أكد عبدالله محمد العور المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، في حديث خص به البيان الاقتصادي أن مبادرة الاقتصاد الإسلامي ولدت قوية، وتمتلك مقومات نجاحها، لأنها جاءت استجابة لحاجة العالم الموضوعية، التي تتمثل باقتصاد أخلاقي عادل، يضمن النمو ويحفظ الاستدامة، ويحمي ثروات المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.
لذا، نستطيع القول، إن العالم يتقدم نحو الاقتصاد الإسلامي، وهناك نضج في الوعي العام الدولي حول أهمية القوانين والتشريعات والمعايير الأخلاقية في الممارسة الاقتصادية.
عوامل
وأضاف العور أنه إضافة إلى العامل الدولي والعوامل الإقليمية، هناك عوامل موضوعية عدة أسهمت في نمو الاقتصاد الإسلامي، وبحسب تقرير واقع الاقتصاد الإسلامي 2016:
1. زيادة أعداد المسلمين في العالم إلى 1,7 مليار شخص، وتعتبر هذه الزيادة الأسرع في العالم.
2. بلغت الأصول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية 2 تريليون دولار عام 2015.
3. مجموع إنفاق المسلمين حول العالم بلغ 1,9 تريليون دولار. ويتوقع أن يبلغ هذا الإنفاق 2,986 تريليون دولار في عام 2021، موزعة على القطاعات التالية:
• الأغذية الحلال، 1,9 تريليون دولار.
• السياحة الحلال 243 مليار دولار.
• الأزياء والموضة 368 مليار دولار.
• الأدوية والعلاجات 132 مليار دولار.
• مستحضرات التجميل 31 مليار دولار.
• الإعلام 262 مليار دولار.
هذه الأرقام تشير إلى حجم القوة الشرائية والاستهلاكية الهائلة للمسلمين حول العالم، وإلى إمكانات نمو الاقتصاد الإسلامي، ولكن هذا النمو يشترط أن تسهم الصناعات الإسلامية في إنتاج الجزء الأكبر مما يستهلكه المسلمون وغيرهم من الذين يبحثون عن سلع وخدمات تجمع بين الجودة والاستدامة.
وتتمتع بأخلاقيات العمل التي تضع مصلحة المستهلك في مقدمة الاعتبارات، أي أن يجمع المسلمون بين قوة الاستهلاك وقوة الإنتاج في إطار منظومة الاقتصاد الإسلامي ذاتها.
وأن تتكامل كل القطاعات في منظومة إنتاجية واحدة، تعمل بالأساس على إنتاج السلع والخدمات الأساسية المتوافقة مع الشريعة، وترتقي إلى مستوى الشراكة مع الاقتصاد العالمي في رفع الناتج العالمي الإجمالي، وفي تصحيح مسار الاقتصاد العالمي بالنظم والقوانين والتشريعات التي تضمن الاستدامة.
تقارير
وحول دور التمويل الإسلامي في دعم الاستقرار المالي في المدن قال المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي إن الاستقرار في القطاع المالي هو العامل الأساس في استقرار كل القطاعات الاقتصادية الأخرى، وعامل للاستقرار الاجتماعي والروابط بين المجتمعات المحلية ومجتمعات الأعمال.
وحتى يتمكن هذا القطاع من تأدية دوره في الاستدامة، يجب أن يكون مرآة حقيقية لبقية القطاعات الأخرى، أي أن تكون السيولة المتبادلة مقابلة للأصول المادية الحقيقية في الأسواق، لأن عكس ذلك يعني إفساح المجال لتشكل الفقاعات المالية وانفجارها وانهيار قطاعات الاقتصاد الحقيقي.
لقد تشكلت نواة الأزمة المالية السابقة في أسواق المال، حيث زاد الاعتماد على الديون ومشتقاتها والاتجار بها، وتضخم القطاع المالي على حساب قطاع الإنتاج والتصنيع والتجارة والتداول بالسلع الحقيقة، ثم سحبت معها بقية القطاعات الأخرى والموظفين والعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة.
وعلى القطاع المالي أيضاً، أن يلتزم بتمويل المشاريع ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي المستدام، وفق أولويات تحددها اتجاهات النمو في البلد المعني، وأن يبتكر أدوات تمويلية تحقق مبدأ الشراكة بين المؤسسة المالية والمستفيد من التمويل، وأن يلتزم بالمعايير والسياسات، التي تقرها الهيئات التشريعية وأن يخضع لنظام المحاسبة والحوكمة، لتلافي تراكم السلبيات مع مرور الوقت.
توسع جغرافي
ويرى العور أنه في مرحلة ما بعد الأزمة كانت مرحلة التنامي السريع للاقتصاد الإسلامي وثقافته على مستوى العالم ونحو الغرب على وجه التحديد، خاصة بعد أن أثبتت المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية قدرتها على امتصاص ارتدادات الأزمة وعلى النمو، الذي فاق بكثير ما حققته المؤسسات والمصارف المالية في الغرب.
شهدت السنوات التي تلت الأزمة إجماعاً دولياً على أن غياب المعايير والنظم والتشريعات عن أسواق المال والاستثمار، أدى إلى الأزمات الاقتصادية، وإلى تشوه كبير في ثقافة الاستثمار وتشوه أكبر في النسيج الاجتماعي.
لقد بيّنت دراسة جديدة صادرة عن صندوق النقد الدولي، أن النمو العالمي المحتمل تلقى ضربة كبيرة، بعد الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009، ومن المرجح أن يظل متدنياً لسنوات، وأنه على مدى الأعوام الخمسة المقبلة سيزيد النمو السنوي المحتمل للاقتصادات المتقدمة إلى 1.6%، لكنه سيظل أقل بكثير من معدلات النمو قبل الأزمة.
وأتذكر هنا مقابلة متلفزة للدكتور «عمر المحمدي» المحاضر في جامعة «فوردهام»، والمختص في الأعمال والمصارف الإسلامية، حيث قال ما معناه، إن غياب الأخلاق الاقتصادية أسهم في تشكيل الأزمات وإلحاق الضرر باستدامة التنمية، وأضاف أن هذه المبادئ الغائبة هي مبادئ النظام المالي الإسلامي.
واستشهدَ بمثال أنه لا يجوز في النظام المالي الإسلامي التجارة بالدَين أو المضاربة في أسواق المال والرهان على متغيراتها اليومية، وأن التجارة الوحيدة المشروعة هي الاتجار بمشاريع قائمة وسلع موجودة فعلاً، وليست وهماً على ورق.
من هنا نقول إن الاقتصاد الإسلامي غير تقليدي، إذ يقدم إضافات جوهرية للثقافة الاقتصادية ولآليات عملها وأدواتها وأسباب النمو والاستدامة، كما يستند إلى قراءة علمية تحليلية لمسببات التباطؤ في النمو وتشكل الأزمات.
زيادة الاستثمارات لدعم الاستدامة
حول أهمية زيادة حجم الاستثمارات الإسلامية في دعم المشاريع المستدامة في الإمارات، اعتبر عبدالله العور أن هناك علاقة شرطية بين التمويل الإسلامي والاستدامة.
لا يجوز وفق معايير وتشريعات فقه الاقتصاد الإسلامي وثقافته أن يتجه التمويل لغير القطاعات التي تحقق الاستدامة في نتائجها، فأمام التمويل الإسلامي في الإمارات فرصة تاريخية كي يصنع نموذجاً تنموياً مستداماً للدولة الحديثة، لأن القوانين والتشريعات الاقتصادية في الدولة منسجمة مع سياسات الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
إن زيادة الاستثمارات الإسلامية في دعم مشاريع التنمية المستدامة تحقق نتيجتين: الأولى تعزيز وتوسيع قاعدة الاقتصاد الإسلامي، بما يعزّز دوره في مسيرة بناء اقتصاد ما بعد النفط، وتنويع مصادر الدخل الوطني، من خلال مشاريع الصناعات الحلال وبقية القطاعات الأخرى.
والثانية: يمنح الاقتصاد الإسلامي بمؤسساته أداة تنموية هامة للدولة ستترك نتائجها وآثارها الإيجابية على البرامج الوطنية التي حددتها رؤية الإمارات للعام 2021.
ويستفيد القطاع الخاص من الاستدامة بمقدار القطاع العام، فمن ناحية، تمكنه المشاريع الحقيقية المستدامة من إقناع المستثمرين وجذب الاستثمارات وتعزيز شراكته مع القطاع العام في تنفيذ المشاريع السيادية، ومن ناحية، يستفيد من تنامي طلب الأسواق نتيجة للنمو المستقر.
تشترط الاستدامة الحقيقية شراكة واسعة وتنسيقاً عميقاً بين القطاعين العام والخاص، لا يمكن للاستدامة أن تتم من دون هذه الشراكة التي تحقق الانسجام بين كل القطاعات في التزامها بالسياسات الاقتصادية والتنموية الرسمية.
إن المبادرات التي أطلقها المركز أو التي تعاون فيها مع شركائه الاستراتيجيين تصب في مسار تحقيق الانسجام بين القطاع الخاص والمبادرات الحكومية، سواء مبادرة «دبي مركز عالمي للصكوك»، التي تتيح للحكومات والشركات من القطاعين العام والخاص الحصول على التمويل المناسب من خلال الصكوك، أو مبادرات أخرى حاضنة للشركات الناشئة الرقمية وبوابة سلام الإلكترونية وعلامة الحلال الوطنية.
دبي عاصمة عالمية
في ما يتعلق بالخطوات العملية التي يمكن من خلالها تفعيل دور المصارف الإسلامية ومؤسسات التمويل الإسلامي في تنشيط قطاعات الاقتصاد الإسلامي.
وصولاً إلى تعزيز دور دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، يركز عبد الله العور على أهمية المعايير والمرجعيات الموحدة في تفعيل دور المصارف والمؤسسات المالية، وقطعنا شوطاً طويلاً في هذا المجال، من خلال إطلاق عدد من المبادرات، التي ذكرتها سابقاً، فتوحيد المعايير والمرجعيات هي الخطوة العملية الأولى. هناك أيضاً خطوات هامة أخرى، وهي قوننة العقود والمعاملات الإسلامية من خلال المزاوجة بين الفقه والعلوم والنظم والتشريعات، وكذلك الابتكار في الأدوات المالية للتمويل والاستثمار.

