قال خبراء في التمويل الإسلامي إن الانخفاض الحاصل في أسعار النفط يُسلّط الضوء على فرص الدمج والاستحواذ في المصارف ونوافذ الصيرفة الإسلامية في الدولة والمنطقة وهو ما يعّزز صناعة التمويل الإسلامي. وأضاف الخبراء أن انخفاض النفط يعيد إلى الواجهة مسألة التركزات الائتمانية في البنوك التقليدية، خصوصاً وأن أرصدة الحكومات الخليجية هي في الغالب مع البنوك التقليدية.

في المقابل استبعد الخبراء أن يكون لانخفاض أسعار النفط انعكاس على نوعية الأصول الحكومية لدى البنوك التجارية لأن الحكومات الخليجية هي في وضع قوي جداً ولن تتأثر خدمة ديونها أو التزاماتها بتراجع أسعار النفط، لافتين أن قيام الحكومات بتمويل العجز عن طريق إصدار سندات دين وصكوك إسلامية سوف يوفر للبنوك قناة استثمارية جيدة.

ولفت الخبراء إلى أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أقل عرضة للمخاطر المرتبطة بانخفاض أسعار النفط وذلك لأنها محمية بأصول حقيقية تستطيع من خلالها تقليل مخاطرها.

فرص اندماج

وقال سيد فاروق مدير أسواق رأس المال الإسلامية العالمية في «تومسون رويترز» إنه في حالة وجود أزمة أخرى في الثقة فمن الممكن أن توجد بعض من الفرص الهامة للاندماج والاستحواذ خصوصاً بالنسبة للنوافذ الإسلامية في المصارف ذات التركزات الائتمانية الكبيرة خصوصاً إذا ظل الاقتصاد العالمي في حالة تعاف..

وذلك لأن تلك المصارف قد تختار تصفية نوافذها المصرفية الإسلامية إذا احتاجت لزيادة النقد لتخفيض ميزانيتها العمومية بشكل سريع.

وأضاف: «النوافذ الإسلامية في البنوك تشكل حصة كبيرة من الأصول المصرفية الإسلامية، وهي مسؤولة عن تحقيق الكثير من النمو في الأصول، وتدور في هذه الآونة تساؤلات فيما إذا كانت البنوك ستحافظ على قوة واستقلالية تلك الأصول أو أنها ستتأثر بسبب اتصالها بالمصارف التقليدية.

وتشير بعض الأدلة إلى أنه سيكون هناك مزيج من التأثيرات، لذا ستكون المصارف الإسلامية الأقل تأثرا بانخفاض السيولة - أو تباطؤ معدل نمو السيولة، وستتأثر النوافذ الإسلامية بدرجة قليلة، بينما ستكون المصارف التقليدية - ذات التركزات الائتمانية الأعلى - الأكثر تأثرا».

أصول قوية

من جانبه استبعد الرئيس التنفيذي لمجموعة البركة المصرفية الدكتور عدنان يوسف أن يكون لانخفاض أسعار النفط انعكاس حقيقي على نوعية الأصول الحكومية لدى البنوك التجارية وذلك بفضل الوضع المالي القوي للحكومات الخليجية.

وأضاف: «نحن نتفق أن أرصدة الحكومات هي في الغالب مع البنوك التقليدية، ولكننا لا نتفق أن انخفاض أسعار النفط سيكون له انعكاس على نوعية الأصول الحكومية لدى البنوك التجارية لأن الحكومات الخليجية هي في وضع قوي جدا .

ولن تتأثر خدمة ديونها أو التزاماتها بتراجع اسعار النفط. بل نرى العكس أي أن قيام الحكومات بتمويل العجز عن طريق إصدار سندات دين وصكوك إسلامية سوف يوفر للبنوك قناة استثمارية جيدة».

سيولة قوية

وأضاف يوسف أن النظام المصرفي في الإمارات يتمتع بظروف سيولة قوية، لافتاً إلى أنه وفي ظل انخفاض أسعار البترول وتراجع أسعار الفائدة وتنافسية الأسعار في سوق إقراض الشركات، فإن معظم بنوك الإمارات لا تزال تشهد بعض الانخفاض الإضافي في صافي هوامش الفائدة الخاصة بها. وأضاف: «ومع ذلك، كان ذلك الانخفاض متوازناً مع الانخفاض المستمر في مستوى القروض المتعثرة في البنوك.

ونلاحظ أن هنالك تحسناً مستمراً كذلك في نوعية أصول البنوك الكبرى الذي تزامن مع تعزّز أداء القطاع العقاري لترتفع بالنتيجة قيمة الضمانات التي تحتفظ بها البنوك مقابل القروض المتعثرة، ليثمر ذلك بيئة مصرفية أقدر على خفض نسب القروض المتعثرة. ومع تحسن جودة الأصول وقيمة الضمانات...

وانخفاض تكاليف التمويل مع تحسن مزيج الودائع والسيولة في النظام المصرفي، كانت أبرز التغيرات أو التحولات التي شهدها القطاع المصرفي في الإمارات خلال الفترة الماضية هو التحسن على مستويات مختلفة وتحقيق نمو جيد في صافي أرباحها كما تؤكد البيانات التي يعلن عنها في هذه الآونة».

من جانبه قال رفيق الدين شيكو، الرئيس التنفيذي لـ «دينار ستاندرد» ان التحديات الرئيسية التي تواجه قطاعات الاقتصاد الإسلامي تتمثل في الجدل المتعلق بنزاهة الصناعات الحلال والتحديات الجيوسياسية التي تواجه كل ما يُصنف بأنه «إسلامي» في مواجهة التطرف الديني الذي يقوده تنظيم داعش والجماعات المرتبطة بها. وكلاهما يحدّ من إمكانية توسيع نطاق الصناعات الحلال في الأسواق الاستهلاكية الإسلامية...

كما يؤديان إلى نزاع دولي أكبر. وأضاف: «علاوة على ذلك، توجد تحديات هيكلية وتشغيلية تواجهها هذه القطاعات. والتحديات الرئيسية هي: التنظيمات، والمعايير، والامتثال، والمواد الخام المصنفة بأنها حلال، نزاهة سلسلة التوريد، وتطوير وتدريب رأس المال البشري، وثقافة المستهلكين..

والتواجد العالمي فيما يتعلق بالالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية - الصناعات الحلال - المنتجات الإسلامية المناسبة للمسلمين والعائلات، وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل المشاريع، وحماية الملكية الفكرية، والتميز التشغيلي، والجودة، والتنافسية، والابتكار والحلول المربحة».

عامل النفط

وحول احتمالات تأثر القطاع المصرفي الإسلامي في الإمارات بهبوط أسعار النفط، توقع توقع بليك جود مدير البوابة الإلكترونية للتمويل الإسلامي في «تومسون رويترز» أن يؤثر انخفاض أسعار النفط على المصارف الإسلامية في الإمارات، كما سيؤثر على المصارف التقليدية في الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي.

وأفاد أن نسبة القروض إلى الودائع في مصارف الإمارات ازدادت بالتزامن مع ازدياد الائتمان المصرفي بحوالي 5% أسرع من زيادة الودائع خلال نهاية شهر يونيو (وذلك قبل تراجع أسعار النفط). وأضاف: «سيكون لهبوط أسعار النفط تأثير مبدئي يتمثل في انخفاض السيولة الحكومية والتي من شأنها أن تتسبب في خفض نمـــو الــــودائع، ورفع نسبة القـــروض إلى الـــودائع وتقـــــليل السيولة في المصارف..

حيث شهدت المصارف الإســلامية بشكل عام نموا في الودائع بنسبة أعلــى من نمو القروض في العام الماضي بينما انعكس هذا الأمر في المــصارف التقلــــيدية. وقد اقترن هذا مع ارتــــفاع متوسط الرصيد النقــدي لدى المصارف الإسلامية (بسبب محـــــدودية فرص إدارة الســـيولة)، الأمر الذي من شأنه أن يدعم التوقعات بتحــــقيق المصارف الإسلامية لنتائج أفضــل من المصـــارف التقليدية المنافسة.

انخفاض المخاطر

وقال الدكتور محمود سيد عبد العال الرئيس التنفيذي للشركة الإسلامية للتمويل »آفاق«، ان البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية هي أقل عرضة من مثيلاتها التقليدية من حيث التعرض للمخاطر المرتبطة بانخفاض النفط وذلك نظرا لتحديد استثمارات هذا النوع من المؤسسات بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية وبالتالي الابتعاد عن المشتقات والمجازفات المالية ذات المخاطر العالية.

وأفاد أن المــصارف الإسلامية تهتم بسياسية التنوع في منتجاتها وتشكيل محافظها المخـــتلفة لتقليل المخاطر، لذا فإن المصارف الإسلامية لديها تدخلات قليلة جدا في سندات الديون نتيجة للموجهات الشرعية مقارنة مع البنوك التقليدية..

ذلك أن المصارف الإسلامية لا تستطيع الدخول في أوراق المداينة التقليـــدية العادية مثل صكوك الخزانة نتيجة للموجهات الشرعية والأخلاقية للمصارف الإسلامية. نتيجة لذلك فإن المصارف الإسلامية تواجه القليل من المخــــاطر لأنها محـــمية بأصــول حقيقية تستطيع من خلالها تقليل مخاطرها.

وأضاف: »البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تمثل جزءا لا يتجزأ من النسيج المالي للدول حاليا. وبتأثر هذه الدول بالانخفاض المستمر في أسعار النفط، تتأثر هذه البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بصفة آلية«.

آثار تراجع أسعار «الذهب الأسود» تتفاوت حسب الدول

تختلف الآثار المترتبة عن تقلبات أسعار النفط في الدول تختلف بحسب حالة كل دولة، أي إن كانت مستوردة أو مصدرة للنفط. هذا ما أكده الدكتور محمود عبد العال الذي قال إن تراجع أسعار النفط له آثار إيجابية على الدول المستوردة للنفط، وبالتالي على النسيج المالي ككل (إسلامي وتقليدي) وذلك من جوانب شتى، منها أن الدول المستوردة تستفيد من الانخفاض في الأسعار باستيراد هذه المادة الحيوية بتكلفة أقل..

وعليه فإن ذلك يؤثر إيجابيا وبشكل مباشر على الميزان التجاري للدولة. كما أن التكاليف تنخفض بالنسبة لقطاع الأعمال، وتنخفض بموجبها الأسعار بالنسبة للمستهلكين، وهو ما يؤدي إلى زيادة في الاستهلاك، وبالتالي تنشيط الدورة الاقتصادية...

إضافة إلى أن النسيج المالي بصفة عامة والنسيج المالي الإسلامي بصفة خاصة يتأثر من حيث توفر السيولة وانتعاش الدورة الاقتصادية وزيادة الاستهلاك في الخدمات المالية الإسلامية، وهو ما يحفز المستثمرين على مزيد من الاستثمار، وبالتالي مزيد من الطلبات التمويلية الإسلامية مما يرفع معدلات النمو، وبالتالي تنخفض البطالة وينتعش الاقتصاد.

وفي المقابل قال عبد العال ان تراجع أسعار النفط له آثار سلبية على الدول المصدرة للنفط، وبالتالي على النسيج المالي وذلك من حيث تراجع معدلات النمو الاقتصادي لديها.

وبالتالي تراجع في أسواق المال والخدمات المالية الإسلامية بصفة خاصة، حيث ان الإقبال على استهلاك الخدمات المالية ينخفض، وهو ما نراه يحصل اليوم في دول مثل فنزويلا وإيران، كما تتأثر عملات هذه الدول والتي تتراجع مع تراجع أسعار النفط.

لا تأثير مباشر على القطاع المالي

استبعد الخبراء أن يكون القطاع المالي بما فيه البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في دول الخليج عرضة للتأثر بصفة مباشرة بانخفاض أسعار النفط. على المدى القصير، مضيفين أنه ومع أن بعض الدول المصدرة تحتفظ باحتياطيات مالية كافية تؤهلها للتجاوب مع تراجع أسعار النفط لفترة معينة.

ولكن على المدى الطويل تتأثر هذه الدول مع نفاد الاحتياطيات لديها، وبالتالي فإن خطر العجز يهدد ميزانيات الدول النفطية في حال استمرار تراجع أسعار النفط. وأشاروا أنه ومن ناحية أخرى، فإن تراجع أسعار النفط قد يؤدي إلى الانكماش من حيث الأسعار. وبما أن البنوك المركزية تستهدف معدل تضخم منخفض..

فإن تراجع أسعار النفط يؤدي إلى الضغط على التضخم نحو التراجع بصورة أكبر، مما يخلق ورقات ضغط على البنوك المركزية التي تستهدف معدلات تضخم معقولة.

ومن ناحية أخرى يترتب على تراجع أسعار النفط اختلال التوازن بين العملات المختلفة في العالم، حيث يرتفع الدولار الأمريكي، مقارنة بالعملات الأخرى، وخاصة التي تعتمد صادراتها على النفط مثل روسيا وفنزويلا ونيجيريا وإيران. مع أن العملات الخليجية، ما عدى الكويت، اختارت تثبيت عملاتها مع الدولار.