إثر قرار مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) برفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بـ 0.25 نقطة مئوية، وقيام مصرف الإمارات المركزي للمرة الأولى منذ أكثر من 9 سنوات برفع سعر الفائدة على شهادات الإيداع التي يصدرها للبنوك في الدولة، رجح خبراء ماليون واقتصاديون عودة الاتجاه التصاعدي لأسعار الفائدة على الودائع وهو ما قد يؤدي إلى خفض معدلات التضخم.
كما أنه سيعزز القوة الشرائية للدرهم مقابل عملات أخرى مثل اليورو والين والجنيه الإسترليني.
واستطلع «البيان الاقتصادي» آراء عدد من الخبراء الماليين والاقتصاديين، بشأن الآثار المحتملة والمتوقعة لرفع الفائدة، حيث تباينت آراؤهم بين من يرى تأثيرات إيجابية مباشرة وغير مباشرة، ومن يرى أن تأثيرها لن يكون ملحوظاً في المدى القريب، وخصوصا بالنسبة إلى كلفة الإقراض الاستثماري.
بما يعني ارتفاع كلفة تمويل المشاريع غير ان بعض الخبراء يرون أن ارتفاع كلفة التمويل سيكون بمعدلات هامشية ولن يكون له تأثير جذري على مختلف القطاعات.
وكان مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي قرر الأسبوع الماضي رفع أسعار الفائدة 0.25 نقطة مئوية، وذلك في أول زيادة من نوعها منذ عام 2006 حيث ظلت أسعار الفائدة في الولايات المتحدة عند مستوى مقارب من الصفر منذ عام 2008. وبهذا ترتفع فائدة الإقراض بين البنوك إلى ما بين 0.25 و0.5 %.
وارتفعت أسعار فائدة شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف الإمارات المركزي للبنوك للآجال المختلفة بنسب متفاوتة، حيث ارتفعت بالنسبة لأجل أسبوع من 0.05 % إلى 0.25 % ولأجل شهر من 0.10 % إلى 0.30 % ولأجل شهرين من 0.12 % إلى 0.32 % ولأجل 3 شهور من 0.15 % إلى 0.43 % ولأجل 6 شهور من 0.22 % إلى 0.62 % ولأجل 9 شهور من 0.31 % إلى 0.72 % ولأجل سنة من 0.40 % إلى 0.81 %.
وتوقع مصرفيون أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من الارتفاع في مستويات أسعار الفائدة على الدولار وبالتالي على الدرهم والعملات الأخرى المرتبطة بالدولار.
الاستيراد والتصدير
وقال الدكتور أحمد بن حسن الشيخ رئيس مجلس إدارة دوكاب إن رفع الفائدة الأميركية يعني زيادة قوة الدولار وفي الوقت ذاته انخفاض قيمة العملات الأخرى وفي ظل ارتباط الدرهم بالدولار فسيؤدي ذلك إلى خفض فاتورة الاستيراد بالعملات الأخرى، حيث إن تكلفة الاستيراد من دول اليورو ستنخفض كقيمة (قيمة الوحدة الواحدة للسلع سوف تنخفض) مما يعني أن الشراء سيكون بكميات أكبر وسوف يستفيد المستهلك في النهاية.
واستدرك: لكن في الوقت ذاته فإن رفع سعر الفائدة سيرفع معه كلفة التصدير بالنسبة لصادرات الإمارات غير النفطية لدول اليورو حيث سترتفع كلفتها وستواجه منافسة قوية في قبولها وستنخفض الطلبات.
السياحة والفنادق
ويرى جيرالد لوليس، الرئيس والرئيس التنفيذي لـ مجموعة جميرا أن قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة 0.25 نقطة مئوية، سيكون أمراً جيداً بالنسبة للجميع، مؤكداً أن الصناعة الفندقية بشكل عام عادة ما تكون عرضة لتقلبات سعر الصرف في الأسواق العالمية.
وأضاف نشهد اليوم تراجعاً في اليورو على سبيل المثال وأوروبا تعتبر أحد أكبر مصادر الأسواق بالنسبة لنا، وبالتالي نحن في الصناعة الفندقية عرضة للتغيرات التي تطرأ على القوة الشرائية في الأسواق التي تعد رئيسية بالنسبة لنا، في حين أن الصعوبات الأكبر التي نواجهها اليوم هي في السوق الروسية مع التراجع الكبير للروبل.
حيث كان سعر صرف الروبل قبل نحو عام ونصف العام 32 مقابل الدولار، واليوم لا يزال يحلق حول 72 مقابل الدولار مما يشكل صعوبة بالنسبة للسياح الروس إلى جانب القضايا السياسية الأخرى والتي لا تسمح لهم بالسفر كثيرا اليوم.
هناك أيضا ما يحصل في الصين اليوم حيث يقود الرئيس الصيني ورئيس وزرائه حملة لمكافحة الفساد في الصين وهو أمر جيد، لكن يجد البعض أنفسهم بأنهم لا يستطيعون اليوم التمتع كما كانوا يفعلون في الماضي.
وأضاف: لو نظرنا للأعداد الكبيرة المتدفقة على الإمارات من السياح العام الماضي سنجد أن تلك الأرقام لا تزال كبيرة وتدفقها مستمر، ونجد أنه وعلى الرغم من ضعف اليورو إلا أن تدفق السياح على الإمارات من أوروبا لايزال جيداً للغاية وخاصة السياح من المملكة المتحدة والتي تعتبر مصدراً مهما للسياحة في الدولة عموما ودبي .
خصوصاً وخاصة إلى دبي فتدفق السياح من المملكة المتحدة إلى الإمارات لا يزال قوياً ولا يزال الجنيه الإسترليني قوياً أيضاً، وبالنسبة للسوق السعودية فقد كانت أكثر من رائعة بالنسبة لنا في مجموعة الجميرة حيث كان هناك نمو بنسبة 36% في عام 2015 وحده في تدفق السياح السعوديين إلينا، وهذا ما يحصل دائما في العالم فعندما يتراجع سوق ما فإن ذلك يمثل فرصة لسوق أخرى، وبالنسبة للسوق السعودية رأينا نمواً في حصة السياحة السعودية في الدولة.
القوة الشرائية للدرهم
وقال أسامة آل رحمة رئيس مجلس إدارة مجموعة مؤسسات الصيرفة والتحويل المالي، إن رفع سعر الفائدة الأميركية سيعزز القوة الشرائية للدرهم مقابل عملات أخرى مثل اليورو والين والجنيه الإسترليني، وسيكون لرفع سعر الفائدة تأثير إيجابي على القوة الشرائية للدرهم.
وأضاف آل رحمة إن البنوك في الدولة استبقت أي توجه لرفع سعر الفائدة الأميركية برفعها كلفة الفائدة الداخلية للدرهم وقد شرعت في عمل ذلك منذ بداية النصف الثاني من العام الحالي 2015.
وبالنسبة لقطاع الأعمال في الدولة فتوقع آل رحمة أن يكون هناك ارتفاع في كلفة التمويل داعياً إلى ضرورة وضع حسابات لذلك وإلى ضرورة أن يكون هناك بدائل تمويلية باعتبار أن كلفة التمويل ستؤثر على الكلفة الإجمالية لأية مشاريع.
وبالنسبة للدرهم كعملة فبحسب آل رحمة سيكون هناك أثر إيجابي على الادخار والودائع حيث ستصبح أكثر جاذبية كقيمة عملة مقابل العملات الأخرى على حد قوله.
حركة التحويلات
وقال محمد الأنصاري الرئيس التنفيذي للأنصاري للصرافة: «نظرياً فإنه من شأن رفع سعر الفائدة أن يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار وبالتالي الدرهم كونه مرتبطاً بالدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى والذي من شأنه التأثير إيجابيا على حركة التحويلات .
ولكن في الواقع لا نعتقد أن قطاع الصرافة والتحويلات المالية سيتأثر فعليا على ضوء زيادة نسبة الفائدة في الفترة المقبلة ذلك لأسباب عدة منها ان سعر صرف الدولار يتأثر بعوامل عديدة اخرى غير سعر الفائدة بالإضافة إلى أن الزيادة طفيفة ومتوقعة منذ شهر سبتمبر الماضي وإعلان الاحتياطي الفيدرالي ان الزيادات المقبلة ستكون طفيفة وتدريجية.
لذلك نستبعد أي تذبذبات مفاجئة في أسعار الصرف أو التأثير الكبير على حركة تحويل الأموال من الإمارات إلى الخارج.
وبالنظر إلى المعطيات الراهنة فإن ارتفاع سعر صرف الدرهم في الآونة الأخيرة قد شجّع الأفراد والشركات على زيادة تحويلاتهم المالية إلى عدد من الأسواق الخارجية، وهو ما أسهم في إحداث نشاط كبير في أسواق الصرافة خلال الشهر الماضي خاصة عملات اليورو والبيسو الفليبيني والروبية الهندية والسريلانكية والباكستانية والنيبالية بالإضافة إلى التاكا البنغلادشية والجنيه المصري والدرهم المغربي».
إيجابيات
قال نادي البرغوثي، المدير التنفيذي لإدارة الأصول في بنك الإمارات للاستثمار: "وبما أن أسعار الفائدة في دول الخليج كانت بالأصل أعلى من نظيراتها في الولايات المتحدة وحتى على المستوى العالمي، فإننا لا نتوقع أن يكون تأثير هذه الزيادة جوهرياً على اقتصادات المنطقة، بل من المزمع أن يكون انعكاسها على القطاع المصرفي إيجابياً على المدى القريب إلى المتوسط، وبسيطاً نوعاً ما على القطاعات الأخرى."
تفاوت في حجم الآثار بين الإيجابيات والسلبيات
قال هشام عبدالله القاسم نائب رئيس مجلس إدارة بنك الإمارات دبي الوطني ورئيس مجلس إدارة الإمارات الإسلامي، إن ارتفاع سعر الفائدة يعني بالنسبة إلى الدول الناشئة هجرة رؤوس الأموال منها إلى الولايات المتحدة للاستثمار في الأسهم وسندات الخزينة والسوق العقاري وغيرها، ويؤدي هذا بدوره إلى حرمانها من استثمارات مهمة تدعم اقتصاداتها الوطنية وقدرتها على تحقيق النمو.
وسيكون للقرار تبعات سلبية أيضًا على عملات رئيسية، وخاصة اليورو بعد أن أبقى المركزي الأوروبي على سعر الفائدة من دون تغيير، وسيسجل الدولار ارتفاعًا أيضا أمام الجنيه الإسترليني والين الياباني والفرنك السويسري في المستقبل المنظور على أقل تقدير.
وتابع: بطبيعة الحال، ستبقى عيون الأميركيين مفتوحة على تقلب الأسعار، ومن المؤكد أنهم سيتدخلون في الوقت المناسب كي لا يصاب اقتصادهم بالإنهاك، وسيضعون الحلول الكفيلة التي تضمن تفادي التأثيرات المدمرة التي قد تطال الطلب على الصادرات الأميركية عندما يواصل الدولار ارتفاعه.
وأضاف: على مستوى المنطقة العربية عمومًا، ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، سنشهد صعودًا في سعر الفائدة كلما تم رفع الفائدة الأميركية لارتباط غالبية عملاتنا بالدولار الأميركي، واعتماد المصارف على التمويل الأجنبي.
إذن نحن أمام معادلة قد يراها البعض عصيّة على التوازن، وإن كانت كفتها تميل نحو التوقعات الإيجابية. فمن جانب، يتوقع عودة الأموال المستثمرة في مصارف عالمية إلى السوق المالي الإقليمي للاستفادة من سعر الفائدة المرتفع محليًا وإقليميًا. ومن شأن ذلك أيضًا أن يشجع مستثمرين أجانب على نقل مدخراتهم إلى المنطقة.
ومع أن هذا يعني توافر المزيد من السيولة في دورة رأس المال الإقليمية، إلا أن كلفة تمويل المشاريع ستزداد تبعًا لذلك، وإن كانت بمعدلات هامشية لا يمكن أن يكون لها وقع جذري على حركة مختلف القطاعات. وفي الوقت ذاته قد يفقد الذهب المزيد من بريقه كملاذ تحوط، وربما يواصل رحلة الانخفاض بعد خروج المستثمرين من صناديق الاستثمار المتداولة بالذهب حتى تنجلي رؤية الأسواق العالمية.
أسباب
وقال: قد يسأل البعض عن العوامل التي أجبرت الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها العملاق الاقتصادي العالمي، على إبقاء سعر الفائدة على عملتها بهذا المستوى المتدني، وعدم اتخاذ مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خطوة لرفعها طوال السنوات العشر الماضية تقريبًا، والدوافع المشجعة التي قادته إلى اتخاذ هذا القرار الذي طال انتظاره.
فعندما عصفت الأزمة المالية في أواخر العام 2008، سادت حالة من الركود الحاد الاقتصادات العالمية الكبرى، وكان من بين نتائجها اقتراب معدل سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية من الصفر، عندما حافظ على 0.25 % حتى قبل صدور القرار يوم الأربعاء الماضي.
مواجهة
وذكر أنه طوال فترة تزيد على ست سنوات، ظل الدولار في مواجهة عاتية مع استمرار ارتفاع سعر الذهب، إضافة إلى تدهور أسعار صرفه أمام بعض العملات. بيد أن المتابع للشأن الاقتصادي الأميركي خلال العامين الماضي والجاري، يلاحظ الكثير من علامات التعافي على الاقتصاد الأميركي.
ومن أهمها تدني معدلات البطالة واستقرارها عند أدنى مستوى في سبع سنوات ونصف السنة بنسبة 5 %، وتحسن التضخم، وارتفاع مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي، فضلاً عن تقهقر العوامل الخارجية، بما في ذلك تدني أسعار الذهب والنفط إلى مستويات كبيرة جدًا في ظل هذه المستجدات.
وقد راجت تحاليل رجحت إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على مراجعة السياسة المالية، بما في ذلك احتمال رفع سعر الفائدة، علمًا بأن نظيره البنك المركزي الأوروبي اتخذ قرارًا مغايراً للتوقعات، وجاء مخيباً للآمال عندما قرر تمديد فترة البرنامج التحفيزي حتى مارس 2017، مع أنه كان مقررًا انتهاؤه في سبتمبر 2016، مبقيًا على سعر الفائدة من دون تغيير عند 0.05%، ما تسبب بموجة من الانخفاض في أداء بورصات الأسواق الأوروبية.
ووصول الاقتصاد الأميركي إلى هذا المستوى من التعافي قد شجع القائمين على مجلس الاحتياطي الفيدرالي على إعادة النظر في سعر الفائدة، لأن إبقاءها عند مستوياتها الحالية لفترة طويلة يشجع بعض اللاعبين على الإفراط في المجازفة.
ما سيؤدي حتمًا إلى تقويض الاستقرار المالي، والقضاء على البوادر المبشرة بتحقيق معدلات نمو جيدة في نهاية السنة المالية، علمًا بأن البنك الدولي كان يرى غير ذلك، بل إنه سبق وحذّر الإدارة الأميركية من اتخاذ مثل هذه الخطوة في المستقبل القريب، خشية وقوع الولايات المتحدة بالمزيد من المخاطر السياسية والاقتصادية.
عوامل
أكد هشام القاسم أن العملية برمتها مرتبطة بآليات مهمة تتعلق في المقام الأول بالوضع الاقتصادي الأميركي، ويمكننا أن نُجمل العوامل المحلية الضاغطة على سعر الفائدة بارتفاع معدل البطالة التي تعني عدم قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف الجديدة، إضافة إلى تدني التضخم إلى مستويات غير صحية، والتزام الحكومة ببرامج التحفيز الكمي لدعم المؤسسات الفيدرالية، وإطلاق برامج المعونات الاجتماعية والصحية للشرائح الأحق بالرعاية.






