وفي الواقع كانت الاستراتيجية الأولى للجهاز تعكس بساطة العالم آنذاك .. إذ انحصرت على الاستثمار في محافظ الأسهم والسندات التي كان يديرها عدد قليل من المديرين الاستثمارين الخارجيين المرموقين تحت إشراف فريقنا الداخلي.
  ولكن شيئا فشيئا ومع تغير الظروف الاقتصادية حول العالم .. تطورت ثقافة جهاز أبوظبي للاستثمار لتركز على التعاون وتبادل الآراء  بالتوازي مع النظر إلى كل ما يقوم به من خلال رؤية بعيدة المدى. فعلى صعيد الاستثمارات اعتمدنا سلسلة من الإجراءات التي تضمن اتخاذ قرارات تستند إلى تحليلات مفصلة ومسؤوليات محددة .. فاستراتيجيتنا تقوم على مبدأ صريح وواضح يتلخص في يقيننا بأن المخاطرة تمثل جزءا لا يتجزأ من العملية الاستثمارية إلا أن سمعتنا المؤسسية تعتلي سلم أولوياتنا دائما . فالاستثمار المربح قد ينسى سريعا ولكن ارتكاب خطأ واحدا عند اتخاذ قرار قد يبقى في الذاكرة لأعوام.

  وينعكس هذا النهج في تعامل جهاز أبوظبي للاستثمار مع المراحل المختلفة في دورة الأسواق المالية .. فالجهاز يدرك أن فترات الانكماش الاقتصادي هي جزء طبيعي من دورة الأسواق المالية وتمثل فرصة للمستثمرين الذين يستهدفون الاستثمار طويل الأجل .. وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال سجلنا الحافل بالإنجازات ونجاحنا في تحقيق عائدات ثابتة ومتواصلة على مدى العقود الماضية بغض النظر عن ظروف الأسواق المالية.

  ولا تنحصر استراتيجيتنا بعيدة المدى هذه في الاستثمارات .. بل هي حاضرة كذلك في تواصلنا مع العالم الخارجي..إذ حرص الجهاز دائما على اختيار شركائه بعناية من أجل بناء علاقات طويلة الأجل قوامها التفاهم والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة في نجاح أعماله.

 ولعل أحد أهم مقومات هذا النجاح يتمثل في حرص جهاز أبوظبي للاستثمار والتزامه الدائم بتوظيف أفضل الكفاءات المحلية والدولية وتطويرها وتوفير بيئة عمل تتيح لهذه الكوادر الارتقاء بقدراتهم والاستفادة من تجاربهم وتبادل الخبرات فيما بينهم.

  لقد كان التطوير والتدريب في طليعة أولويات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة ولا تزال رؤيته المنارة التي يهتدي بها الجهاز منذ تأسيسه حتى اليوم..فبالإضافة إلى ما يوفره من فرص تدريب عديدة لموظفيه .. يلتزم الجهاز بالتطوير المستمر للمواهب الوطنية لما في ذلك مصلحة له وللمجتمع بشكل عام .. ونفتخر بالعدد الكبير من الكوادر الإماراتية التي عملت في الجهاز في مختلف الإدارات والأقسام ومن ثم انتقلت إلى خارجه لتتقلد مناصب قيادية حيوية ومهمة في إمارة أبوظبي ومختلف أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة.

  وفي زمن تندر فيه المؤسسات الاستثمارية التي تستمر وتنمو وتتطور على مدى عقود .. تميز جهاز أبوظبي للاستثمار على امتداد مسيرته الطويلة .. في احتضانه للابتكار حيثما وجد وفي ذلك خدمة لمصلحته ومصلحة المجتمع على المدى البعيد.

  لقد كان الجهاز خلاقا منذ بداياته حيث بدأ أعماله كمستثمر عالمي في خطوة لم تكن اعتيادية حينها .. وكان أيضا من أوائل المستثمرين في الأسهم الخاصة والاستثمارات البديلة حتى أنه وضع نموذجه الخاص لإنشاء المحافظ الاستثمارية  معتمدا في ذلك على معطيات إقليمية واستراتيجية مدروسة ومتوازنة لاختيار فئات الأصول الاستثمارية وتحديد عوائدها الأمر الذي عكس نظرة ثاقبة وقراءة مستقبلية دقيقة لما يدور في العالم.

  وتنبع قرارات الجهاز دائما من قناعته بأن أفضل الابتكارات هي تلك التي تحقق المكاسب على نحو مستدام ولذلك فإنه يتخذها بطريقته الاستثنائية التي تقوم على مبدأ التأني والدراسة المستفيضة.

  إن المكانة المميزة التي يتمتع بها جهاز أبوظبي للاستثمار اليوم هي خلاصة القيم التي تبناها وثمرة الإجراءات الكبيرة والصغيرة التي اتخذها خلال مسيرته الناجحة على مدى العقود الأربعة الماضية .. فنحن اليوم لدينا استثمارات عدة من فئات وأنواع الأصول الاستثمارية ولم نكتف بالإنجازات التي حققنها بل نواصل مسيرة النمو والتطور على الصعيدين الاستثماري والتنظيمي بما يعزز قدرتنا على اغتنام واقتناص الفرص بالشكل الأمثل.

  لقد قطع جهاز أبوظبي للاستثمار أشواطا كبيرة في سبيل تطوير إمكاناته الداخلية وتعزيز مرونته وقدرته على التكيف مع ظروف السوق المتغيرة.

 وفي إطار حرصنا الشديد على التخطيط للمستقبل .. نضع دائما أهدافا بعيدة المدى فيما نواصل مسيرتنا نحو تطوير وتعزيز كفاءة الأنظمة والعمليات.

 وعلى مدار تاريخه شهد الجهاز أحداثا كبيرة وكثيرة وواكب مراحل انتعاش الأسواق المالية وانتكاساتها ناهيك عن التقلبات الحادة في أسعار السلع .. بيد أن المسؤولية التي نحملها على عاتقنا تقتضي منا السير بخطى ثابتة دون أن نفقد بوصلة المستقبل في ضباب الظروف الاقتصادية المتقلبة وهو ما يضمن لنا الوفاء بالتزاماتنا في جميع الأوقات دون التفريط بأهدافنا الاستثمارية بعيدة المدى أو سمعتنا في أسواق المال والاستثمار.

  وختاما .. أود أن أؤكد لكم بكل ثقة وإيمان أن دور الجهاز لم يكن أكثر أهمية في أي وقت مضى مما هو عليه اليوم .. فمن خلال الانضباط والبناء على المعرفة والخبرات الواسعة التي تكونت لدينا على مدى  40 عاما سنعمل ما في وسعنا لتواصل إمارة أبوظبي ازدهارها