لم تبتعد استشرافات المشاركين في دورة المنتدى الاستراتيجي العربي عن الواقع كثيراً؛ وقاربت بعضها واقع الحال الذي واجهناه في العام 2015.
وفي أول هذه الاستشرافات التأشير على الرؤية الإقليمية الواضحة لدى كل من دولة الإمارات والسعودية تجاه قضايا المنطقة، وهو ما رأيناه خلال الشهر الماضي منعكساً في إرادة مشهودة في التقدم من معالجة قضايا شائكة وإشكالية، والمساعدة في أماكن أخرى.
ولم تبتعد عن الواقع الإشارات حول الأوضاع في العراق وسوريا وليبيا، التي سارت تتدهور في سيناريو تضمن تصاعداً للتيارات المتأسلمة فيها.
وحيث أثار المشاركون تساؤلات كثيرة وسيناريوهات عديدة بانتظار العام المقبل، من بينها مصير منطقة الشرق الأوسط، ومن سيحسم الصراعات الدولية والإقليمية، على أن دروس التاريخ تصب في خانة استبعاد خيار الحسم والدفع باتجاه استمرار المد والجزر على رقعة امتداد المشرق والمغرب العربي. هل ينهي عام 2015 قبضة «داعش» على أعناق العراقيين، أم أن فصل الانهيار في الموصل سيتمدد إلى الأنبار وعاصمة الرشيد؟ وهل يحيل مشروع تسوية دبابات النظام السوري والمقاتلين الجوالين إلى تقاعد قسري تحت مظلة دي مستورا أو مظلات إقليمية ودولية؟
استشرف المشاركون، في مقاربة صدق عليها الواقع، استبعاد الحسم وغرق المنطقة في تيارات المد والجزر، وتوقفوا عند حقيقة أن ظاهرة العولمة التي تكتسح المجال الاقتصادي، ترافقها ظاهرة أقلمة السياسة، وهو ما انعكس على بروز دور وحضور دول وقوى إقليمية عربية وغير عربية.
وفي المحصلة، فإن الخلاصات التي وصلت إليها الدورة الماضية جديرة بالتأمل، ولهذا نستذكرها في سطور تستعيد أبرز ما جاء في الجلسة الختامية.
حول أسئلة الواقع واستشراف المستقبل، أجاب وزير الإعلام اللبناني السابق غسان سلامة، ووزير خارجية مصر الأسبق أحمد أبو الغيط، في الجلسة الحاسمة التي اختتم بها المنتدى، وأدارتها الإعلامية منتهى الرمحي، حيث أشاد أبو الغيط بالسياسة الفاعلة، التي انتهجتها الإمارات والمملكة العربية السعودية إقليمياً، وبخاصة تجاه مصر.
مقولة كيسنجر
بدأ سلامة حديثه مستشهداً بوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، الذي سبق له أن قال، إنه ليس هناك في السياسة الخارجية خبر جديد، إنما هو فقط التحليل ما يغيّر المواضيع. ماذا عن منطقتنا في السنة المقبلة؟ أعتقد أن هناك اتجاهاً بدأ منذ بضع سنوات، وهو سيستمر في السنة الجديدة، وهو اتجاه نحو مزيد من عولمة الاقتصاد ومزيد من أقلمة السياسة، ما يعني انخفاض مستوى تأثير الدول الكبرى في منطقتنا لحساب الدول الإقليمية الفاعلة.
وحدد سلامة اتجاهات الرؤى للعام المقبل، مؤكداً أن الاتجاه الأول هو مزيد من عولمة الاقتصاد وأقلمة السياسة، والثاني هو أن هناك تأثيرات كبيرة لتحولات السوق النفطية والعائدات النفطية على السياسة الإقليمية،
أما الاتجاه الثالث فرأى أنه يتمثّل في احتمال رحيل بعض قيادات المنطقة عن السلطة، وهذا يؤثّر وبخاصة في الدول التي يتمركز القرار فيها بيد الرجل الأول في الدولة.
الأجندة السياسية
وقال، إن الاتجاه الرابع، هو ضرورة أن نفهم كيف نتوقع نتائج بعض الأحداث والمناسبات في الأجندة السياسية، ومنها الاتفاق السياسي على النووي الإيراني، وخريطة الطريق لتنفيذ هذا الاتفاق.
وأكد سلامة أن إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي بين الغرب وإيران عالية، وهذا سيكون تطوراً مهماً بالنظر لدور إيران في المنطقة.
أما الاتجاه الخامس حسب سلامة فهو «ما سمي الربيع العربي الذي دخل في مسار مختلف من دولة لأخرى، لذلك هذه الدورة من عدم الاستقرار لن ينتهي في السنة المقبلة، كما أن النهايات المتوقعة لن تكون متشابهة في كل دول «الربيع»، الذي سينتهي إلى فسيفساء سياسية جديدة»، معتبراً أن السنوات الأربع الماضية أثبتت أن المنطقة وقعت في أخطاء بالحسابات، بالنسبة لتنظيم داعش والنظام السوري والمسألة المصرية وليبيا. وبالنسبة للقدرات ستخف عما كانت عليه في السنة المنقضية، أما بالنسبة للإرادات، فليس كل من لديه قدرات قرر توظيفها في مكان ما.
التكاتف العربي
ومن جانبه قال وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط، إن عام 2014 هو الأب الروحي للعام 2015. وأضاف، إن هناك وحدات أساسية في البلاد العربية تعرضت للتدمير، مضيفاً أنه تم تدمير سوريا، والعراق في وضع بالغ الصعوبة والتعقيد، وليبيا على حافة الهاوية. وأشار إلى أن الحقيقة الثانية أنه توجد موجة هائلة من المتأسلمين يكتسحون المنطقة وشعوبها بأيديولوجيات متطرفة في مجموعات، منها ما هو مرئي، ومنها ما هو غير مرئي، مرجحاً ألا تنتهي هذه الموجة في 2015.
وتحدث أبو الغيط عن الحقائق التي يرى أنها تعقد المشهد السياسي في المنطقة، مشيراً إلى أن هناك دولتين إقليميتين هما تركيا وإيران تنظران إلى العالم العربي وكأنه مناطق خالية من الثقافة والحضارة، أو أنه امتداد طبيعي لهما، وحق مكتسب ومشروع لمشاريعهما الخاصة، مستشهداً بتصريحات لإيرانيين بأن إيران تطل على البحر المتوسط.
وكذلك بتصريحات لمسؤولين أتراك بأن تركيا سوف تمضي باتجاه تنفيذ سياساتها في المنطقة. ورأى أبو الغيط أن هذه السياسات من البلدين ستستمر في 2015، خصوصاً عند تأكد تركيا بأنها فشلت تماماً على صعيد السياسة الخارجية، وفشلها كذلك في وسط آسيا، حيث أغلقت روسيا الباب أمامها، ما سيشكل حافزاً إضافياً لمزيد من التدخل الإقليمي في دول الجوار.
السعودية والإمارات
وحول الدور الإقليمي لبعض الدول الخليجية في جهود تمكين القيادة المصرية قال أبو الغيط: سيشهد العام المقبل امتداداً للعام الحالي حول السياسة الإقليمية الفاعلة لدولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اللتين أظهرتا وضوح رؤية للمصالح المشتركة وخصوصاً مع مصر، مؤكداً أن تأثير هذه الرؤية سيكون مطلوباً جداً على صعيد دعم القيادة المصرية.
ورأى أبو الغيط أن الدولة المصرية انتصرت والشعب المصري انتصر والقوات المسلحة انتصرت، وأن ما تبقى هو فقط معرفة توقيت انتهاء الحرب الدائرة على الإرهاب، وتحقيق الاستقرار الكامل للانطلاق من جديد.
وحول الملفات الساخنة في المنطقة قال المسؤول المصري الأسبق، إن «توابع ما جرى في مصر سيبقى لسنوات عدة، والعراق سيستمر في الحرب ضد تنظيم داعش مع تحقيق تقدم، لكنه حذر من إيلام سنّة العراق».
وطالب بعدم السماح للمتأسلمين بأن يصوروا ما يجري وكأنه حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين. وبالنسبة لسوريا، توقع أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه مع عودة داعش إليها، ما يدفع إلى ضرورة البحث عن حل سياسي لسوريا، مستبعداً تحقيقه في 2015 إلا لو تم تعديل الاستراتيجية الخاصة بالتعاطي مع الملف السوري.
إقليميا ودولياً
حول الملف النووي الإيراني رأى أبو الغيط أن إيران قريبة من الوصول إلى اتفاق مع الغرب، وهذا سيمنحها نفوذاً ستخرج من خلاله خارج حدودها وكأنها حققت ما لا يمكن تحقيقه، وإذا فشل الحوار فإيران ستحاول أيضاً فرض الهيمنة على المنطقة تحت ذريعة التصدي للعالم الغربي.
وفي الساحة الدولية قال أبو الغيط: إن هناك مؤشرات واضحة على عودة ملامح الحرب الباردة بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة.
تباينات لا مراجعات
تناول غسان سلامة احتمالات إجراء جماعة الإخوان لمراجعات فكرية، فقال إن المسألة ليست مسألة فكرية. ورأى أن المراجعة الفكرية لا تقدم ولا تؤخر، مشيراً في الوقت ذاته إلى تباينات في سياسات الفروع لأسباب موضوعية. في حين رأى أبو الغيط، في هذا السياق، أن جماعة الإخوان لديها قواعد أيدولوجية متجذرة، وهي الأب الروحي لتنظيمات مثل «داعش» و«جبهة النصرة». وقال إن الغرب لا يريد أن يفهم أن هذا التيار يحمل أيديولوجيا معادية، لكنه لم يستبعد أن يقبل عناصر جماعة الإخوان كونهم أفراداً بعد حل الجماعة، وفي ظروف التزامهم التخلي عن أيديولوجيا العنف والأساليب العنفية.

