قرار الصين خفض أسعار صرف عملتها يشبه في نتائجه إلى حد كبير دهاء الإمبراطور خْوَانْغْ تي في إنهاء تناحر مجموعة من القبائل قبل 5 آلاف عام ليوحدها تحت ما بات يعرف لاحقا باسم الصين.

فقد أنجبت مخيلة ذلك الإمبراطور كائناً خرافياً هو التنين، وجمع في شكله رمز كل قبيلة من القبائل المتناحرة فرأسه رأس جمل أمّا قرونه فقرون الأيائل، وأذناه أذنا ثور، جسمه جسم أفعى أما جلده فمن حراشف السمك وكذلك ذيله، قوائمه قوائم نمر أمّا مخالبه فمخالب نسر.

هكذا اقتنع الجميع ورضوا لأن التنين امتصّ نقمة المهزومين وأرضى المنتصرين في تسوية ذكيّة تاريخية حققت مكاسب اقتصادية وسياسية وأسست لبروز قوة عظمى اسمها الصين.

لقد كان التنين ولا يزال بمثابة الخيط الذي تنتظم فيه حبات السبحة.

لا يمكن لأحد التكهن بمقدرة بكين على تحاشي غرفة الإنعاش مؤقتاً أو حتى في المدى البعيد.. فالصين ليست أميركا التي شيدت أمجادها على رفع سقف الدين والهيمنة الاقتصادية ولو بالقوة المفرطة أو القوة الناعمة. لكن ما الذي يمنعها أن تصبح مثلها؟

اليوم.. تأكدت الصين بأن حبات تلك السبحة قد تنفرط بسبب تباطؤ النمو وتراجع صادراتها وتزايد حجم جبل ديونها 77% ليصل إلى 29 تريليون دولار في 2020، فسارعت بكين إلى سيناريو التنين؛ والتنين هذه المرة "تنين اقتصادي" يقوم على خفض سعر العملة وتقديم ائتمانات للشركات الأكثر كفاءة المنتصرة والحيلولة دون انهيار الشركات الفاشلة المهزومة.

هاجس بكين اليوم ليس في مواصلة جعل اليوان الصيني عملة الاحتياط الأولى عالمياً، بدلا من الدولار الأميركي هاجسها النجاة من الشتات والتركيز على النمو وعدم تناحر الشركات، واستنزاف طاقاتها وتوحيدها، وزيادة نموها ورفع معدلات الصادرات.

وقيام الصين بخفض عملتها بنسبة أكبر مما قامت به قبل ربع قرن إيذاناً بتحولها إلى أكبر مصدّر في العالم، وأكبر مستثمر في السندات السيادية وثاني أكبر اقتصاد في العالم، لن يمر مرور الكرام من أمام البضائع والمنتجات المقومة بالدولار أو اليورو.

ورغم أني شخصياً، أشكك فيمن يرى في ذلك إعلانا لحرب عملات عالمية من جانب الصين لكني لا أشكك تأسيساً على الوقائع بأن الصين ستجر العالم برمته إلى أزمة اقتصادية أكبر وأعقد من أزمة سوق الرهن الأميركية في 2006 ما لم يلتئم الكبار إلى طاولة حوار تقي العباد شر النار، التي ستأتي على الأخضر واليابس، لكن من فم تنين يحتضر.

mushreq@albayan.ae