لا يوجد مكان في العالم يشهد الحراك، الذي تشهده الإمارات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، هذا الحراك الذي بات اليوم يشبه حالة مخاض تاريخي، ستولد منه أفكار ورؤى ومشاريع جديدة، وأشكال متطورة للتركيبة الاجتماعية المترابطة السعيدة.
وللأوقاف نصيب كبير في هذا الحراك. الكثير من المبادرات والخطط والبرامج ذات علاقة مباشرة بالوقف ودوره الحاضر والمستقبلي. ويمكن تشبيه هذه المرحلة بعملية ولادة قطاع اقتصادي ثالث، هو قطاع الاقتصاد الاجتماعي الذي لا يمكن لنا بسبب تميزه وخصوصية معاييره، وبسبب وظيفته المحددة في خدمة المجتمع بفئاته كافة من دون تمييز، أن ندرجه ضمن أحد القطاعين السائدين، القطاع العام والقطاع الخاص.
لقد بدأ الحديث عن أهمية القطاع الاقتصادي الثالث في الدول النامية، بعد أن تعثرت العديد من خطط التنمية التقليدية، وأصبح من الضروري استحداث قطاع آخر ينشغل بشكل كلي بإيجاد حلول لتطوير أدوات، تهدف لمعالجة المشكلات الاجتماعية مثل الفقر والبطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي، قطاع لا تقاس كفاءته إلا بمقدار الإبداع في إطار خدماته التي يقدمها للمجتمع.
وكانت النتيجة الأولى لهذا الحديث، إلقاء الضوء على المؤسسات الوقفية والمطالبة بأن تأخذ مكانتها في قلب هذا القطاع، وأن تؤدي وظيفتها التي لازمتها عبر التاريخ أحد أهم روافد التنمية.
وإذ يوضح الدكتور محمد السلومي، في كتابه «القطاع الثالث والفرص السانحة» وظيفة هذا القطاع بأنه بديل للعجز الذي قد يطرأ على وظيفة الدول النامية في توفير الخدمات الصحية والتعليمية وتهيئة البنية التحتية، فإن الإمارات وبفضل واقعها المتقدم اقتصادياً واجتماعياً تعيد توصيف هذه العلاقة على أنها تكامل بين المؤسسات الوقفية والخيرية وبين القطاعين العام والخاص تحت مظلة تشريعية سيادية واحدة.
تمكين
ونحن نرى أن أهمية هذا القطاع للإمارات في أنه يعتبر اليوم، وبحسب الرؤية الجديدة لمحفزات التنمية الشاملة والعادلة، أحد أهم مسرعات النمو الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة، لأنه يسهم في تمكين أوسع مساحة اجتماعية للشراكة في الاقتصاد الوطني، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومشاريع الشباب الناشئة وخاصة الجماعية منها برأس مال اجتماعي، تجمعه الجهات الوقفية من ثروات الناس ومدخراتهم، ثم توظيفها لدعم المشاريع التي ذكرناها.
موقف ومنهج
القطاع الثالث يضيف للدولة أداة تنموية جديدة لتعزيز التعددية الاقتصادية في الأسواق، ولأن الإمارات دولة حديثة ومتطورة وغير تقليدية، ولأن المرحلة المقبلة هي بناء مجتمعات المعرفة والسعادة، فنحن مطالبون بموقف ومنهج غير تقليديين لتحديث وتطوير المؤسسات والجهات الوقفية ووظيفتها لتكون قادرة على مواكبة التطور السريع في الدولة، ولتكون مؤسسة عصرية بوظيفة عصرية وأدوات عصرية.
إن رؤيتنا في مؤسسة الأوقاف وشؤون القصّر لمستقبل هذا القطاع، تتمثل في وضع خريطة طريق طويلة الأمد بهدف تطوير هذه المؤسسة بخطوات مدروسة تستفيد من المناخات التي وفرتها السياسات والتشريعات الحكومية، التي منحت للابتكار في تطوير المؤسسات مساحات واسعة وغير مسبوقة. وعلينا أولاً أن نسهم في التحرر من القيود التقليدية والضيقة في مفهوم العمل الخيري، فالعمل الخيري يشمل كل ما ينفع الناس ويرتقي بأنماط حياتهم ويديم النمو الاقتصادي.
ذراع استثمارية
لقد حان الوقت لاستحداث كيانات اقتصادية وهيئات للتطوير والاستثمار تابعة للأوقاف، تكون بمثابة الذراع الاستثمارية للمؤسسات الوقفية، تعمل على تأمين أدوات جذب السيولة وإدارتها كونها صناديق الاستثمار وإدارة الثروات. ومثال على ذلك شراكة مؤسسة الأوقاف وشؤون القصّر مع مجموعة نور الاستثمارية، وما نتج عنها من تأسيس شركة نور أوقاف التي تعتبر الذراع الاستثمارية للمؤسسة.
إن هذه الخطوات في غاية الأهمية لإشراك المجتمع من خلال العمل في بناء مستقبل دولة متطورة كدولة الإمارات، ولكن في ذات الوقت فنحن نعتبر أنها لا تقل أهمية لاستنهاض التنمية في الدول التي لا تزال في مراحل مبكرة من النمو والتي لا تكفي مداخيلها الوطنية لدعم ركائز التنمية، وكما قيل في الماضي، فإن أفضل الشعوب هي التي تمتلك أفضل المؤسسات التعليمية، فليس هناك أكثر إلحاحاً من توجيه الأوقاف لخدمة التعليم في تلك البلدان. ومن المؤسف أن نستعرض تجارب الغرب في مجال الوقف التعليمي كونه وسيلة لتبيان مقدرة الوقف على استنهاض قطاع التعليم «على سبيل المثال» في الدول الإسلامية. والوقف التعليمي هو عبارة عن مشاريع ومبان ومؤسسات تمويلية خاصة بالجامعات والمؤسسات الأكاديمية، أي تمويل ذاتي لعملية التعليم.
بحسب التقديرات، هناك ما يزيد على 500 جامعة من أعلى المستويات التعليمية في العالم تعتمد بشكل رئيس على الأوقاف لتمويل عملية التعليم وتطويرها.
وعلى سبيل المثال، تمتلك جامعة هارفرد الأميركية الحصة الأكبر من الأوقاف التعليمية في العالم بقيمة تصل إلى 36,5 مليار دولار، وبدأت هارفرد منذ عام 1870 مراكمة أملاكها الوقفية حتى فاق عددها 11 ألف وقف، إضافة إلى هارفرد، وعلى غرارها، فإن جامعة كيوتو في اليابان تمتلك أوقافاً قيمتها 2,1 مليار دولار، والجامعات الكندية 5 مليارات دولار أما بريطانيا فحجم أوقافها التعليمية فاق 30 مليار دولار في 10 جامعات فقط.
إن هذه الوقائع بالأرقام، تفتح السبيل أمام الدول النامية لكي تبدأ في استخدام الأوقاف التعليمية، لتمويل عمليتها التربوية بآليات ومصادر ذاتية مستدامة. وما ينطبق على الجامعات، ينطبق على المدارس والمستشفيات وبيوت الأيتام والقصّر وغيرها الكثير.
وكل ما نحتاجه لتنفيذ هذه التصورات هو الابتكار في أشكال تحفيز الأوقاف كي تتطور وتتحمل مسؤوليتها الاجتماعية من ناحية، وتوجيه الاستثمارات الإسلامية بما فيها 105 مليارات دولار هي حجم أموال الوقف العالمية لدعم مشاريع إنتاجية، يوظَّف جزء من ناتجها لدعم القطاعات التنموية الرئيسة في دول العالم النامي، ويعاد استثمار الجزء الآخر للحفاظ على استمرارية قدرة الأوقاف واستدامتها في أداء وظائفها.
*الأمين العام لمؤسسة الأوقاف وشؤون القصر في دبي
