يتفق عاملون في قطاع الإنشاءات المحلي على أن تقلبات أسعار سوق الطاقة عموماً والنفط خصوصاً إلى جانب انخفاض اليورو شجع دول مجلس التعاون الخليجي على زيادة حجم مشروعاتها حصوصااً في قطاع البنى التحتية ، بينما تحولت تقلبات العملة إلى أمل متجدد في أجندات الشركات الأوروبية لزيادة إنتاجيتها وصادراتها، ولكي تصبح أكثر منافسة في السوق المحلي مع المعدات والآليات الأميركية والآسيوية وتحديداً اليابانية، لكن ثمة معادلة أخرى تفرض نفسها وهي أن الشركات الأوروبية تركز على سعر صرف الدولار نسبة لأن العملة الأميركية هي الأهم بالنسبة للتجارة العالمية، فيما تلعب قوة الين الأخيرة دوراً حيوياً في إنعاش صادرات ألمانيا.

وكان اليورو انخفض بنسبة 19% مقابل الين في السنة الماضية وهو ما يقارب ضعفي انخفاضه مقابل الدولار. وبلغ إجمالي انخفاض اليورو منذ أغسطس 2008، نحو 36%. وتصب قوة الين في مصلحة صناعة الآليات وشركات السيارات الألمانية التي غالباً ما يتخذ منافسوها الرئيسون من اليابان مقراً لهم.

استثمارات

أشار آندي وايت نائب رئيس «دي إم جي إيفنتس» إلى أن الكثير من الشائعات لاحقت سوق المقاولات عبر تضخيم الآثار المحتملة لأسعار النفط في أسواق الإنشاءات، إلا أن جميع دول مجلس التعاون واصلت ضخ الاستثمارات في قطاعات الإنشاءات والإسكان والرعاية الطبية. على سبيل المثال كشفت دولة الإمارات عن المزيد من المشروعات المزدهرة. علاوة على ذلك، أعلنت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي أن شبكة السكك الحديدية الخليجية تسير وفقاً للمواعيد المحددة، وأنها تمضي قدماً في الطريق المرسوم لموعد التسليم في عام 2018. وضاعفت دولة الكويت قيمة العقود فيها أكثر حتى ثلاث مرات هذا العام، كما أن الحكومة السعودية أوضحت بجلاء عزمها على مواصلة الاستثمار.

منافسة

وتظهر حدة المنافسة بين البلدين بشدة في دول التعاون، التي تشهد مشاريع بنية تحتية ضخمة تقدر بنحو تعتزم استثمار نحو 200 مليارات دولار في مشروعات البنية التحتية، في الفترة ما بين عامي 2016 و2020، فضلاً عن تنافسها على سوق البناء والتشييد في الصين، التي تعتبر سوقاً سريعة النمو بالنسبة للعديد من الشركات الألمانية، لكن قرب المسافة يرجح كفة الصادرات اليابانية.

تفاؤل

هذا التفاؤل الأوروبي يعكسه تشاؤم أميركي عبر استطلاع لصحيفة وول ستريت جورنال، التي استفتت 63 اقتصادياً عن تأثير ارتفاع الدولار وتأثيره على النمو الاقتصادي الأميركي، فمعظم الاقتصاديين رأوا أن ارتفاع الدولار وقوته سيحدان من النمو الأميركي على الأقل في بداية النصف الأول من العام.

تعاف

قال هولجر أمان مدير شركة «ليبر الشرق الأوسط»، إن تعافي وانتعاش قطاع المشاريع، إضافة إلى النمو الكبير في عدد المشاريع الجديدة في دول الخليج، سيؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في حجم الطلب على المعدات والمركبات الثقيلة في المنطقة. من دون الإشارة إلى تقلبات العملة.

اعتماد

يعتمد سوق الإنشاءات بالدرجة الأولى على الصناعات اليابانية المتخصصة، لنجاحاتها الباهرة في التنفيذ البارع لمفاصل عمل المقاولات. وتشترط غالبية الجهات الحكومية وشركات القطاع الخاص على المقاولين، تنفيذ المشروعات بمعدات يابانية حديثة، لا يزيد عمرها على 3 أو 5 أعوام. ويفضل المقاول المحلي شراء الآليات والمعدات المستخدمة في البناء على نظيراتها المخصصة للإيجار لسببين: الأول تقارب أسعارهما، والثاني لحداثتها والمواصفات الجديدة على الأخرى القديمة ذات العمر الافتراضي شبه المنتهي.

تقول إنترناشونال هيرالد تريبيون، إن صادرات ألمانيا انخفضت بشكل غير متوقع على أساس شهري العام الماضي. ويقول أوليفر واك المتخصص في الشؤون الصينية في اتحاد المهندسين الألمان: تنتشر الصناعات اليابانية في كل مكان وأنها تتميز بالمنافسة العالية.

وفي حقيقة الأمر، اكتسبت الشركات الألمانية حيزاً معتبراً في السوق الصينية في العام الماضي، حيث ارتفعت صادراتها من 20,6% إلى 22,9%، في الوقت الذي تراجعت فيه الصادرات اليابانية للصين إلى 24,1% من نسبة 27%.

ونسبة لأن حركة العملة الصينية مربوطة بالدولار، فيرتفع الين مقابل اليوان حتى في ظل انخفاض قيمة اليورو، لكن يحذر الاقتصاديون ومديرو الشركات من أن هناك أسباباً أخرى تقف وراء الأرباح الألمانية.

مثلاً، تستفيد ألمانيا من استثمارات الصين الكبيرة في البنى التحتية مثل مصانع الطاقة، التي تفضل شركات مثل سيمينز الألمانية، لكن اللافت أن دبي على سبيل المثال تجمع بين الاثنين على الرغم من أن هناك القليل من الشركات الألمانية التي تشتكي من قوة الين.

ويقول إستيفين أليستنر المتخصص في الصادرات في معهد أيفو للأبحاث الاقتصادية في ميونيخ، إذا كانت اليابان تملك عملة قوية، فإن ذلك يصب مما لا شك فيه في مصلحة الشركات الألمانية. وبالرغم من قلة الأرباح، إلا أنها مهمة بالنسبة لألمانيا. وأضاف ارتفاع الدولار مقابل اليورو 3% إلى 4% إلى الصادرات الألمانية، بينما لم يضف ارتفاع الين أكثر من 1% فقط، لكن تعتبر هذه النسبة على قلتها مهمة بالنسبة لشركات تتنافس مباشرة مع الشركات اليابانية.

ونتج ضعف الين قبل سنوات عدة عن الانخفاض الكبير في أسعار الفائدة في اليابان، التي جعلت السندات اليابانية والأصول الأخرى أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب، لكن البنك المركزي الأوروبي خفض هو الآخر أسعار الفائدة عند حلول الأزمة المالية العالمية لأدنى حد عند 1%، ما يعني أن أسعار الفائدة التي يكتسبها المستثمرون ليست بأفضل من العودة إلى الين.

إضافة إلى ذلك، يعتبر نمو اليورو المتأرجح في معظم دول منطقة اليورو طارداً للمستثمرين، الذين يتخوفون من وضع أموالهم في أوروبا مقارنة باليابان، لكن ربما لا تتوفر هذه المزية الآن في ظل انخفاض أسعار الفائدة في جميع دول العالم.

ويميل ممثلو الصناعات الألمانية للتقليل من أهمية أسعار الصرف، حيث يفضلون التأكيد على الأسباب الأخرى التي تعزز أفضلية استراتيجياتهم ومنتجاتهم على تلك التي لمنافسيهم. وذكر أحد المتحدثين باسم فولكس فاجن أن شركته بدأت في أخذ حصة تويوتا في الأسواق نسبة لجودة صناعتها، وليس للتحول في قيمة الين.

تصنيع

تقوم العديد من الشركات العالمية الآن بتصنيع منتجاتها في مناطق مختلفة من العالم وذلك نسبياً لحمايتها من تذبذبات العملات، وتقوم كوكا مثلاً بتصنيع الآليات في شنجهاي وألمانيا والمجر، إضافة إلى شرائها للقطع من اليابان.

وتنافس شركة «ليبهر» الألمانية لصناعة معدات البناء شركة «تادانو» اليابانية في مجال الرافعات المتحركة، لكن ومنذ قيام «تادانو» بصناعة الرافعات في ألمانيا عبر إحدى الشراكات، فان قوة الين لا تعود بأي فائدة من الفوائد لهذه الشركة. وفي المسح الذي أجرته الحكومة مؤخراً على 102 شركة من شركات التصدير، توقعت 60% منها انخفاض أرباحها مستقبلاً نسبة لقوة الين، وتنادي بعض الجهات الرسمية في اليابان بإضعاف قيمته الآن.

توجهات

تعتبر التكلفة المبدئية لليورو أو الين ثانوية في الأسواق المتخصصة في آليات المصانع أو المعدات الثقيلة، التي لا تقل فيها قوة الشركات اليابانية عن الألمانية. وأصبح المتعاملون من دول التعاون على وجه التحديد يدققون في عوامل مثل كفاءة الطاقة، التي ربما تصبح من عوامل التكلفة المهمة على المدى البعيد.

طلب متزايد على سوق المعدات وآليات البناء

قال موردون لمعدات وآليات البناء اليابانية الثقيلة والخفيفة في السوق المحلي: إن حجم السوق الذي ينشطون فيه يصل إلى 10 مليارات درهم، حصة دبي لوحدها 30%، إذ توجد نحو 75 ألف قطعة في مشروعات إنشائية في الإمارة، لكنهم قالوا بأن سوق تأجير المعدات والآليات أقوى أداء من سوق البيع.

وأشاروا، إلى أن سوق الآليات والمعدات الذي يصل عدد لاعبيه الكبار من الشركات العالمية، وتحديداً اليابانية، أكثر من 25 علامة، تتعرض لضغوط بسبب أوضاع العملة اليابانية، لكن ازدهار هذه السوق يقوم بعملية تعويض مدفوعة بنمو القطاع العقاري، وإعادة إطلاق العديد من المشروعات السياحية والترفيهية والعقارية والإنشائية، والتوسع في أعمال قطاع البنى التحتية، بحسب موردين، ووكلاء لشركات دولية متخصصة في القطاع.

وأكدوا أن ثلاثاً من بين كل أربع شركات في مجال الإعمار تتوقع ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الإنفاق على المشاريع في منطقة الشرق الأوسط خلال العام المقبل، كما أن الدراسة التي أجرتها مؤسسة «بي دبليو سي»، تتوقع أن يحتل الإنفاق على البنية التحتية نصيب الأسد بين استثمارات حكومة الإمارات.

نمو

قال المهندس محمد أحمد بن كوير مدير الإنتاج في شركة الواسط للمعدات، أحد أكبر الموردين في السوق المحلية: إن الطفرة العقارية التي شهدتها الإمارات، رفعت الطلب بشكل كبير على معدات ومركبات وآليات البناء الثقيلة والخفيفة، ما أدى إلى ازدهارها على نحو واضح. لكنه أضاف: إن قيام بعض الملاك والمطورين بتأجيل بعض مشروعاتهم، لم يكن العامل الوحيد المؤثر في انتعاش سوق معدات البناء، إذ أدى تزايد سعر صرف الين مقابل الدولار، إلى تعريض هذه السوق إلى ضغوط كبيرة لم يكن بالإمكان امتصاصها، لولا عودة الحركة إلى السوق مجدداً، بدعم من النمو الاقتصادي المحلي بشكل عام.

وتوقع تقرير صدر عن معرض «المصانع والآليات والمركبات» الذي يقام في دبي سنويا، ارتفاع عائدات قطاع البناء والتشييد خلال الثمانية عشر شهراً المقبلة. وقال التقرير، الذي أعدته لمعرض الخمسة الكبار شركة «فنتشرز الشرق الأوسط»: «إن سوق معدات الحفريات الثقيلة شهدت معدل نمو سنوي مركباً قدره 1٫67% بين 2008 و2012، على الرغم من الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2009، وقللت المبيعات بنسبة 34%».

وتوقّع التقرير أن تشهد سوق آليات الإنشاءات في العالم انتعاشاً في عام 2015، تصل قيمتها في ضوئه إلى 145٫5 مليار دولار.