أطلق معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا أول محطة متخصصة من نوعها في أبحاث الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط والثانية في العالم، بهدف إحراز تقدم ملموس في مجال تقنيات الطاقة الشمسية ودعم تحقيق أهداف دولة الإمارات المتعلقة بزيادة اعتمادها على مصادر الطاقة المتجددة، لتصل نسبتها ضمن مزيج الطاقة إلى 24% بحلول العام 2021.

وتتزايد أهمية المحطة بشكل كبير مع الخطة الطموحة التي أعلنت عنها هيئة كهرباء ومياه دبي مؤخراً بإطلاق توسعات أكبر مشروع للطاقة الشمسية المركزة في العالم، ضمن مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، خصوصا مع فوز الائتلاف الذي تقوده شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» بمناقصة تنفيذ المرحلة الثالثة من المجمع والذي يضم محطة طاقة شمسية بقدرة 800 ميغاواط.

مشاريع بحثية

وكشف الدكتور ستيف غريفيث، نائب الرئيس للأبحاث في معهد مصدر لـ«البيان الاقتصادي» عن أنه يجري حالياً ضمن «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» مجموعة من المشاريع البحثية والتجريبية المبتكرة في مجال الطاقة الشمسية المركزة، وذلك بالتعاون مع شركاء دوليين، من ضمنهم «إينرجي نست إيه اس»، وهايدلبرغ للإسمنت، وسيمنز إيه جي، وداو للكيميائيات، واس كيو ام، وناشيونال انسترومنت، وشركة باركر، وشركة شمس للطاقة، وايبدين كو لميتيد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وشركة دونغفانغ للكهرباء، ومن المتوقع أن تقود عمليات البحث والتطوير التي تجري في «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» وما يرشح عنها من مخرجات وابتكارات مهمة إلى الجيل التالي من تقنيات الطاقة الشمسية المركزة ونظم تخزين الطاقة الحرارية التي تتسم بكفاءتها العالية وكلفتها المنخفضة.

وركز على أن محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية تمثل منصة أبحاث واختبارات عالية الأداء لتطوير تقنيات وحلول متقدمة في مجال الطاقة الشمسية المركزة (CSP). مشيرا إلى أن هذه المحطة تنطوي على أهمية كبيرة، خصوصاً في ظل إعلان هيئة كهرباء ومياه دبي مؤخراً عن عزمها بناء محطة للطاقة الشمسية المركزة بقدرة إنتاجية تصل إلى ألف ميغاواط بحلول العام 2030«. ونوه غريفيث إلى أن نظم الطاقة الشمسية المركزة تمثل حلولاً تقنية واعدة تساعد في توليد الطاقة الكهربائية على نطاق واسع، وإذا ما جرى تزويدها بتقنيات تتيح تخزين الطاقة الحرارية، سيكون بإمكان هذه النظم ضمان توليد الطاقة الكهربائية على مدار الـ24 ساعة، وبالتالي إمكانية دمجها ضمن منظومة الشبكة الكهربائية.

وتعتمد المحطة، كما يؤكد الدكتور نيكولا كالفيه، رئيس محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية وأستاذ مساعد في قسم الهندسة الميكانيكية وهندسة المواد في معهد مصدر، على برج معهد مصدر للأشعة الشمسية المركزة المنعكسة للأسفل (بيم داون 100 كليوواط) الفريد من نوعه، لافتا إلى أن محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» تهدف إلى منح الجامعات البحثية وشركات الطاقة المحلية والعالمية الفرصة لاختبار واثبات جدوى مكونات تقنيات الطاقة الشمسية المركزة الجديدة ومدى قدرة نظم تخزين الطاقة الحرارية على تحمّل المناخ الصحراوي القاسي في دولة الإمارات، سعياً وراء زيادة الاعتماد على نظام الطاقة الشمسية المركزة على مستوى الإمارات والعالم.

وتتميز «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» بتصميم فريد يتيح المجال لإجراء بحوث واختبارات متقدمة، لا سيما في مجال تخزين الطاقة الحرارية. فيبلغ ارتفاع برج المحطة 20 متراً، ويحيط به حقل شمسي يتألف من 33 لوحاً من مرايا «هيلوستات» العاكسة، موزعة ضمن ثلاث مصفوفات دائرية. وتقوم هذه المرايا بتغيير اتجاهها لتتبع مسار أشعة الشمس وتوجيهها مباشرة إلى قمة البرج التي تضم مجموعة من 45 مرآة تقوم بدورها بتحويل الأشعة الشمسية نحو لاقط شمسي مثبت عند قاعدة البرج ليكون أكثر ملاءمة للأغراض البحثية، بخلاف نظم الطاقة الشمسية المركزة التقليدية التي توجه الأشعة الشمسية نحو لاقط شمسي مثبت أعلى البرج.

اختبارات ميدانية

وتخضع تقنيات ونظم الطاقة الشمسية المركزة الجديدة لعمليات اختبار عملية وميدانية قبل أن تصبح مؤهلة لدخول حيز التسويق التجاري. ويجري حالياً اختبار جدوى اثنين من النظم الفريدة لتخزين الطاقة الحرارية ضمن «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية»، وقد تم بالفعل إثبات جدوى أحدهما.

ويركز النظام الأول الذي طورته «إينرجي نست»، الشركة النرويجية المتخصصة في تطوير تقنيات تخزين الطاقة الحرارية، على تخزين طاقة حرارية تصل إلى 400 درجة مئوية ولفترات زمنية طويلة ضمن مزيج خاص من المواد الاسمنتية، ليمثل بذلك نموذجاً تجريبياً لأول نظام من نوعه في الشرق الأوسط لتخزين الطاقة الحرارية العالية. وتنطوي هذه التقنية الجديدة على ميزات فريدة تجعلها مرشحة للمساهمة بشكل كبير في خفض تكاليف نظم تخزين الطاقة الحرارية ومحطات الطاقة الشمسية المركزة.

أقل كلفة

وأكد الدكتور أنه وفقاً للشريك الصناعي «إينرجي نست»، فمن المرجح أن يكون هذا النظام أرخص بنحو 30% إلى 70% من التقنية التقليدية التي تعتمد على خزانين والأملاح المصهورة، وذلك بناء على السعة التخزينية. وقد جاءت نتائج التجارب أفضل من المتوقع، ونحن الآن بحاجة إلى إثبات هذه النتائج على أساس طويل الأمد«.

واستكمل معهد مصدر وشركة»إينرجي نست«في مايو 2015 إنشاء منصة»إينرجي نست«التجريبية بقوة 1 ميغاواط بالساعة لتخزين الطاقة الحرارية. ويتم منذ ذلك الحين نشر البيانات الخاصة بتحليل الأداء وعمليات شحن وتفريغ الطاقة الحرارية ضمن مقالات وتقارير علمية لإطلاع المعنيين في القطاعين الصناعي والأكاديمي عليها، لا سيما وأنه لا تتوفر حالياً أي معايير صناعية يمكن الرجوع إليها لتقييم أنظمة تخزين الطاقة الحرارية ضمن مواد صلبة. ولتطوير نظام تخزين طاقة حرارية تجاري بعمر متوقع يزيد على 30 عاماً، بات يتعين على الباحثين القيام بأكبر عدد ممكن من سلسلة عمليات الشحن والتفريغ خلال إطار زمني قصير لإظهار مستوى أداء هذه التكنولوجيا ومدى استقرارها.

وتساهم»محطة معهد مصدر للطاقة الحرارية«في التوصل إلى معايير صناعية يتم على أساسها التأكد من الجدوى التجارية لأنظمة الطاقة الحرارية على المدى الطويل، وبالتالي المساهمة في توفير بيانات مرجعية هامة تخدم قطاع الطاقة الشمسية المركزة. أما النظام التجريبي الثاني الذي يخضع للاختبار ضمن المحطة، فقد جرى تطويره في إطار مشروع بحثي مشترك بين معهد مصدر ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). وتم إطلاق هذا النظام ويدعى»لنظام التجريبي لتوفير الطاقة الشمسية المركزة عند الطلب«(CSPonD) في أكتوبر 2015. ويقوم هذا النظام المبتكر بامتصاص الطاقة الحرارية وتخزينها مباشرة في صيغة أملاح منصهرة ضمن خزان منفرد. وتعد هذه الطريقة أكثر كفاءة من نظم تخزين الطاقة الحرارية ذات الخزانين التقليدية والرائجة حالياً.

فوائد

وقال الدكتور كالفيه، موضحاً:»من المتوقع أن يتمكن النظام التجريبي لتوفير الطاقة الشمسية المركزة عند الطلب (CSPonD) من التقاط 600 كيلوواط من الطاقة الحرارية بشكل مباشر وتخزينها في نظام الخزان المنفرد المثبت في الأرض، ليتم بذلك الاستغناء عن ضخ الأملاح المنصهرة إلى أعلى برج الطاقة الشمسية كما هو متبع في حالة أنظمة تخزين الطاقة الحرارية التقليدية ذات الخزانين. كما يتيح هذا النظام إمكانية توليد طاقة كهربائية مقدارها 25 كيلوواط بشكل متواصل على مدار الليل والنهار«.

حلول

تنضوي «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» إلى جانب «محطة اختبار تقنيات الطاقة الشمسية الكهروضوئية» تحت مظلة «مركز مصدر للطاقة الشمسية»، أول مركز مستقل من نوعه لاختبارات وأبحاث وتطوير حلول وتقنيات الطاقة الشمسية في دولة الإمارات، والذي تم تأسيسه بالتعاون ما بين شركة «مصدر» ومعهد مصدر بهدف الانتقال بتقنيات الطاقة الشمسية المبتكرة إلى حيز التطوير التجاري.

ابتكارات تقود إلى الجيل التالي من التقنيات عالية الكفاءة

أكد الدكتور نيكولا كالفيه، رئيس محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية وأستاذ مساعد في قسم الهندسة الميكانيكية وهندسة المواد في معهد مصدر أن عمليات البحث والتطوير التي تجري في»محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية«وما يرشح عنها من مخرجات وابتكارات هامة ستقود إلى الجيل التالي من تقنيات الطاقة الشمسية المركزة ونظم تخزين الطاقة الحرارية التي تتسم بكفاءتها العالية وتكلفتها المنخفضة.

ولا شك أن ذلك سيزيد من أهمية الطاقة الشمسية الحرارية كخيار متاح وفعال يمكن الاعتماد عليها لتوليد الطاقة الكهربائية في الإمارات والعالم، فضلاً عن مساعدة الدولة في تحقيق طموحاتها الخاصة بتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والمبتكرة.

وعادة ما تستخدم نظم تخزين الطاقة الحرارية التقليدية، التي تعتمد على خزانين وملح منصهر كناقل حراري، مرايا دوّارة تقوم بتوجيه وتركيز أشعة الشمس نحو لاقط مثبت على برج مرتفع. فيتم ضخ الملح السائل من الخزان البارد نسبياً إلى اللاقط في أعلى البرج عبر أنابيب خاصة يتم التحكم بحرارتها. لكن بخلاف النظم التقليدية، لا يحتاج نظام توفير الطاقة الشمسية المركزة عند الحاجة (CSPonD) إلى أنابيب ومضخات وخزانين، إذ يوجه أشعة الشمس مباشرة إلى لاقط شمسي موجود عند مستوى الأرض باستخدام مرايا ثانوية مثبتة أعلى البرج؛ فضلاً عن عدم حاجته إلى استخدام اللواقط الشمسية المكلفة جرّاء تعرضها لإتلاف حراري قد يُحدث تسربات يمكن أن تؤدي إلى تعطل النظام بالكامل.

مرايا عاكسة

وتقوم»ايبدين المحدودة«، الشركة اليابانية المتخصصة في الإلكترونيات والسيراميك، باستخدام»محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية«لاختبار مدى قدرة مراياها العاكسة المصنوعة من كبريد السيليكون على تحمل ظروف المناخ الصحراوي القاسي، فضلاً عن إمكانية تنظيفها من الرمال والغبار باستخدام أقل مقدار من المياه، وبالتالي المساهمة في الحد من استهلاك المياه العذبة. وأكملت شركة»ايبدين«في سبتمبر 2015 عمليات اختبار منتجها ضمن»محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية، ما يثبت أهمية الذي تسهم به على صعيد اختبار وإثبات جدوى تقنيات جديدة ومبتكرة في مجال الطاقة الشمسية المركزة وتأهيلها لدخول حيز الإنتاج التجاري.

رقاقات التغليف

من جانبه، أكد الدكتور خالد عسكر، أستاذ مساعد في قسم الهندسة الميكانيكية وهندسة المواد، وفريقه البحثي في «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» أنه يستخدم المحطة لاختبار أنواع خاصة من رقاقات التغليف المتينة ومدى قدرتها على مقاومة الظروف الجوية.

فيعمل الباحثون على اختبار مقاومة رقاقات التغليف للتشققات والخدوش، وكذلك خصائصها المتعلقة بمنع تراكم الرمال والغبار عليها، وذلك بهدف استخدامها كطبقة مغلفة لألواح الطاقة الشمسية الكهروضوئية، في حين يجري استخدام المحطة في إطار مشاريع بحثية أخرى تركز على مراقبة مستويات الأشعة الشمسية والهباء الجوي، كونها عوامل جوية مهمة يمكن أن تؤثر على أداء نظم الطاقة الشمسية المركزة.

استخدام الرمال

ويقود الدكتور كالفيه مشروعاً بحثياً آخر يعتمد فيه أيضاً على إمكانيات «محطة معهد مصدر للطاقة الشمسية» لاختبار نظام جديد لتخزين الطاقة الحرارية باستخدام الرمال كمادة وسيطة للتخزين. وما زال هذا النظام قيد البحث والتطوير ضمن المختبرات، إلا أنه مرشح لتخزين طاقة حرارية مرتفعة تصل إلى ألف درجة مئوية، ما يعني القدرة على رفع حرارة البخار اللازم لتشغيل التوربينات التي تقوم بتوليد الكهرباء، وبالتالي زيادة كفاءة عملية توليد الكهرباء.

كما يجري أيضاً اختبار مدى إمكانية استخدام المخلفات الصناعية من الحديد والألمنيوم التي تمتلك خصائص مماثلة كمواد وسيطة لتخزين الطاقة الحرارية. ويمثل استخدام مادة طبيعية كالرمل والمخلفات الصناعية المحلية في نظم تخزين الطاقة الحرارية نهجاً جديداً في مجال الطاقة المستدامة، يسهم في دعم تطوير نظم الطاقة المستقبلية المنشودة في أبوظبي.