بوتيرة التغيير المتسارعة في عالمنا اليوم، تتلاشى المصطلحات وتتقزم معانيها، فمن رضا المتعاملين إلى إسعاد المتعاملين، وبالتبعية من رضا العاملين إلى إسعاد العاملين، لم تعد كلمة رضا ترضينا، وأصبحت السعادة ما نبتغيه.
وفي ظل هذا التوجه الجديد لقيادتنا الحكيمة، قلة هم من يتكلم عن إسعاد الموظف. وإسعاد الموظفين والعاملين في اعتقادي ويقيني لا يقل أهمية عن إسعاد المتعاملين، حيث لا نتوقع متعاملاً سعيداً بينما الموظف لا ينعم بهذه السعادة، فكما كان لرضا العاملين الدور الكبير في تحقيق رضا المتعاملين، فإن ذلك أيضاً ينسحب على السعادة. وما يؤكد ذلك نتيجة دراسة أجرتها شركة جالوب ..
وهي منظمة أميركية تأسست 1935 لتقديم الاستشارات الإدارية، خلصت هذه الدراسة بعد استطلاع أكثر من 25 مليون موظف في 189 دولة مختلفة إلى أن 87% من الموظفين على مستوى العالم لا يشعرون بأنهم مرتبطون بوظائفهم، وعدم الشعور بهذا الارتباط نتيجة لعدم شعورهم في الأصل بالرضا الوظيفي، وفي الشرق الأوسط كانت النتائج أسوأ مما كانت عليه في الدول المتقدمة الأخر.
وفي دراسة للخبيرة نانسي لوكود خلصت فيها أن الموظف المرتبط بعمله يكون أداؤه أفضل بنسبة 20% من باقي الموظفين غير المرتبطين بأعمالهم، وفرصة مغادرته للشركة وتسربه منها هي أقل من غيره بنسبة 87%. وفى دراسة لشركة هاي لاستشارات الموارد البشرية خلصت إلى أن الشركات التي يرتبط فيها موظفوها بشركاتهم أكثر انتاجية بنسبة 43% من الشركات الأخرى.
هذه الدراسات وما تتضمنه من نسب تثبت أننا أمام ظاهرة تستوجب حلولاً عاجلة وفاعلة لمشكلة تتفاقم عالمياً وسيكون تأثيرها على الإنتاجية والاقتصاد كبيرا بلا شك.
ونحن في الإمارات وبفضل الرؤية الثاقبة لقيادتنا الحكيمة استشعرنا ذلك مبكراً وما يؤكد على ذلك ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه «ومضات»: «لا بد من تحقيق السعادة لموظفيك حتى يستطيعوا تحقيق السعادة للمجتمع» رابطاً سموه سعادة المجتمع بسعادة الموظف داعيا إلى الإبداع والتميز في العمل بعيداً عن المعنى التقليدي للوظيفة.
فلنتأمل جلياً حجم الخسائر التي تتكبدها المؤسسات والهيئات والشركات التي لا تتبنى إستراتيجية فاعلة لتحقيق سعادة موظفيها وما يترتب على ذلك من خسائر للمجتمع نتيجة لهدر الطاقات البشرية وعدم استغلالها الاستغلال الأمثل، وعدم ارتباط الموظفين بوظائفهم.
إن خلق السعادة في بيئة العمل تتطلب رؤية واضحة واستراتيجية تضع مقولة «المورد البشري أهم الموارد على الإطلاق»، و«الموظف أهم مواردنا» موضع التنفيذ في جو تسوده الشفافية ويعطي للموظف مجالاً رحباً للإنتاجية المتميزة وللابتكار والإبداع.
مما سبق نخلص بنتيجة مفادها: أن من أسباب تحقيق إسعاد المتعاملين لابد من إسعاد الموظفين (العاملين)، وهكذا ينصهر المتعاملون والعاملون في بوتقة السعادة، فيتحقق المجتمع السعيد الذي ينعم بالسعادة.
محاضر في كلية ادارة الاعمال ـ الجامعة الاميركية في دبي