واصلت تكلفة متر البناء في أبوظبي تراجعها منذ منتصف العام الجاري لتصل مع نهاية ديسمبر الجاري إلى 2500 درهم مقارنة بـ 2750 درهم بنهاية مايو الماضي وبنسبة لاتقل عن 10% وذلك بحسب مقاولين ومطورين وشركات مواد البناء.
ولا يرجع الانخفاض إلى تراجع أسعار مواد البناء وخاصة حديد التسليح في السوق المحلي فقط، بل أيضا بسبب المنافسة الشرسة التي تدور رحاها بين المئات من شركات المقاولات والمقاولين المواطنين والأجانب الكبار على عدد غير كبير من المشاريع الحكومية والتجارية والاستثمارية الخاصة، ما دفع عددا من المقاولين إلي دخول مناقصات لمشاريع حكومية وخاصة بأسعار تقل عن 2500 درهم لمتر البناء والتضحية بأرباحهم بهدف البقاء في السوق إلى أن تمر حالة الهدوء الشديد في الأسواق حاليا.
تراجع التكلفة
وقال الدكتور فؤاد الجمل رئيس شركة تراست للمقاولات في أبوظبي إن متوسط تكلفة متر البناء في أبوظبي يتراوح بين 2300 - 2500 درهم للمشاريع الحكومية والمباني التجارية والسكنية والفيلات الاستثمارية، لافتا إلى أن التكلفة تراجعت خلال الأشهر الستة الماضية بنسبة 10% انخفاضا من 2750 - 2800 درهم .
مواد البناء
وتراجعت أسعار مواد البناء الرئيسية في أبوظبي ليصل سعر حديد التسليح إلى 1550 درهما للحديد التركي والإماراتي و1600 درهم للحديد القطري، بينما استقر سعر كيس الاسمنت 50 كيلو جراما عند سعر 12 درهما، وتكلفة سعر متر الخرسانة 200 درهم. وهذه الأسعار أقل من أسعار النصف الأول حين تم تسجيل 2300 درهم للحديد و13 درهما لكيس الاسمنت وسعر متر الخرسانة 220 درهما.
منافسة شرسة
وشدد د. فؤاد الجمل الذي تتجاوز خبراته في سوق أبوظبي عشرين عاما على أن انخفاض سعر الحديد ليس هو السبب الرئيسي في تراجع تكلفة متر البناء في أبوظبي، لافتا إلى أن نسبة مساهمة الحديد في أي مبنى لا تزيد عن 6% من التكلفة.
وبصفة عامة فإن أي مبنى تنقسم تكلفته إلى 65% للأعمال المدنية والتي تشمل الخرسانة والمحارة والتركيبات والأصباغ والأسقف المستعارة ونسبة 35% للأعمال الكهروميكانيكية والتي تشمل أعمال الكهرباء والمياه والصرف الصحي والتكييف وغيرها. ومساهمة الخرسانة المسلحة في أي مبنى لا تزيد عن 30% والحديد عن 20% من الخرسانة.
مشاريع حكوميةويرى أن انخفاض تكلفة متر البناء في أبوظبي ترجع بشكل رئيسي إلى المنافسة الشرسة بين شركات المقاولات والمقاولين الكبار والصغار للفوز بأي مشروع جديد في أبوظبي، موضحا أن المشاريع الجديدة المطروحة في سوق أبوظبي محدودة، كما أن غالبية هذه المشاريع حكومية تشرف عليها شركات حكومية مثل إسناد ومبادلة وغيرها.
وبلاشك فإن المشاريع الحكومية تعد «كعكة» المقاولين الرئيسية في أبوظبي لأن الحكومة تدفع مستحقاتها بدون تأخير، كما أن مشاريع الفيلات الاستثمارية للمواطنين تراجعت بشكل ملحوظ، فضلا عن أن بلدية أبوظبي ودائرة التنمية الاقتصادية وضعت تصنيفا للمقاولين يرى مقاولون كثيرون أنه صعب للغاية ما قد يدفعهم للخروج من السوق.
اختلاف كبير
ولفت إلى أن وضع سوق المقاولات قبيل الطفرة العقارية كان مختلفا بشكل جذري عما هو اليوم، مشيرا إلى أنه في بداية الطفرة العقارية في أبوظبي كان عدد المشاريع الجديدة كبيرا، فضلا عن أن غالبية هذه المشاريع كانت مشاريع عملاقة مثل مشاريع جزيرة الريم وشاطئ الراحة وجزيرة السعديات. وظهر المطورون الكبار مثل الدار وصروح والقدرة فيما كان عدد المقاولين محدودا للغاية.
وأدى ذلك إلى دخول المئات من شركات المقاولات والمقاولين لدرجة أن عدد رخص المقاولين اليوم في أبوظبي تتراوح بين 8 آلاف و 9 آلاف رخصة بينما كان العدد في عام 2008 لا يزيد عن ثلاثة آلاف رخصة، وبالطبع فإن غالبية المقاولين الذين قدموا إلى أبوظبي لم يخرجوا منها اليوم ويتنافسون بقوة على المشاريع الجديدة المحدودة وغالبيتهم يدخل في مناقصات بأسعار التكلفة بهدف البقاء في السوق لاعتقادهم أن الحالة الراهنة للسوق مؤقتة وقد تتحسن الأوضاع علما بأن أرباح شركات المقاولات الكبرى والمتوسطة حاليا لا تزيد عن 8% بينما وصلت أيام الطفرة العقارية إلى أكثر من 20%.
الفيلات الاستثمارية
من جانبه، أكد إبراهيم خوري الرئيس التنفيذي لشركة طنب الكبرى للمقاولات في بني ياس أن عدد مشاريع الفيلات الاستثمارية للمواطنين خارج مدينة أبوظبي خاصة في مدن محمد بن زايد وخليفة أ والشوامخ وغيرها تشهد تراجعا ملحوظا.
وأدى هذا التراجع مع كثرة عدد المقاولين في السوق إلي تراجع تكلفة متر البناء للفيلات لتصل حاليا إلى 2200 درهم للمقاول الجاد بينما هناك مقاولون يطرحون 1800 درهم للمتر وفي الغالب فإن جودة أعمالهم محل شك وغالبية المواطنين يفضلون المقاولين الذين يطرحون 2200 درهم للمتر لتنفيذ فيلاتهم.
ويري خوري أن تراجع أسعار مواد البناء يعد العامل الرئيسي وراء تواجد الكثير من المقاولين خاصة الصغار في السوق حيث إن هذا التراجع يدفعهم للمحافظة على هامش ربح لشركاتهم وتنفيذ المشروعات بتكلفة أقل، لكنهم يواجهون صعوبات أخرى مختلفة، خاصة أن دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي تضع شروطا صعبة لتصنيفهم مما يدفعهم للعمل من الباطن واستكمال تشطيبات وأعمال «فيلات على العظم».
ويشير خوري إلى أن عددا غير قليل من رخص المقاولات في أبوظبي غير نشطة أو مفعلة حاليا، لافتا إلى أن تجديد هذه الرخص يحتاج إلى أموال وشروط أصبحت صعبة جدا فضلا عن أن حالة السوق ليست جيدة بسبب تراجع حجم وعدد المشاريع.
جمعية المقاولين
ويتبنى أحمد المزروعي رئيس جمعية المقاولين في أبوظبي رؤية مختلفة حيث يجزم بعدم وجود تراجع كبير في تكلفة متر البناء في أبوظبي خاصة بالنسبة للمشاريع الحكومية، لافتا إلى أن التكلفة الحالية تتراوح بين 2900 - 3000 درهم, وقال إن هناك بلا شك ظاهرة تفاوت في الأسعار والتكلفة وليس تراجعاً في التكلفة، وهذه التكلفة تختلف من مشروع لآخر حسب مواصفات البناء الرئيسية أو التشطيبات النهائية. وعلى سبيل المثال فإن تكلفة تشطيب مشروع سكني بالرخام يختلف عن تكلفة مشروع آخر بالبورسلين.
ويرى أن الصعوبات التي يواجهها قطاع المقاولات في أبوظبي حاليا حقيقية وتحتاج لحلول عاجلة حتى لا تستمر ظاهرة تسرب المقاولين من السوق. وقال إن تكلفة رسوم الجهات الحكومية تضاعفت على سبيل المثال. ويصل متوسط تكلفة رخصة شركة المقاولات حاليا إلى أكثر من 80 ألف درهم بينما كانت لا تزيد منذ سنوات عن 8 آلاف درهم.
كما أن أجور المهندسين الذين تتوافر فيهم الشروط التي حددتها دائرة التنمية الاقتصادية لتصنيف الشركات والمهندسين مكلفة حاليا، وبالأمس عينت في شركتي مهندسا بأجر يصل إلى 30 ألف درهم بينما سابقا وقبل التصنيف كان يعين بنحو 15 ألف درهم، كما ارتفعت إيجارات سكن عمال الشركات فضلا عن ارتفاع أجور العمال أنفسهم وإلزام شركات المقاولات بدفع أجورهم بشكل دوري دون تأخير وإلا تعرضت الشركات للمساءلة القانونية، وبلا شك فإنني أتوقع خروج مقاولين وشركات مقاولات من سوق أبوظبي خلال العام المقبل بسبب الصعوبات التي يواجهونها خاصة وأن عدد المشاريع الجديدة المطروحة للتنفيذ ليس كبيرا كما كان قبل عام 2010، ولدينا مشاريع شبه متوقفة بسبب تراجع أسعار النفط.
توافق مع التصنيف
وأكد المزروعي أنه لا يتحفظ مطلقا على الشروط التي حددتها دائرة التنمية الاقتصادية لتصنيف شركات المقاولين والمهندسين، مؤكدا أن الهدف من التصنيف هو الجودة الكاملة في تنفيذ المشاريع وهذا أمر ممتاز لكن المشكلة أن هناك عددا غير قليل من الشركات يحتاج لسنوات للتوافق مع هذا التصنيف فضلا عن أن أوضاع السوق ليست جيدة بالنسبة لها ولذلك شهدنا ظاهرة «التناحر» بين المقاولين للفوز بالمشاريع الجديدة وطرح أسعار أقل لتكلفة متر البناء حتى يفوزوا بمشروع يضمن بقاءهم بالسوق حتى تتحسن الأوضاع، وبلاشك فإن هذا التناحر له مخاطر كثيرة على قطاع المقاولات ككل.
ارتفاع التكلفة
أما محمد مهنا القبيسي رئيس مجلس إدارة شركة منازل العقارية في أبوظبي فيرى أن تكلفة متر البناء في أبوظبي مرشحة للارتفاع وليس الانخفاض، ومن المتوقع أن ترتفع إلى ما بين 2600 - 2800 درهم عام 2016 مقارنة بنحو 2500 العام الجاري، مؤكدا أن قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع سعر الفائدة سيؤدي لامحالة إلى ارتفاع أسعار مواد البناء في الأسواق العالمية. كما أن حالة الركود التي تنتاب الاقتصاد العالمي إلى زوال قريبا، وبالتالي ستنتعش مرة أخرى مشاريع المقاولات في المنطقة لكن كل ذلك يتطلب بعض الوقت.
مكاسب
وأوضح أن التراجع الحالي في تكلفة متر البناء في أبوظبي حقق مكاسب كبيرة لشركات التطوير العقاري ومشتري الوحدات السكنية، لافتا إلى أن غالبية شركات التطوير العقاري تتفاوض حاليا مع مقاولين على أسعار أفضل بالنسبة لها، وأمامها عدد كبير من المقاولين تختار الأفضل بينهم بالنسبة لها.
وبلا شك فإن المقاولين الجيدين في السوق والقادرين على بناء المشاريع الكبرى ليسوا أكثرية وأعدادهم تتناسب مع مشروعات السوق الكبرى، لكن المشكلة في العدد الكبير من شركات المقاولات والمقاولين الصغار الذين يملأون السوق ويعملون من الباطن وغالبيتهم غير مرخصين ولابد أن يسارع هؤلاء إلى الاندماج مع الشركات الكبرى، وإلا سيخرجون من السوق لامحالة خلال العام المقبل. وأعتقد أن اندماجهم أفضل للجميع لأنهم بذلك سيستمرون في السوق لسنوات مقبلة.
هبوط أسعار حديد التسليح
قال خالد إدلبي المدير العام للشركة العربية لمواد البناء في أبوظبي إن تراجع تكلفة متر البناء يرجع بشكل أساسي إلى تراجع أسعار حديد التسليح، لافتا إلى أن نسبة مساهمة حديد التسليح في المبنى التجاري أو السكني تتراوح بين 15- 20% من التكلفة. وانخفض سعر حديد التسليح من 2400 درهم بنهاية شهر مايو الماضي إلى 1550 درهما بنهاية ديسمبر الجاري.
والسعر يتراجع شهريا لعدة عوامل أبرزها انخفاض أسعار النفط وتراجع أسعار العملة التركية والصينية إضافة إلى تراجع الطلب العالمي على الحديد بسبب بطء أداء الاقتصاد الصيني مما أدى إلى توفر كميات ضخمة من الحديد في الأسواق العالمية، وبلا شك فإن أبوظبي تتأثر بهذه العوامل الخارجية وظهر ذلك واضحا في تباطؤ عمليات تنفيذ المشاريع خاصة خلال الربع الأخير من العام الجاري.
الحديد التركي
وأكد أن تراجع أسعار الحديد التركي كان له تأثير كبير في تراجع تكلفة متر البناء، مشيرا إلى أن الحديد التركي يعد من أنواع الحديد الرئيسية في العالم التي تعتمد عليها الشركات في تنفيذ مشاريعها، وتمثل نسبته في السوق الإماراتي نحو 50% من إجمالي الحديد المعروض في السوق، وأدى انخفاض سعر الحديد التركي إلى خفض سعر حديد شركات الإمارات وقطر، علما بأن غالبية المشاريع الحكومية في أبوظبي تعتمد على الحديد الإماراتي، بينما يفضل مواطنو أبوظبي الحديد التركي في تنفيذ فيلاتهم الخاصة والاستثمارية.
مزيد من التراجع
ولفت خالد إدلبي إلى أن غالبية شركات المقاولات والمقاولين الذين يتعاقدون مع الشركة العربية لمواد البناء للحصول على احتياجاتهم يؤكدون أن تكلفة متر البناء تتجه نحو الانخفاض خلال العام المقبل بصورة أكبر بسبب قلة عدد المشاريع الجديدة المطروحة للتنفيذ إضافة إلى استمرار تراجع في أسعار الحديد، ويؤكد غالبيتهم على أن تكلفة متر البناء قد تتراجع 2500 درهم وقد تتراجع إلى 2400 درهم.
بيانات
أظهرت بيانات حصل عليها «البيان الاقتصادي» من مقاولين يعملون في سوق أبوظبي أن تكلفة متر البناء في أبوظبي تراجعت الشهر الحالي بنسبة 10% عن نهاية النصف الأول من العام الجاري، لتقترب من تكلفة متر البناء قبل الطفرة العقارية التي شهدتها الإمارة بداية 2007 حيث تراوحت التكلفة بين 2900 درهم و2600 درهم عام 2006 بينما ارتفعت بشكل غير مسبوق عامي 2007 و2008 إلى نحو 6500 درهم.



