التـركـيز عـلى الصـناعـات الدوائـيــة والمعـــــــــــدات الطبية في استراتيجية دبي الصناعية

سوق الرعاية الصحية تتيح فرص استثمـــــــــار يغذيها الابتكار وشراكة القطاع الخاص

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تهدف استراتيجية دبي الصناعية إلى التركيز على الإنتاج ذي القيمة المضافة المرتفعة في 6 قطاعات، أحدها هو الصناعات الدوائية والمعدات الطبية التي تشكّل جزءاً من سوق الرعاية الصحية التي يقدر حجمها في الإمارات بـ71 مليار درهم (19.5 مليار دولار) في عام 2020، حسب تقرير لشركة ألبن كابيتال للخدمات الاستشارية، ليسجل بذلك متوسط نمو سنوي قدره 12.7% من عام 2015، وهو أعلى هامشياً مقارنة بمعدل النمو الوسطي في بقية دول مجلس التعاون الخليجي البالغ 12.1%.

وتستحوذ الإمارات على نسبة 26% من إجمالي إنفاق حكومات دول مجلس التعاون على الرعاية الصحية بعد السعودية (47.9%)، وهو ما يعزز الفرص الاستثمارية في هذا القطاع، وتوقع التقرير الذي يسلط الضوء على قطاع الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي أن يصل حجم سوق العيادات الخارجية والمرضى الداخليين في الدولة إلى 12.1 مليار دولار (44 مليار درهم) و7.5 مليارات دولار (27 مليار درهم) على التوالي بحلول عام 2020.

ومن المرجح أن تشهد الإمارات زيادة في عدد أسرّة المستشفيات 3% سنوياً، ليصل إلى 13.800 سريراً بحلول عام 2020، علماً أن العائد على الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية في الدولة يراوح من 14-15%.

التحولات

وتعتبر أليشا موبن، مديرة الاستراتيجيات المؤسسية لمجموعة «أستر دي إم» وعضو في «منظمة الرؤساء الشباب - YPO»، أن أكبر التحولات في قطاع الرعاية الصحية الذي سيشهد تحولاً أو تغييراً ذا أثر كبير هو اعتماد التأمين الإلزامي في دبي الذي يأتي في أعقاب قيام أبوظبي بذلك قبل 3 سنوات، حيث تم تنقيح وإنشاء نموذج التأمين الإلزامي في دبي استناداً إلى الدروس المستفادة من نموذج أبوظبي، وتأمل أن يحقق هذا النموذج الفوائد بصورة متساوية بالنسبة إلى المرضى ومزودي خدمات الرعاية الصحية والمجتمع ككل. وإضافة إلى ذلك، يتم بذل جهود حثيثة لإرساء مكانة دولة الإمارات ودبي كوجهة للسياحة العلاجية من مختلف أنحاء منطقة الخليج العربي.

التمويل

ورأت أنه مع التغيرات التي شهدتها سوق الرعاية الصحية في أبوظبي، تقوم وحدات الرعاية الصحية التابعة للحكومة بتقديم الدعم لمواطني الدولة دون اعتماد نظام الدفع المشترك، في حين يجب على المستهلك أن يدفع الكثير من جيبه الخاص، من أجل الوصول إلى مزودي خدمات الرعاية الصحية من القطاع الخاص، وسيحمل هذا الأمر بكل تأكيد أثراً كبيراً على مستويات الإقبال بالنسبة إلى هذه الوحدات. وبصورة مشابهة، إن الانتقال إلى ممول واحد أو عدد قليل من شركات التأمين التي ستضغط الأسعار سيؤثر في هوامش الربح.

فرعية

وتطرقت مديرة الاستراتيجيات المؤسسية لمجموعة «أستر دي إم» إلى وجود قطاعات فرعية ضمن الرعاية الصحية مثل الخدمات الصيدلانية، وخدمات الرعاية الصحية الإلكترونية كالتشخيص بالأشعة عن بعد، والاستشارات عن بعد وغيرها. وتمتلك هذه القطاعات إمكانات هائلة إذا ما تم تطبيقها بصورة صحيحة، ومن شأن الاتصال بالأطباء عبر الإنترنت مع توافر مجموعة المهارات المطلوبة أن يحقق منافع اجتماعية، فضلاً عن إمكانية اعتماد هذا الأمر نموذجاً أكثر ملاءمةً من الناحية الاقتصادية للأعمال. ومع إطلاق الاستراتيجية الصناعية، سيتجدد التركيز على قطاع الصناعات الدوائية مع تصنيع الأدوية البديلة، فضلاً عن بذل الجهود في مجال تطوير قطاع المعدات الطبية الحيوية.

الكوادر

وتطرق عمر الشنار، الرئيس التنفيذي لشركة ماجد الفطيم للرعاية الصحية، إلى التحديات التي يواجهها قطاع الرعاية الصحية في دولة الإمارات، وخصوصاً إيجاد الكادر الطبي المؤهل والمدرب، وفقاً لمعايير الجودة العالمية لتقديم خدمات رعاية صحية رفيعة المستوى للمرضى، وارتفـاع نسبة كبــار السـن في المجتمع نتيجة ارتفاع معدل العمر المتوقع عند الولادة. ونتيجة لارتفاع معدل النمو السكاني في الإمارة، أصبح التحدي الأكبر هو عدم كفاية عدد الأسرّة للمرضى.

وهناك أيضاً مشكلة ضعـف برامـج التعليـم والتدريـب المستمـر، وهي إحدى أهم المشكلات، إضافة إلى غياب وعي الجمهور بالممارسات الصحية، مما يشكّل ضغطاً أكبر على القطاع الصحي، وأيضاً يشكّل التحوّل النسبي للأمراض المزمنة والمستجدة، بسبب التغيّر في النمط السلوكي والمعيشي للأفراد أحد التحديات الكبرى. واعتبر أن تنمية قطاع التأمين الصحي لمسايرة النمو في استثمارات القطاع الصحي تتطلب ضخ الاستثمارات في قطاع التأمين الصحي.

وعن استثماراتهم المقبلة في هذا القطاع، قال: «تعمل ماجد الفطيم للرعاية الصحية على بناء نظام مترابط عبر الإمارات وفي المنطقة عموماً، حيث ستفتتح ثلاث عيادات جديدة في الدولة بنهاية 2016، كما خصصت ما يقارب 500 مليون درهم لإنشاء 20 عيادة جديدة في المنطقة، معظمها متصل بمراكز تجارية».

دعم

ويؤكد محمد الطويل، المدير العام لدى شركة بوهرنجر إنجلهايم في منطقة الشرق الأوسط والأدنى، أن قطاع الصناعة الدوائية في المنطقة يشهد نمواً ملحوظاً، إلى جانب الدعم الحكومي القوي لتوسيع مجالات الرعاية الصحية. وهناك توجه إلى توحيد الجهود نحو دعم الصناعات الدوائية، فضلاً عن تشجيع المصانع المحلية للتركيز على صناعة الأدوية المبتكرة، وتعزيز ثقافة المجتمع في مجال الثقة بالصناعات الدوائية المحلية بدول مجلس التعاون الخليجي. وتهتم دولة الإمارات بتشجيع الصناعات المحلية الوطنية لإنتاج الأدوية المبتكرة. ويبقى القطاع الصحي على موعد مع مشاريع ضخمة وفرص حـصرية ذات أبعاد استــثمارية وتـــنمويــة تلبــي أهداف الأطراف، بــما فيـها طالبو الرعاية الصحية. وتقوم دولة الإمارات بتحديث قطاع الرعاية الصحية لمواجهة الأمراض المزمنة، من خلال مواكبة التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من الإمكانات الجديدة، حيث تشجع الدولة اتباع أنماط الحياة الصحية.

توقعات

وبيّن محمد الطويل أن التوقعات تشير إلى أن سوق الرعاية الصحية في الإمارات ستصل في عام 2020 إلى أكثر من 71.5 مليار درهم بمتوسط نمو سنوي يبلغ 12.7%، حيث وصل حجم الإنفاق على الرعاية الصحية في العام الماضي إلى نحو 54 مليار درهم. وبلغت نسبة الإنفاق الدوائي من إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية عام 2015 أكثر من 18.5%، ومن المتوقع أن تصل إلى أكثر من 14.5 مليار درهم بحلول عام 2020.

البنية التشريعية

وعن عوامل استيعاب السوق للأدوية من حيث البنية التشريعية وتحديات السوق، أجاب: «تؤدي البنية التشريعية في أي بلد دوراً محورياً في تسهيل أو تعقيد عمليات استيراد وإدخال الأدوية، لذلك كان لا بد قبل إطلاق عملياتنا في المنطقة دراسة كل اللوائح القانونية والتشريعية لكل بلد، وكان من اللافت حقيقة البنية التشريعية لدولة الإمارات العربية المتحدة خاصة في هذا المجال، فالجميع يعرف مدى حرص الدولة على سلامة وصحة مواطنيها والقاطنين على أرضها، وهي تتبع كل السبل للحفاظ على الأمن الصحي للدولة، دون أن يتعارض ذلك بأي شكل من الأشكال مع رؤيتها لتوفير بيئة استثمارية مثالية خالية من التعقيدات الروتينية التي قد تنفر المستثمرين.

وأشير إلى الخطوة السباقة التي قامت بها وزارة الصحة في الإمارات بدايات 2014 بتوفير نافذة إلكترونية لاستيراد وتصدير الأدوية التي تسمح لجميع الشركات العاملة في القطاع الدوائي والصيدلاني بتقديم الطلبات من مكاتبها دون الحاجة للتوجه إلى وزارة الصحة».

شراكات

وأشار الطويل إلى نجاح الإمارات في جذب الشركات، وقال: «افتتحنا مقرنا الإقليمي في مركز دبي المالي العالمي، ليصل حجم استثماراتنا في الإمارات إلى ما يقارب 600 مليون درهم. وقد نجحت الإمارات في جذب شركات الصناعات الدوائية العالمية، ولا سيما الخاصة بالتقنيات الحيوية وإنشاء شراكات تعاقدية بين الشركات العالمية والوطنية، مما يتيح إنتاج الأدوية المبتكرة والمكافئة وضمان استدامة جودة الدواء. وتعد الشراكة الاستراتيجية بين وزارة الصحة والشركات الدوائية العالمية رافعة ابتكارية في مجال اقتصاديات الدواء وصياغة نظام وطني للمعلومات الدوائية».

تنمية

ويشير روبرت هانفيك، الخبير الاستراتيجي في اتصالات قطاع الرعاية الصحية لدى شركة فليشمان هيلارد، إلى أنه عند الإعلان عن استراتيجية دبي الصناعية، حدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رؤيته لمفهوم التنمية المستدامة، فقال: «التنمية المستدامة تعني تفعيل جميع قطاعات الاقتصاد، وهذا يتطلب تهيئة المناخ المناسب باستشراف المستقبل، والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، ولتحقيق هذه المهمة يجب التركيز على مجالات المعرفة والعلوم والبحث العلمي، فهي مدخل التطور والطفرة الصناعية للاقتصاد العالمي»، وقال هانفيك إنه من بين القطاعات الستة التي ركّزت عليها استراتيجية دبي الصناعية، يعتبر القطاع الصحي خير مثال على القطاع الذي يعتمد اعتماداً كلياً على المعرفة والعلم والأبحاث.

ويجب علينا في دبي تخطي المفهوم السائد عن الرعاية الصحية المقتصر على قطاع الأدوية والمرافق الطبية والبحث عن فرص خارج هذا المربع المحدود. فمثلاً، إن اكتشاف تركيبة دوائية جديدة أمرٌ صعبٌ للغاية ويستهلك الكثير من الوقت والتكاليف، ورغم أنه أمرٌ مهم، لكن الأجدى التفكير في تطوير طرائق تشخيص حتى نتمكن من معرفة المستفيد الأكبر من الدواء، أو إيجاد السبل لإيصال الدواء إلى الجزء المحدد من الجسم.

و«البيانات» هي واحدة من هذه الفرص التي يمكن أن نوليها اهتماماً، والسؤال هنا كيف يمكننا تسخير قوة البيانات التي يتم جمعها من قبل مزودي الرعاية الصحية ومن خلال الأجهزة التي نستخدمها لاحتساب عدد الخطوات التي مشيناها أو معدل نبضات قلبنا. المجال الآخر البحث في طرائق الوقاية من الأمراض. والأمر الثالث الذي يستحق التركيز هو موضوع التقنية الطبية التي تشمل الأجهزة التي تزرع في الجسم لمراقبة الحالات المرضية، مثل حالات قصور القلب، إلى جانب الأجهزة الحديثة والمتطورة القابلة للارتداء.

وأعتقد أن المنطقة بحاجة إلى حاضنات متخصصة، حيث ترحب الشركات المتعددة الجنسيات بفرصة الاستثمار في الأبحاث، لكنها غير متأكدة بعد من الطريقة، بينما تساعد المراكز المتخصصة على تسهيل الاستثمارات الخارجية. وفي سياق منفصل، غالبية العمل المُبتكر الذي تم في قطاع الرعاية الصحية اليوم يُعزى إلى الشركات الصغيرة والماهرة التي تبيع تقنياتها للشركات المتعددة الجنسيات. ومن خلال تنشئة الشركات الصغيرة المتوسطة في قطاع الرعاية الصحية بالإمارات العربية المتحدة والمنطقة، تزداد وتيرة الابتكار جنباً إلى جنب مع تزايد الاهتمام من الشركات متعددة الجنسيات.

أحد النماذج التي سجلت نجاحاً في قطاعات أخرى في المنطقة تأسيس «محور» للابتكار، ويمكن للأفراد فيه أو الشركات الصغيرة الحافلة بالأفكار الكبيرة أن يصلوا إلى عدد كبير من أنواع الدعم والإرشاد الذي يمتد ليشمل تسجيل براءات الاختراع والتسويق والشركاء المحتملين، وقطاع الرعاية الصحية هو مرشّح مثالي لمثل هذا النهج.

مواجهة

وأشار خبير شركة فليشمان إلى أن أحد أكبر التحديات في الإمارات هو أن أكثر من 88% من تعداد السكان من المقيمين، وهم عادة لا يميلون إلى الاستثمار في نظام رعاية صحية على المدى الطويل. التحدي الآخر هو المساحة، حيث تسعى الشركات الكبرى للاستثمار في الأسواق الكبيرة، والإمارات ليست واحدة من هذه الأسواق. كما تواجه الإمارات مجموعة من التحديات الديموغرافية فيما يتعلق بالرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، يعاني الأفراد على مستوى المنطقة إصابتهم الأولى بالسكتة الدماغية بمعدل يقل 16 سنة عن أوروبا والولايات المتحدة.

الفرص

ويقول هانفيك: «يعتبر كل عنصر من عناصر قطاع الرعاية الصحية في العالم فرصة لاستثمار ناجح، مثل الاستثمار بالعلاجات التي توفر حالات شفاء حقيقية لأمراض مثل التهاب الكبد الوبائي والبعض أنواع السرطانات، إضافة إلى تلك العلاجات التي تعطي نتائج طبية على المرضى بنسبة 100% مقابل علاجات قد لا توفر هذه النسبة من الشفاء بمعدلات 25% أو حتى 2.5% في بعض الأحيان. وأعتقد أن الاستثمار الأفضل في المستقبل سيكون ذلك الموجه نحو جوانب معادلة الرعاية كافة، وهي السلامة والفاعلية والتكلفة.

نحن بحاجة إلى جمع التقنيات الطبية والبيولوجية والمعلوماتية، لإعطاء الأفراد الحلول التي توفر القيمة الحقيقة».

احتكاك

وأضاف أنه يوجد عادةً احتكاك مباشر بين مزودي خدمات التأمين الصحي ومزودي خدمات ومنتجات الرعاية الصحية، حيث تبدأ رحلة المريض عادةً بالذهاب إلى مزود الرعاية الصحية، وهو يعاني حالة مرضية ما تحتاج إلى رعاية مُبتكرة، ثم يصف مزود الرعاية الصحية منتجاً أو خدمة صحية مُبتكرة، لكن التأمين يرفض طالباً المزيد من الإثباتات على حاجة المريض. هذا يجب أن يتغير.

حلول

من الضرورة بمكان مشاركة القطاع الخاص لتلبية الطلب المتزايد على خدمات الرعاية الصحية، وتخفيف أعباء التكاليف على الحكومات. وتؤدي السياسات الحكومية الهادفة إلى زيادة التغطية التأمينية وتوفير الدعم للبنية التحتية فضلاً عن الحوافز المالية، إلى جذب المزيد من المستثمرين.

وثمة حلول يمكن أن ترتقي بمستوى القطاع الصحي وصناعاته، فمثلاً يمكن لمنصة تعهيد جماعي يشرف عليها أطباء أن تتيح حشد التمويل لشركات الرعاية الصحية الناشئة في المنطقة، في حين يمكن لداعمي وحاضني جهود الأعمال صقل المفاهيم الجديدة في مراحل مبكرة.

وتؤدي الكليات الطبية كذلك دوراً في تمكين الأطباء من الترويج للمنافع الصحيّة الرقمية بين المرضى، وبالتالي دعم مسيرة الشركات الناشئة. كما أن التقدم في مجال الطباعة الثلاثية الأبعاد وعلوم المواد والحوسبة الكمومية يساعـد على إزالة العقبات التي تعوق مشاركة المبتكرين وأصحاب المشاريع، ناهيك عن أن نضج الخدمات الصحية عبر الأجهزة المحمولة في الشرق الأوسط.

طباعة Email