أثار القرار الذي اتخذه البريطانيون في الاستفتاء العام الذي جرى 23 يونيو الماضي بالخروج من مظلةالاتحاد الأوروبي ضجة كبيرة في الأسواق الأوروبية والعالمية سرعان ما أعاد الذاكرة إلى الزلزال المالي الذي شهده العالم إبان الأزمة المالية العالمية 2008 ويعكس حجم الصدمة مركزية الاقتصاد البريطاني في المحيطين الأوروبي والعالمي من جهة وعولمة الاقتصاد البريطاني وتشابكاته القوية مع سائر الأسواق العالمية من جهة أخرى.
تبعات العاصفة
ما أن أعلنت نتائج الاستفتاء الذي قرر فيه البريطانيون الخروج من الكتلة الأوروبية حتى توالت الانهيارات التي شهدها سوق لندن المالي ومعظم البورصات والمصارف وأسواق السندات والشركات المالية في أوروبا وخارجها وخاصة في اليابان والولايات المتحدة الأميركية، حيث قدرت حجم الخسائر التي تكبدتها هذه الأسواق أكثر من تريليوني دولار ولم تفلت أسواق الأسهم الخليجية من الهزة المالية العالمية فقد شهدت هي الأخرى تراجعات وإن كانت أقل حدة من الأسواق الأوروبية والأميركية.
كذلك طالت الصدمة النفط، حيث انخفض سعر البرميل بنحو 6% واتجهت أنظار المستثمرين إلى الذهب بوصفه الملاذ الآمن في مثل هذه الظروف ليرتفع سعره 5.5% بعد أن شهد انخفاضاً قبل ساعات من إعلان نتائج الاستفتاء البريطاني.
أما بالنسبة للاقتصاد البريطاني فقد كانت في مقدمة تبعات الصدمة الانخفاض الكبير في سعر الجنيه الاسترليني (10%) ولأول مرة منذ 1985.
ومع وقع الصدمة كان من المتوقع أن يتدخل بنك انجلترا لاستعادة الثقة في الاقتصاد المحلي والذي سرعان ما أعلن بالفعل استعداده لضخ أموال تقدر بـ250 مليار جنيه استرليني (قرابة 330 مليار دولار) ليتبعه المصرف المركزي الأوروبي معلناً هو الآخر استعداده لتوفير السيولة اللازمة من أجل ضمان استقرار الأسعار والقطاع المالي في منطقة اليورو وكذلك إعلان بنك اليابان استعداده لفعل الشيء ذاته.
انتقال الشركات
أدى الوضع المرتبك في الاقتصاد البريطاني إلى انتقال بعض الشركات والبنوك من لندن إلى ألمانيا وفرنسا وإيرلندا ودول الاتحاد الأخرى مع توقعات بتصاعد هذه الظاهرة بوتيرة سريعة الفترة المقبلة ما يعني تراجع مركز لندن المالي والاستثماري بل ومركز بريطانيا الصناعي.
كذلك فقد طالت شرارة صدمة «الخروج» أسواق المال الخليجية والتي شهدت تراجعات خلال الجلسات الأولى بعد إعلان نتائج الاستفتاء لكنها تمكنت بعد ساعات من تقليص خسائرها بصورة واضحة.
بيد أنه من الثابت أن قوة ومعالم الاقتصاد البريطاني سوف تحدده مجموعتان من العوامل الأولى داخلية وتتعلق بفاعلية الجهد السياسي البريطاني والذي سيؤثر مباشرة على دينامية النشاط الاقتصادي في بريطانيا إلى جانب مدى ملاءمة السياسات الاقتصادية وخاصة النقدية والمالية والنهج الجديد الذي ستتبناه الحكومة البريطانية على تحقيق التوازن في الاقتصاد المحلي.
كذلك ستتجلى مدى قدره مؤسسات الأعمال البريطانية على مجارات التغير الكبير الحاصل في بيئة الأعمال وفي الحياة الاقتصادية بعد الانفكاك من عضوية الاتحاد الأوروبي وشروطه إلى جانب طول إجراءات الخروج وترتيباته.
أما العوامل الخارجية فتتمثل بصورة رئيسية بإرادة البرلمان الأوروبي وقرارات بروكسل فضلاً عن قرارات دول العالم وخاصة الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة واليابان إلى جانب الأسواق الناهضة في التعامل مع بريطانيا المستقلة.
