وقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» لخدمات التصنيف الائتماني في تقرير صدر عنها، أمس، نمو الائتمان في مصارف الإمارات بنسبة تتراوح من 5-6% في 2016، وأن تقوم البنوك باتباع سياسة أكثر تحفظاً تجاه منح قروض جديدة، وأرجعت ذلك إلى انخفاض أسعار النفط العالمية، في حين يؤكد محللون اقتصاديون أن التحفظ وزيادة الكفاءة وتقليص النفقات واحتدام المنافسة هو عنوان المرحلة المقبلة في البنوك.

وذكر التقرير أن نظرة الوكالة المستقبلية مستقرة بالنسبة للبنوك الخمسة التي تصنفها في الدولة، وأن تلك البنوك ستكون قادرة على مواجهة التحديات، وعلى رأسها توقع بأن تبقى أسعار النفط منخفضة لفترة أطول، وذلك حتى العام 2018، نظراً لما تتمتع به من سيولة صحية، وتغطية جيدة لخسائر القروض، ومستويات رسملة قوية.

وأعادت الوكالة في تقريرها تأكيد أن القوانين المصرفية في الإمارات وممارسات الاكتتاب لدى البنوك فيها الآن أقوى من ذي قبل، وأن الكيانات المرتبطة بالحكومة تعمل بميزانيات عمومية أقوى مما كانت عليه في السابق.

جاء ذلك في تقرير نشرته الوكالة، أمس، بعنوان «البنوك في دولة الإمارات: الأرباح إلى انخفاض في العام 2016 نتيجة لتراجع الظروف التشغيلية».

وتوقع التقرير حدوث ارتفاع طفيف في القروض المتعثرة والخسائر الائتمانية من النسبة المسجلة نهاية 2015، وهي 2.9% إلى 4% بالرغم من التغطية الصحية لخسائر القروض.

النمو الائتماني

وبالنظر إلى ظروف تراجع السيولة وضعف التوقعات التشغيلية، بدأت البنوك في الإمارات تتبنى موقفاً أكثر تحفظاً تجاه منح قروض جديدة. حيث بلغ النمو الائتماني للنظام المصرفي نحو 8% في العام 2015، ليصل إلى ما بين نحو 5 -6% في العام 2016. وتتوقع الوكالة العالمية أن تتجنب البنوك تعريض نفسها لمخاطر إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتجزئة، والعقارات.

الأزمة العالمية

وقال تيموشين إنجن، المحلل الائتماني في الوكالة: «يقارن بعض المستثمرون التحديات التي تواجهها البنوك خلال هذه الفترة مع الصعوبات التي واجهتها خلال فترة الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2009. مع ذلك، تعتقد وكالة «ستاندرد آند بورز» أن الوضع مختلف هذه المرة.

صحيح أنه خلال الأزمة المالية السابقة انخفضت أسعار النفط كما هو الوضع عليه الآن، إلا أن الانخفاض الحاد في أسعار العقارات وتراجع السيولة كشف عن الرافعة المالية الكبيرة وهياكل التمويل الضعيفة لدى بعض الكيانات المرتبطة بالحكومة، وكشف كذلك عن وجود ممارسات غير سليمة في الاكتتاب لدى بعض البنوك في الدولة.

وبعد تلقي البنوك للصدمة الأولى التي أدت إلى تدهور ملحوظ في الأداء في العامين 2009 و2010، عاد تدفق السيولة إلى النظام المالي في العام 2010 نتيجةً لارتفاع أسعار النفط. وعادت دورة الائتمان في وقت مبكر من العام 2012، ومهد انحسار الخسائر الائتمانية الطريق أمام البنوك لاستعادة تحقيق الأرباح».

أسعار النفط

وأضاف إنجن أن المختلف هذه المرة هو الانخفاض الملحوظ في أسعار النفط. وفي حين أنه خلال الأزمة المالية السابقة بدأت أسعار النفط بالانتعاش بعد بضعة أشهر من الضعف، نتوقع هذه المرة أن تبقى الأسعار منخفضة لفترة أطول.

ونظراً لدور هذه السلعة في اقتصاد منتج رئيسي للنفط، يشهد النمو الاقتصادي المحلي تباطؤاً، مترافقاً مع تقلب مستمر في أسواق الأسهم وتصحيح في سوق العقارات السكنية. إضافة إلى ذلك، نعتقد أن الشكوك حول طول الفترة التي سيمتد إليها استمرار انخفاض أسعار النفط ستجبر الشركات على تبني موقف متحفظ، وسيُقيّد الإقراض المصرفي».

جودة الأصول

وتحديداً أكثر، تتوقع وكالة «ستاندرد آند بورز» تباطؤاً في النمو الائتماني وتواصل ضعف نمو الودائع، مع تراجع جديد لكن يمكن احتواؤه في جودة الأصول. ومن المتوقع أن تؤدي هذه العوامل مجتمعةً إلى تحقيق نمو سلبي في الأرباح لدى البنوك في دولة الإمارات في العام 2016، وأداءً متواضعاً في العام 2017.

وقال إنجن: «مع ذلك، تعمل البنوك الخمسة التي نقوم بتصنيفها باحتياطات قوية لخسائر القروض عموماً، وكذلك تتمتع بأوضاع صحية فيما يتعلق بنسب رأس مال والسيولة والتمويل، ما سيحد من مخاطر خفض تصنيفاتها. تشير نظرتنا المستقبلية المستقرة لهذه البنوك إلى أنها مستعدة لمواجهة الفترة الصعبة المقبلة». وأكّد فينس كوك، الرئيس التنفيذي لبنك الفجيرة الوطني، أن الظروف التي تشهدها البنوك الإماراتية اليوم، أفضل بكثير مما كانت عليه خلال مطلع الأزمة في عامي 2007 و2008.

وأضاف: «موقف البنوك متين من حيث كفاية رأس المال، والسيولة، وتغطية المخصصات، إن الاهتمام الشديد الذي نوليه للقطاعات التي تصب ضمن أولوياتنا في بنك الفجيرة الوطني على سبيل المثال، يزيدنا قوّة..

كما يمكننا الانتقاء بعناية أكبر فرص النمو عوضاً عن محاولة توفير كلّ الخدمات للجميع. على سبيل المثال، لدينا محفظة قروض قصيرة الأمد نسبياً ويتركّز الجزء الأكبر منها على التمويل التجاري وقروض رأس المال العامل، ما يسمح لنا بالتكيّف بسرعة مع ظروف السوق المتغيّرة وإدارة المخاطر التي قد تواجهنا».

التحدي الرئيس

في نفس السياق توقع محمد علي ياسين العضو المنتدب في أبوظبي الوطني للأوراق المالية، أن تتبع البنوك في الإمارات خلال 2016 سياسة أكثر تحفظاً، وستحاول اللجوء إلى زيادة كفاءة العمل وتقليص النفقات في ظل توقعات انخفاض السيولة والأرباح على حد سواء، مرجحاً احتدام المنافسة بين البنوك على حصة أكبر من ودائع العملاء، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الفائدة التي ستدعم تلك المنافسة.

وأفاد ياسين بأن التحدي الرئيسي الذي سيكون على البنوك التعامل معه هذا العام، هو تراجع السيولة وطرق توفير سيولة لديها لتشغيلها والإقراض مقابلها.

وأضاف: «السيولة النقدية في النظام المالي أو في بعض البنوك قد تكون ضيقة أو لا تسمح لها بتحقيق نمو في الأرباح بنفس المستوى الذي استطاعت تحقيقه في العامين الماضيين، والذي استفادت معظم البنوك خلالهما من ارتفاع معدلات السيولة، وذلك نتيجة لتباطؤ نمو الودائع نتيجة لانخفاض الفوائض المالية التي كانت تتأتى نتيجة ارتفاع أسعار النفط».

وحول أسباب استمرار البنوك في الإقراض بالرغم من الشح الحاصل في السيولة، قال محمد علي ياسين، إن مساحة الإقراض أصبحت أقل اتساعاً. وأضاف: «بالرغم من أن الإعلانات عن القروض في البنوك لم تتغير، إلا أن شروط الاقتراض على أرض الواقع داخل البنك تبدلت، فأنت لن تحصل على نفس القدر من المبالغ التي كنت تحصل عليها في الفترة الماضية، كما أن تقييم مخاطر الاقتراض قد اختلف».

أولويات

يعتقد محمد علي ياسين، أن البنوك ستغير أولويات الإقراض، فهناك بنوك ستبقى راغبة في إصدار بطاقات الائتمان والسيارات وتمويل العقارات، إن كانت لصالح المستخدم النهائي وليس المضاربة، لأن فوائد تلك القروض ما تزال مربحة ومضمونة إلى حد كبير.

في المقابل، سيكون صعباً تمويل مبالغ كبيرة للأفراد، أو حتى إقراض الوحدات الحكومية ذات سعر الفائدة المنخفض، وهذا الواقع قد يفسح المجال لاشتراك بنوك عدة في اقتسام المخاطر وإدارة عدد أكبر من القروض.