فقدت المواقع الشبكية لمنتديات الأسهم، التي شكلت أحد أبرز الظواهر التي ترافقت مع انتعاش أسواق الأسهم في الإمارات وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، في النصف الأول من العقد الماضي، الكثير من شعبيتها، وأغلق بعضها أبوابه، في حين ما زالت القلة القليلة المتبقية منها تكافح للبقاء، مع انحسار أعداد متابعيها بشكل كبير.
وعلى الرغم من مشاعر الثقة التي يبديها أصحاب منتديات الأسهم القليلة التي تمكنت من الاستمرار حتى الآن، إلا أنها لم تعد تحظ باهتمام الغالبية العظمى من الأعضاء والزوار، خاصة بعد أن هجرها المحللون الفنيون، وخبراء التحليل الأساسي، وتحول بعضها إلى ساحة للجدل والخلافات بين الأعضاء والزوار.

وكانت الفترة بين عامي 2003 - 2008، تمثل العصر الذهبي لمنتديات الأسهم الشبكية، حيث ظهر العديد منها، ونجح بعضها في اجتذاب عشرات آلاف الأعضاء، مع تحولها إلى منصة متميزة للحوار بشأن اتجاهات أسعار الأسهم..
ومختلف القضايا التي تهم المستثمرين والمساهمين. غير أن استمرار الاتجاه التراجعي لأسعار الأسهم، نتيجة تداعيات الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فرض تحديات كبيرة على هذه المنتديات.
وبعد أن كان الكثير منها يأمل بأن تسهم شعبيته الواسعة في استقطاب المعلنين، وبالتالي، تحقيق أرباح مجزية منها، فإن التجربة كانت مخيبة للآمال، وما زال أصحاب هذه المنتديات يتحملون كلفة تشغيلها وإدارتها، على أمل أن تتحسن الظروف في المستقبل، غير أن المؤشرات على أرض الواقع، تشير إلى أن فرص هذه الآمال آخذة في التراجع، ليس فقط لاستمرار الاتجاه التراجعي لأسعار الأسهم..
وإنما أيضاً لأن المحللين الفنيين والأساسيين الذين يمكن أن يشكلوا عامل جذب هام للأعضاء والزوار، هجروا المنتديات، وباتوا يتواصلون مع متابعيهم عبر تويتر وواتس أب وفيسبوك، وبقية مواقع التواصل الاجتماعي.
ويؤكد مسؤولو هذه المنتديات، أن حالتها تعد انعكاساً لواقع أسواق المال في الدولة، وأن الإقبال عليها يتناسب طردياً مع حالة السوق (ارتفاعاً أو انخفاضاً)، سواء تعلق الأمر بمستوى أقبال المحللين أو الأعضاء النشطين على المشاركة، أو بالزوار والأعضاء غير النشطين، الذين يكتفون عادة بقراءة ما ينشر، من دون تقديم مشاركات في الحوارات ضمن الصفحات المختلفة للمنتدى.
حالة السوق

ويقول سالم، وهو إداري في منتدى الإمارات للأوراق المالية - تحفظ على نشر اسمه كاملاً-، إن اهتمام المشاركين في منتديات الأسهم يتصاعد في حالات معينة، مثل إدراج شركات جديدة للتداول..
أو إعلان شركة ما عن زيادة في رأسمالها عن طريق زيادة الأسهم المطروحة، أو صعود السوق أو تراجعه بشكل مفاجئ، وهو ما يؤكد أن هذه المنتديات بطريقة أو بأخرى، ترتبط بالحالة العضوية للسوق.
ويضيف أن المشاركات في المنتديات ترتفع بصورة ملحوظة مع زيادة أحجام التداول في أسواق المال، وتزداد مع دخول الشركات الجديدة، وبدورها، فإن المنتديات تستجيب لذلك، من خلال توفير المنصات الملائمة للمشاركة.
وأشار إلى أنه، وبعد سنوات من الأزمة المالية العالمية، بدأت المنتديات تستعيد نشاطها التدريجي، وتحديداً منذ عام 2013، مع عودة النشاط الفعلي لأسواق المال، وإن كانت بدرجة أقل مما كانت عليه في الفترة ما قبل الأزمة، سواء من حيث تفاعل المشاركين أو الأعضاء.
وأكد سالم أن المنتديات شكلت خلال السنوات الماضية، مرجعاً أساسياً لاتجاه الأسهم، وهي فعلاً شكلت قاعدة صلبة تقيس مدى التفاعل والاهتمام بقطاع حيوي من قطاعات العملية الاقتصادية.
مستوى السيولة
وبدوره، يقول أبو ماجد، وهو كبير المحللين في منتدى دراهم، إن مستوى السيولة الموجودة في أسواق المال، وبالتالي، اتجاه أسعار الأسهم، هو الذي يحدد مستوى النشاط في منتديات الأسهم، ويضيف، تعد السيولة المحرك الفاعل لمشاركات الأعضاء والمحللين في منتديات الأسهم، مؤكداً المقولة السائدة «تراجع الأسواق يعني تراجع المشاركة في المنتديات، وارتفاعها يعني سخونة المشاركات فيها».
موقع صعب

ويرى أعضاء في هذه المنتديات، أن هجرة المحللين للمنتديات، تعد العامل الأهم في تدهور شعبيتها، حيث يوضح عبد الله يوسف، وهو مستثمر في سوق الأسهم الإماراتية منذ عام 2003، أن إدارات المنتديات، وجدت نفسها في موقع صعب، فهي من جهة تحتاج للحفاظ على مشاركة المحللين الفنيين..
وفي نفس الوقت، تحتاج للحفاظ على شعبية منتدياتها، الأمر الذي دفعها للتساهل مع بعض الإساءات والألفاظ الجارحة التي يكيلها أعضاء حانقون بسبب تراجع الأسعار، للمحللين، غير أن ذلك قاد إلى إحباط المحللين وهجرتهم لهذه المنتديات، وسرع بالتالي في انحسار شعبية المنتديات.
ويضيف بقوله: شهدت بعض المراحل تصاعداً في حدة المنافسة بين المنتديات، الأمر الذي كان في صالح مستثمري الأوراق المالية بشكل عام، غير أن حالة التدهور شملت الجميع، حيث اختفت منتديات من الوجود، وأصبح وجود بعض المنتديات شكلياً، لدرجة أن عدد المشاركات فيها لا يتجاوز 5 أو 6 مشاركات يومياً.
إيجابيات وسلبيات
أما المحلل حمود الياسي، فيرى أن هذه المنتديات لها إيجابيات وسلبيات، فهي تحوي الكثير من الأخبار، كما أن بعض التحليلات الفنية فيها جديرة بالمتابعة. لكنها بالمقابل تحمل الكثير من المبالغة، وربما أخباراً أو تحليلات غير دقيقة، وفي حالات قليلة مغلوطة، ترتبط عادة بتوجه صاحب التحليل أو حتى استثماراته، وربما رغبته في التقليل من شأن سهم معين، والترويج لسهم آخر، وهكذا.
وقال إن المنتديات إجمالاً تعد ظاهرة جيدة، باعتبارها نافذة مفتوحة للمتداولين، تزودهم بالأخبار والمعلومات.
وفي المقابل، يجادل أصحاب منتديات بأنه بالنظر إلى أن اتجاه الأسواق، عاكس توقعات المحللين الفنيين على مدى السنوات الماضية، فقد تعرض المحللون الفنيون لانتقادات وحملات هجوم واسعة في المنتديات، رغم أنهم يقدمون هذه الخدمة لأعضاء المنتديات مجاناً.
تحليلات واستشارات
وعلق سالم من منتدى الإمارات للأوراق المالية، بقوله: إن بعض هذه المنتديات تضم محللين مستقلين، يشاركون بها، في حين تقوم منتديات أخرى، ومنها منتدى الإمارات للأوراق المالية، بالتعاون مع شركات خارجية، لتقديم هذه الخدمة.
وأضاف أن مصداقية هذه التحليلات، يتحملها أصحابها، فهي لا تعبر عن المنتدى الذي يعد منصة مفتوحة، وكل خبير أو محلل يحرص على مصداقيته بين أعضاء المنتدى والمشاركين فيه، حتى يضمن التفاعل معه في المرات المقبلة. وأشار إلى أن هذه المنتديات تحفل دوماً بتحليلات يومية دائمة، وهناك تفاعل معها، لأنها تفيد الناس، وتعزز بينهم التواصل، في ما يتعلق بالاستثمار بالأسهم، كما أنها خدمة مجانية.
خدمة مجانية
أما أبو ماجد من منتدى دراهم، فقال إن التحليلات الموجودة في المنتديات تطوعية، يقدمها الأعضاء مجاناً، وليست مدفوعة، وبالتالي، فهي تمثل رافداً حيوياً للمستثمرين في الأسواق المالية، وتعزيزاً لخبرتهم، خاصة إذا علمنا أن أكثر من 80 % من المستثمرين في هذه الأسواق لا يمتلكون خبرات فنية في التعامل مع السوق، وهكذا، فإن المنتديات تعد عامل توعية، وخاصة لصغار المستثمرين.
وقال إن كون هذه المنتديات مفتوحة مجاناً للجميع، يعد عاملاً مهماً في استقطاب شريحة جيدة من مستثمري الأسهم، الذين لا تجمعهم أي تجربة أو معرفة شخصية سابقة، إلا ما يوفره المنتدى لهم من أخبار وتحليلات، مشيراً إلى أن المنتدى الذي يعمل فيه مثلاً، يضم مشاركين ومحللين، ليس فقط من دولة الإمارات، بل من دول المنطقة أيضاً، مثل السعودية والأردن.
واشار الى انخفاض عدد المنتديات النشطة من 10 منتديات إلى 3 مع تراجع الأعضاء النشطين الى عشرات بعد ان كانوا بالمئات .
أعضاء المنتديات
ينقسم أعضاء المنتديات إلى 4 فئات رئيسية، الأولى هي الأغلبية الصامتة التي تزور المنتديات بشكل منتظم، غير أنها تكتفي بقراءة المواضيع والمتابعات الموجودة من دون أن تشارك بأي تعليقات أو تحليلات.
أما الفئة الثانية فهي فئة «المشاكسين» الذين يسعون بشكل دائم لاستفزاز الأعضاء الآخرين، وحتى مهاجمتهم بألفاظ وتعبيرات عدائية، حتى إن بعضاً من أعضاء هذه الفئة تنطبق عليهم صفة «الرداحين»، والذين يضيفون «قدراً من الإثارة» إلى أجواء المنتديات «الهادئة»، ويتم احيانا تنبيههم أو حظرهم وإلغاء عضوياتهم.
الفئة الثالثة «الجنود المجهولون» وهم أعضاء يقومون بشكل تطوعي بنقل الأخبار الاقتصادية والتحليلات لأعضاء المنتدى.
أما الفئة الرابعة فتشمل «المرجفين» و«المطبلين»، حيث تشمل فئة «المرجفين» الأعضاء الذين يحاولون كتابة مشاركات تحذر من انخفاض سعر سهم معين أو السوق ككل في حين ينشر أفراد فئة «المطبلين» مشاركات تبشر بارتفاعات في أسعار أسهم معينة .
تأثير واسع لوسائل التواصل الاجتماعي
يعترف أبو ماجد كبير المحللين في منتدى دراهم، بأن اتساع نطاق انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بات يمثل أحد أبرز الأسباب وراء تراجع شعبية المنتديات.
وذكر أن المنتديات تبقى سلاحاً ذا حدين، وخاصة أن كثيراً من المستثمرين في الأسواق المالية، ما زال يجهل أبجديات التحليل الفني للأسهم، ما يجعل منهم أشبه بسائق ليس لديه رخصة قيادة، وبالتالي، فهو معرض للمزيد من الحوادث أو الخسائر في حالنا هذه.
تضليل
وقال إن مسألة «تضليل المستثمر» أو المشارك، تبقى واردة ضمن عمل المنتديات، لكنها تمس أيضاً مصداقية المحلل أو المشارك الذي قام بهذا العمل، موضحاً أن رقابة المنتدى تتمثل فقط في حال الحديث عن مواضيع خارج المنتدى، وقضايا تمس الدين أو الأخلاق وغيرها.
وحول طبيعة الأعضاء في المنتديات، أشار أبو ماجد، إلى أن الأعضاء عادة هم من المتداولين في السوق، ومعظم المشاركات تكون فردية باسم أشخاص.
متنفس
أما فائدة هذه المنتديات، فيجملها أبو ماجد بالقول، إنها مثلت، وما زالت، متنفساً للمتداولين، ومجلساً للمستثمرين في الأسواق المالية، وهي نافذة للأخبار، تزودهم بأحدث التطورات عن السوق الذي يتعاملون به. كما توفر المنتديات صورة فنية للمتغيرات الاقتصادية في العالم، بما تحويه من أخبار وتحليلات متنوعة، يستفيد منها الكثير من الناس.
وأكد أن موقع أي منتدى ومصداقيته، يتمثل من خلال التحليلات التي يقدمها، والمواد التي تنشر فيه، والتي تعبر عن رأي صاحبها. لكن هل تتمكن المنتديات من مقاومة الاندثار؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، رغم أن كافة المؤشرات والتوجهات القائمة، تشير إلى أن التحديات التي تواجهها للبقاء، تتجاوز قدراتها، خاصة أن الكثير من متابعيها أداروا ظهورهم لها.
ظاهرة قوية تأثرت برياح التغيير
أكد خبراء أن المنتديات برزت كظاهرة قوية مع بدايات صعود أسواق الأسهم في تسعينات القرن الماضي، وهي فترة شهدت طفرة ليس فقط في منتديات الأسهم بل شمل مختلف القطاعات الاقتصادية وخاصة تلك التي وسعت من فرص التملك لمختلف الجنسيات بما فيها قطاعات مثل العقار.
لكن الأكثر نشاطا كانت منتديات الأسهم بالنظر إلى الهوس الكبير الذي كانت تلقاه أسواق الأسهم في ذلك الوقت ورغبة شرائح واسعة من المستثمرين في تحقيق الربح السريع ذلك أن أكثر من 90 % من مستثمري أسواق المال كانوا من الأفراد الذين ينشدون تجارة اليوم الواحد أي دخول السوق في جلسات الصباح طمعا في الخروج مساء بمبلغ اكبر. وكانت هذه المنتديات تمثل دليلا أو بداية ينطلق منها إلى تجارته اليومية.
لكن رياح التغيير التي جاءت بها التكنولوجيا الحديثة والاستخدام الهائل للأجهزة الذكية غيرا قواعد اللعبة بالنسبة لكثير من رواد المنتديات الذين وبكبسة زر واحدة تفتح لهم العديد من نوافذ وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت صاحبة الريادة في هذا المجال.
وبات لكل محلل أو خبير صفحته الخاصة التي تستقطب معجبيه وأصحابه ومتابعيه وبتطبيقات أسهل متوفرة على سطح هاتفه بدلا من البحث عبر مواقع الشبكة العنكبوتية وما يعني ذلك من جهد ووقت.
موجة إقليمية لم تقتصر على دولة واحدة
تُعد ظاهرة المنتديات وخاصة المتعلقة بالأسهم ظاهرة إقليمية بامتياز لم تقتصر على دولة واحدة بل شملت معظم دول المنطقة وخاصة الخليجية منها وحتى مصر، وكل دولة كانت لها منتدياتها الخاصة التي تتحدث عن سوق الأسهم وتُناقش أوضاعه المتغيّرة.
وعلى سبيل المثال فإن السعودية كانت تضم العديد من المنتديات وربما الأكبر إقليمياً من حيث العدد والسبب الرئيس أن البورصة السعودية هي بورصة إلكترونية بالأساس «بورصة تداول» وليس لها مقر محدد، إذ يتم معظم التداولات عبر البنوك المنتشرة في أرجاء المملكة من خلال قاعات للتداول خاصة بها، فضلاً عن التداول عبر أجهزة الحاسب الآلي المكتبية والمحمولة.
لكن هذه المنتديات واجهت تحديات كثيرة خلال السنوات الأخيرة ليس فقط بسبب تراجع أداء أسواق المال في منطقة الخليج ومصر متأثرة بالأزمة المالية العالمية بعد انهيار بنك ليمان برذرز في سبتمبر من العام 2008 ..
ولكن أيضاً لتغيير سلوك المستثمرين أنفسهم وما وفرته لهم التكنولوجيا الجديدة من أدوات فاعلة للتداول والحصول على المعلومات وهي آليات جديدة لم تستطع المنتديات مقاومتها نظراً لقوتها وقربها من المستثمر وسهولة استخدامها.
