قد يوحي العنوان للبعض أننا بصدد كيل الاتهامات إلى العلاقات العامة أو المعنيين بهذه الصناعة تجاه القصور في تحقيق تطلعات القطاع العقاري نحو فرصٍ تسويقية أفضل وبالتالي حرمان مكون رئيسي في اقتصاد دبي من فرص نمو تُضاف إلى رصيده العامر، وهذا ما لم أكن لأتطرق إليه أبداً وذلك لبُعد هذا الطرح عن الصحة.
فعقارات دبي باتت متنفساً للاستثمارات العالمية وهذا لما لا ينكره إلا جاهل أو شخصٌ لديه انفصامٌ عن الواقع، وهذه حالاتٌ لست بصدد تناولها في هذا المقام، وإنما هي نظرة في العمق، أُعرج فيها على، ليس ما تم تحقيقه، وإنما ما كان بالإمكان تحقيقه ولم يكن التوفيق حليف آلة العلاقات العامة في إصابة الهدف، مما أضاع بعض الفرص، وهذا ما أتحدث عنه الآن.. «الفرص الضائعة».
عقارات دبي هي الأعلى قيمة بين عقارات العالم على الإطلاق، جملةٌ أعتقد أنني لو تفوهت بها أمام أحدهم، لتلقيتُ سيلاً من الانتقادات حتى من بعض أولئك الذين يعملون في القطاع العقاري.
وقد لا تكون المعلومة نفسها صادمة بقدر ما هي مثيرة للتساؤلات: أين هي إذن عقارات لندن ونيويورك وسنغافورة... وغيرها، ليغيب عن وعي المتلقي، أنني قلت «الأعلى قيمةً» وليس «الأغلى سعراً» والفارق شاسع بين المعنيين.... وهذه فرصة ضائعةٌ أخرى!!
مقارنات
وأسوق هنا بعض المقارنات الحية لإزالة أي لُبس أو إشكال في هذا السياق، حيث تشير بعض الإحصاءات الصادرة عن مؤسسات بحثية متخصصة في المجال العقاري إلى أن مبلغ مليون دولار تؤهل صاحبها لشراء (17) متراً مربعاً في إمارة موناكو، الأغلى عالمياً في أسعار العقارات، بينما المبلغ نفسه يشتري (20) متراً مربعاً في هونغ كونغ، و(34) متراً مربعاً في نيويورك، و(41) متراً مربعاً في سيدني، و(57) متراً مربعاً في مدينة لوس أنجليس الأميركية، والتي تحتل المرتبة العاشرة عالمياً في أغلى أسعار العقارات السكنية في العالم.
في حين أن مبلغ مليون دولار يشتري (150) متراً مربعاً في واحدةٍ من أفخر عقارات العالم، فهل لك أن تتخيل رعاك الله حجم القيمة المضافة التي تتمتع بها عقارات دبي؟!!
أسعار رخيصة
وسأذهب إلى أبعد من ذلك، في الحديث عن هذه الجزئية، إذ يعادل سعر العقار السكني في دبي نصف سعر نظيره في بيروت، وربع سعره في سنغافورة وعُشر السعر في لندن، وأقل بنسبة 30% عن اسطنبول التركية.
وأضيف حقيقة أخرى مفاجئة للقارئ، وهي أن أرقى كيلو متر مربع في العالم ودانة دبي الجديدة، منطقة برج خليفة، والتي تضم أعلى صرح بناه الإنسان على وجه الأرض «برج خليفة»، لا يتخطى فيها سعر القدم المربع حاجز الـ 800 دولار بأي حالٍ من الأحوال، بهذا المنطق تكون عقارات دبي قد تربعت على عرش القيمة الأعلى في العالم.
فهذه الأسعار الرخيصة تتيح للمستثمر هوامش ربحية عالية لا يحلم فيها مقارنة بالأسواق العالمية الأخرى التي باتت تعاني حالة من التضخم والإشباع قد تحيل أي أرباح قليلة متوقعة إلى خسائر، وهذا ما حذرت منه عدة تقارير عالمية متخصصة صدر آخرها قبل أيام معدودة.
فأين علاقاتنا العامة من هذه الفرصة الضائعة وإخضاع هذه الحقائق إلى استراتيجيات تسويقية احترافية تحاكي تعميق هذه الصورة في ذهنية الخارطة العقارية العالمية.
قيمة مضافة أخرى أحب أن أتوقف عندها لأنها تشكل عائقاً كبيراً أمام العديد من الدول لاستقطاب الاستثمارات العقارية، وهي الرسوم العقارية، والتي سجلت فيها دبي، أقل قيمة بين نظيراتها العالمية على مستوى 110 دول بواقع 4%، في الوقت الذي تفرض فيه اليابان 7%، بريطانيا 7% و15% ماليزيا.
مزايا استثمارية
إن هذه القائمة التي لا تنتهي من المزايا الاستثمارية تجعل من دبي المدينة العالمية الوحيدة تقريباً القادرة على تحويل حلم مستأجريها بالتحول إلى الملكية دون أن يُصاب بعلامات الشيخوخة والتقدم في العمر، لأن حلم موظفٍ ماهرٍ في القطاع الخدمي لشراء شقة متوسطة تتألف من غرفتين، عليه الانتظار 20 عاماً من العمل المتواصل ليتحقق في مدينة كهونغ كونغ.
وإذا كان شراء الشقة ذاتها في مكانٍ آخر يتطلب فترة أقل، فهذا لا يعني إطلاقاً أن المعضلة قد حُلت، إذ عليه الانتظار 14 عاماً ليتملك في لندن، مع العلم أن نسبة السعر إلى الدخل في هونغ كونغ ولندن هي الأعلى في العالم.
لذا على المستثمرين أن يأخذوا باعتبارهم أن أسواقاً كتلك متضخمة عما هي عليه قيمتها الحقيقية، ينبغي أن يلغوا في قاموسهم ارتفاع الأسعار على المدى المتوسط (بنسب تحقق لهم ربحية معقولة في ظل جنوح الأسعار والمبالغ الطائلة التي استثمروا فيها)، إن لم نقل إن عليهم توقع الخسارة في ظل الظروف الاستثمارية المتقلبة التي يمر بها العالم راهناً!!
علامة فارقة
واستطاعت عقارات دبي أن تشكل علامة فارقة في تصاميمها وطريقة تنفيذها ورفاهيتها، مما جعلها تتصدر قائمة أفخم 10 عقارات في العالم إلى جانب أسماء عريقة كموناكو ولندن.. إلخ، لكنها تفوقت على هذه الأسماء في قيمتها الاستثمارية العالية، فعائدها السنوي في عام 2014 بلغ 10%، وفي العام الجاري 8% ليبقى متفوقاً على نيويورك مثلاً بنسبة 200%.
وتتضاعف هذه النسبة إلى 300% عند مقارنتها بالأسواق العقارية الصاعدة للبرازيل وروسيا والصين والهند، التي لا تزال أسواقها تسجل انخفاضاً مطرداً.
إن كانت الفرص الضائعة التي نحن بصددها اليوم، قد تاهت أو ضلت طريقها عن خارطة عمل شركات علاقاتنا العامة أو عن أقسام العلاقات العامة في الشركات العقارية، فهي لم تغادر أبداً ذهن الصحافة وأولئك الذين يعملون على الطرف الآخر، حيث أود أن أشاطر القارئ الكريم ما نقلته مجلة «إي.في» البريطانية أخيراً.
وأنقل النص هنا كما ورد لأمانة النقل العلمي: «لا يوجد هناك منافس لدبي في طموحها لتصبح عاصمة التجارة والسياحة، حتى لاس فيغاس لا تحظى بهذه الفرصة فدبي هي عاصمة الاستعراض، والتجارة والسياحة»، وأنا أقول: لا يمكن لصحيفة بحجم «إي.في» أن تطل على جمهورها وتبني رأيها هذا من فراغ.
وإن كانت بعض الفرص قد ضاعت فإن فرصاً أخرى أكبر وأعمق بانتظار من يقطفها، والتي تتطلب ذهنية علاقات عامة جديدة تتخطى الدور التقليدي لخبر هنا وفعالية هناك، أدت الوظيفة منها في المرحلة السابقة، والآن نحن بحاجة إلى أدوات أخرى تناسب مرحلة الـ 300 مليار القادمة من مشاريع عقارية عملاقة تُحضّر لها الإمارة على مدار السنوات الخمس المقبلة.
