأن الدائن يمكن بالقانون أن يجبر المدين على إعلان إفلاسه، في حال تجاوز المبلغ المستحق 750 جنيهاً إسترلينياً فقط، وفي حال تم إعلان إفلاس الفرد، فإنه يتعرض، ولمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، إلى العديد من المعوقات المالية، مثل عدم التمكن من الاقتراض أو استئجار منزل أو سيارة، وغير ذلك، بالإضافة إلى أن النظام المالي القضائي في بريطانيا، هو أسرع بكثير، بالمقارنة مع مناطق أخرى في العالم.
وحول ما يمكن أن يتضمنه قانون إعسار الأفراد المقترح برأيها قالت آركهورست: «أتمنى أن يحوي القانون هيكلية معينة للتعامل مع قضية الشيكات، بحيث يتم التعامل معها في المحاكم المدنية، وبحيث يمكن تحديد حد أدنى لإعلان الشخص كمفلس أو متعثر، لأن وضع الشخص في السجن لا يرجع المبالغ المستحقة ولا يفيد أحداً».
كينونة جديدة
من جانبه، قال المستشار القانوني والمدقق الشرعي رامي سليمان أبودقة، إنه، وفي ظل انعدام آليات ضمان أو قانون إفلاس، تقوم البنوك والمؤسسات المالية بالاعتماد على الشيك كوسيلة ضمان لديونها، وليس كوسيلة أداء، ما خلق للشيك كينونة جديدة، أصبح معها يستخدم كورقة نقدية من حق الشخص الذي تم منحه الشيك، استخدامه كوسيلة لتجريم وسجن صاحب الشيك المدين، للضغط عليه في حال رجوع الشيك.
وأضاف: «أعتقد أن قانون إفلاس الأفراد المقترح، يمكن أن يحّد من دور الشيك، ويعيده إلى دوره الأصلي كوسيلة أداء. القانون الجديد سيضبط التبادلات المالية من حيث حصر ممتلكات وأصول مانح الشيك، وفي حال وصل إلى مرحلة التصفية المالية، وأصبحت أصول الشخص أقل من ديونه، يمكن أن يتم اعتباره كالشخص الاعتباري، وملاحقته في المحاكم المدنية».
ممارسات
قال محمد مصبح النعيمي، إن قيادة دولة الإمارات إذا فكرت في سن قانون ما، فبالتأكيد، وضعت في اعتباراتها دراسة لأفضل الممارسات الدولية في مجال الإفلاس وتحليل قوانين دول، آخذة في الاعتبار معايير من شأنها تتيح التعامل مع حالات الإفلاس بأساليب متنوعة، تناسب حالة المدين، من خلال تصفية أصوله أو سن إجراءات تمكنه من مواصلة نشاطه الاقتصادي، مع دراسة دقيقة لاحتياجات التجار والمستثمرين، وتحليل العثرات المالية التي واجهوها، فقانون الإفلاس المتوقع سيسهم في حفظ حق الدائنين
مصالح
شدّد رامي سليمان على ضرورة تهيئة البنية التحتية التشريعية الإلكترونية للقانون المقترح، ليتمكن الدائن من الاطلاع بشكل آني على التاريخ الائتماني للمدين بشكل فوري.
وقال: «هنا يأتي دور قانون الإفلاس في تأسيس «مركز» موحّد يضم بيانات الفرد المالية، بإشراف المصرف المركزي والجهات الرقابية، بحيث يمكن للشخص الاطلاع على ملاءة مانح الشيك. وهذا الأمر يحمي مصالح البنوك من جهة، ويحمي الفرد من خطر التعثر والسجن».
رفع مرتبة الإمارات في مؤشر سهولة الأعمال
توقع شاليش داش، مؤسس «الماسة كابيتال» لإدارة الأصول، أن يعطي قانون إفلاس الأفراد المقترح، دفعة جديدة وحيوية لبيئة الأعمال التجارية والمالية في الإمارات، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل حوالي 94 % من إجمالي الشركات العاملة في الدولة، والتي يرتقب أن ترتفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من 20 % إلى 70 % بحلول عام 2021، خصوصاً أن الكثير من أصحاب الشركات الناشئة يلجؤون إلى القروض الشخصية لتسيير أعمالهم، نظراً لصعوبة حصولهم كشركات صغيرة على قروض.
وأضاف: «من الممكن أن يكون هذا القانون حافزاً للمشاريع الكبيرة لتوفير خيارات تمويل أكثر مرونة للشركات الصغيرة والمتوسطة لتزدهر وتنمو، وأيضاً من شأنه أن يحفز زيادة الأنشطة في التكنولوجيا الناشئة، التي تشهد نمواً سريعاً، ولكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات في البقاء، عن طريق توفير الحماية من المخاطر غير المتوقعة.
إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تخفض التكاليف الباهظة لإجراءات الإفلاس، تشجيعاً للمدينين والدائنين على استخدام هذه الإجراءات. تطوير مثل هذه الجوانب، من شأنها أيضاً أن ترفع مرتبة الإمارات في «حل مشاكل الإعسار» في مؤشر «سهولة الأعمال»، الذي يصدر عن البنك الدولي، والتي تحتله الآن بمرتبة 91 من أصل 189 بلداً.
سوف يساعد هذا القانون، الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه مشاكل، في التوصل إلى اتفاق مع المقرضين، على إيجاد حلول لهذه للمشاكل، بدلاً من إحالة القضية إلى المحكمة أو حبس المدين.




