تشتهر إمارة الشارقة بمشهدها الثقافي المتنوع ومقتنياتها التاريخية، وتعد التجارة من العوامل الرئيسية التي ساهمت في تكوين هذا الإرث الثقافي والتاريخي للإمارة، التي كانت مركزاً تجارياً على مر العصور، إذ تقع على مفترق العديد من طرق التجارة القديمة الواصلة بين الشرق والغرب.
ويعد (سوق العرصة) أحد أهم الأسواق القديمة بالدولة، إذ جرى على أرض هذا السوق عمليات تبادل تجاري بدءاً من نظام المقايضة مروراً بمختلف العملات النقدية.
وتعمل حالياً هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) من خلال مشروع قلب الشارقة على تطوير الأسواق والمقاصد التاريخية بمنطقة قلب الشارقة، لتطويرها دون التأثير على الأجواء التقليدية والتاريخية بها لتكون مقصداً سياحياً رئيسياً مميزاً بالإمارة والدولة.
منذ اللحظات الأولى التي تعبر فيها البوابة الخشبية المرصعة بقطع من النحاس إلى داخل السوق، الذي يقع بالقرب من بيت النابودة ومجلس المدفع في منطقة قلب الشارقة، يتسلل إليك شعور بالتواجد في مكان استثنائي، تستلهم منه الأجواء القديمة للمدينة والتي تلمسها في أشكال البضائع المنتشرة داخل المحال والدكاكين.
مقتنيات مميزة
فأبواب الدكاكين داخل السوق شبه متلاصقة، وتعج بمئات القطع التراثية من خناجر وبنادق قديمة وأوانٍ فضية وحلي ومختلف الأدوات التراثية التي كانت مستخدمة في مجتمع الإمارات قديماً إلى جانب مقتنيات قديمة واردة من عمان والسعودية واليمن وإيران وباكستان، ما يجعل حكاية السوق لا تقتصر على حدود الإمارة فقط بل يتعدى صداها إلى مناطق بعيدة.
فالبضائع المنتشرة داخله ترصد تطور الأدوات والمقتنيات للمتجمعات العربية والأسيوية، إضافة إلى أحجار كريمة ولؤلؤ وأصداف تتعدد أشكالها وألوانها.
ويعد السوق، الذي يضم أكثر من 70 محلًا، وجهة للنخب من هواة جمع التحف والمهتمين بالتاريخ، ويحمل اسمه معنى البقعة المرتفعة الفارغة بين البيوت، والتي كانت تجلب إليها البضائع ويتم تبادلها بنظام المقايضة قديما. وكان السوق فيما مضى نقطة التقاء رحلات تجار البدو وجمالهم المحملة بالبضائع.
وتمت إعادة ترميمه وتسقيفه للسماح للزوار والسياح بالتجول على طول الأزقة بداخله في أجواء مكيفة. خلال شهر رمضان، يشهد السوق هدوءاً كبيراً إذ تقتصر الحركة بداخله على السياحة المحلية التي تستهدف الاستمتاع بالأجواء القديمة أكثر من شراء مقتنياته. قال ميزار زان، شريك بمحل للتحف والمقتنيات الأثرية داخل السوق، إن أشهر الصيف وتحديداً منذ منتصف مايو حتى سبتمبر تعد الحركة ضعيفة للغاية داخل السوق.
وتابع أن (سوق العرصة) نظراً لطابعه المميز واحتوائه على مقتنيات ذات قيمة تاريخية، يستهوي في المقام الأول السياح الأجانب الراغبين في اقتناء المشغولات اليدوية التراثية، والمقتنيات الفضية القديمة، ولذا يعد الموسم السياحي، خلال الفترة من أكتوبر حتى أبريل، الأكثر نشاطاً والتي تشهد حركة تجارية قوية داخل السوق في عمليات البيع والشراء كبيرة.
إقبال موسمي
وأوضح أن متوسط الإقبال اليومي على السوق خلال الموسم السياحي تتراوح بين 15 و18 حافلة سياحية يومياً ما يعادل ما بين 400 إلى 500 سائح، لافتاً إلى أن السياح من الصين وكوريا وألمانيا وإسبانيا.
وتابع أن الدعم الذي تحصل عليه المحال سواء على صعيد تخفيض رسوم الرخص والإيجارات السنوية أو الخدمات المختلفة من كهرباء ومياه، تسمح للمحال داخل السوق بعرض المنتجات بأسعار معقولة للسياح وهو ما يجعله جاذب ومنافس عن المجال التي تعرض منتجات تراثية داخل المراكز التجارية الكبرى بالدولة نظرا لارتفاع أسعارها.
وأضاف أن السوق لا يستقطب فقط هواة جمع التحف، وإنما أيضاً يعد وجهة لأصحاب المقتنيات القديمة من مختلف الدولة بالمنطقة، ممن يأتون لتثمين وبيع مقتنياتهم القديمة داخل السوق، وتحديداً من اليمن والمغرب والسعودية وعمان، وحتى إيران وباكستان، مشيراً إلى أن الخناجر والسيوف القديمة كانت فيما مضى أحد أهم وأعلى المقتنيات ثمناً داخل السوق.
إلا أنه في ظل اختلاف توجهات الشراء لدى السياح الأجانب وتركيز أغلبهم على شراء هدايا تذكارية بسيطة وخفيفة الوزن لاعتبارات السفر، بدأت المحال داخل السوق تركز بشكل أكبر على التوسع في المقتنيات والمشغولات اليدوية والخفيفة، إذ لم يعد للخناجر الفضية والأواني والأباريق النحاسية طلب كبير بين الزوار، فيما عدا قلة قليلة من هواة جمع التحف.
تنوع
وبين المشغولات اليدوية من منسوجات ومجوهرات، وتحف خشبية وصناديق عربية مطعمة باللؤلؤ. يعرض ميزار داخل المحل مجموعة من أجهزة الفوتوغرافية القديمة، وأجهزة التسجيلات والراديو، ضمن الأنتيكات داخل المحل، ما يعكس حجم التنوع الثقافي الذي يمثله سوق العرصة.
فالبضائع داخل السوق تضم تجسد مختلف أوجه الأدوات الحضارية القديمة، إذ يضم عملات نقدية وحتى الصحف والمجلات القديمة والتي ترجع إلى أربعينيات القرن الماضي. فكل قطعة داخل السوق لديها حكاية تستحق أن تروى، حتى تفصيل وحياكة الملابس داخل دكان الحياكة الوحيد بالسوق لديه قصة، إذ يرجع تاريخه لأكثر من 50 عاماً، ويعد من أقدم المحال داخل سوق العرصة.
بحسب ما أوضح محمد ميزان، خياط رجالي، متخصص في حياكة الكندورة الإماراتي، وأيضاً الجلاليب السعودي والقطري، مشيراً إلى أن كل زي له تفاصيل تختلف عن الآخر. وأوضح أن المحل لديه زبائن يأتون خصيصاً له من مختلف الدول الخليجية.
وبدوره قال محمد نظام، مشرف بمحل للتحف والمشغولات اليدوية، إن المحل لا يعتمد فقط على السياح الأجانب، وإن كان جزء رئيسي من دخله يحققه خلال الموسم السياحي، إلا أنه يعمل على تنويع المنتجات بداخله لتجذب أيضاً المواطنين والمقيمين بالدولة، إذ يعرض المحل مجموعة متنوعة من المقتنيات من ضمنها لوحات قديمة لسيارات أميركية وبريطانية، إلى جانب الخناجر والسيوف، والمشغولات الفضية، وعدد كبير من الملابس التراثية.
مشيراً إلى أن صاحب المحل يمتلك مجموعة من الأسلحة القديمة التراثية والتي يقدمها في محله للعرض فقط وليس لبيع.
ولايزال السوق مقصداً لمن يريد شراء سجاد يدوي أصيل بكل أنواعه ومقاساته، وهناك دكاكين أو محال متخصصة في بيعه دون غيره من البضائع، إلى جانب محل لبيع التبغ، وآخر للعود والبخور، إلى جانب محال للصور الفوتوغرافية القديمة التي تروي قصة السوق والإمارة والدولة. فضلاً عن المقهى التراثي في منتصف السوق والتي تعد الأكثر نشاطاً على مدار العام.
15 عاماً
يعتبر «قلب الشارقة» أكبر مشروع تطوير وترميم تراثي في المنطقة، وتستمر الفترة الزمنية المخططة لتنفيذ المشروع 15 عاماً، إذ من المقرر أن يكتمل بحلول عام 2025 بإحياء المنطقة والارتقاء ببنيتها كي تصبح وجهة ثقافية نابضة بالحياة من خلال ترميم المباني التاريخية، وإنشاء مبان جديدة ذات هندسة معمارية تقليدية في شكل فنادق ومطاعم ومقاه ومعارض فنية وأسواق، لتتيح للجيل الحالي والأجيال القادمة فرصة للتعرف ومعايشة، تاريخ إمارة الشارقة الاجتماعي والثقافي.



