تباينت آراء مختصين وعاملين في السوق العقاري بشأن تداعيات ما يحدث في أسواق الطاقة والعملات على اداء السوق العقاري في دبي. وبين من قال لـ «البيان الإقتصادي» إنه يرى تأثيراً محدوداً قال آخرون انهم لا يرون أية تأثيرات على الإطلاق.
غير أن عددا كبيرا من المحللين يرون أن هذه المخاوف في غير موضعها، إذ ان ايرادات النفط لا تدخل القطاع العقاري مباشرة بل تذهب لخزينة الدولة، وتقرر الحكومات المبالغ التي تخطط ضخها في اقتصاداتها عبر الإنفاق الحكومي، وتجلى ذلك بالميزانيات الضخمة التي جرى رصدها لعام 2015.
ويتحدث متشائمون عن احتمال أن تفقد طفرة السوق العقارية في دبي بعضا من عنفوانها بسبب هبوط أسعار النفط، غير أن قناصي الفرص من المستثمرين يبتسمون لمعرفتهم بأن الطلب الكبير على العقارات سيحول دون انهيار الأسعار على الأرجح، لاسيما وأن أغلب المشاريع التي جرى طرحها أخيرا يجري تطويرها تلبية لمتطلبات استضافة إكسبو 2020.
وأجمع هؤلاء على أن العرض والطلب هو المحرك الأساس الذي يعكس الأداء الحقيقي للسوق العقاري، وتختلف العوامل المؤثرة في العرض والطلب سلبا أو إيجابا بحسب كل سوق عقاري والمناخ الاستثماري والموقع الجغرافي والجيوسياسي في هذا البلد أو ذاك..
وتبقى العملــية الاقتصادية برمتها والسوق العقاري المحلي على وجه التحديد غير مكشوف على مخاطر ما يجري في أسواق الطاقة والعملات، بشهادة البنك الدولي ومنظمات دولية وخبراء ومراقبين.
رواية الفقاعة
وبينما اختفت الروايات والتحليلات التي كانت تتحدث عن (فقاعة عقارية جديدة في دبي) بسبب قيام بعض شركات التطوير العقاري بإطلاق حزمة كبيرة من المشاريع العقارية على خلفية تزايد الطلب وفوز الإمارات بإستضافة إكسبو 2020 في دبي..
إلا أن اللافت ظهور روايات جديدة إلى السطح خلال الأيام القليلة الماضية تدور جميعها في فلك ما يسمى بالتأثيرات السلبية المحتملة على السوق العقاري، تأسيساً على التراجع الحاد في أسعار النفط، مروراً بانخفاض عدد السياح الروس الذين عادة ما يكونوا لاحقا من مشتري العقارات وانتهاء بتقلبات اليورو.
ثقة المستثمر

من جهته قال مدير عام دائرة الاراضي والأملاك سلطان بطي بن مجرن ان المستثمر العقاري فرداً أو شركة هو العامل الرئيس في رسم ملامح السوق وأدائه وهو الذي يحدد شكل العرض والطلب بقراراته سواء في سوق البيع أو الإيجارات.
وقلل بن مجرن من تأثيرات ما يجري أسواق النفط وحتى أسواق المال العالمية على السوق العقاري المحلي، وقال ان النتائج الرسمية تشير إلى حفاظ السوق على جاذبيته وبدء رحلة جديدة في مسيرته تقوم على تحقيق نمو مستدام بعيداً عن المضاربات.
وحول تقارير تحدثت عن تراجع أعداد السياح الروس ومن ثم تراجع عدد المستثمرين بسبب تردي العملة الروسية، أوضح بن مجرن أن المستثمر الروسي في السوق العقاري احد أكبر المستثمرين العقاريين في السوق، وفي العام الماضي اشترى المستثمر الروسي بأكثر من ملياري درهم قيمة أكثر من 1000 صفقة فيما ضخ المستثمر البريطاني 9 مليارات درهم، لكن يجب أن لا نتناسى بأن عدد الجنسيات التي تستثمر في عقارات دبي يصل إلى 150 جنسية تقريبا.
مؤكداً بأن المستثمرين عموماً والأوروبي والروسي خصوصا يدركان جدوى الاستثمار في السوق العقاري المحلي، وجرباه على مدى سنين طويلة، ولم نلحظ قيامهما ببيع أصولهم العقارية في دبي..
ونحن نلتقي يوميا بالعديد منهم وكلهم يتحدثون بلغة متفائلة عن عقارات دبي، ول يس واردا في حسابتهم التخلي عن ممتلكاتهم العقارية أو عدم الاستثمار، سواء للمرة الأولى أو مواصلة الاستثمار. لافتاً إلى أن المهم التركيز على ثقة المستثمر وزيادتها وترسيخها فهي في النهاية من يرسم قرار الاستثمار، وتبقى العوامل الأخرى ثانوية.
سياسات

وحول رؤيته لأزمة انخفاض أسعار النفط قال خالد بن كلبان العضو المنتدب وكبير المسؤولين التنفيذيين في شركة دبي للاستثمار إن أسواق المال ستتأثر مؤقتاً ولكن لا يجوز التعامل مع الهزات الاقتصادية وكأنها نهاية العالم، لذا فإن الحد من تأثيرات تقلبات الأسعار في الأسواق المالية يعتبر من أهم السياسات التي تنتهجها الشركات في عملها اليومي.
وأكد أن هذه الهزة مؤقتة ولن تطول ولن تترك آثاراً عميقة على مسيرة الاقتصاد في الإمارات، لا سيما وأنه متنوع المجالات وبالتالي تتنوع مداخيل الدولة ومداخيل القطاعين العام والخاص، ولا تتجاوز نسبة اعتماده على النفط أكثر من 30% وباقي المداخيل تتحقق من قطاعات مختلفة.
وأضاف الرئيس التنفيذي لشركة دبي للاستثمار أن الإمارات تمتلك القدرة على الاستمرار في مشاريعها المختلفة بالوتيرة السابقة نفسها، إن لم تكن بوتيرة أعلى نتيجة الانتعاشات المتوقعة بعد إطلاق خطة دبي لعام 2021، حيث شهدت الأسواق المالية ارتفاعات تعتبر تاريخية، وصلت في أحد معدلاتها إلى نسبة 13%.
تكلفة البناء

كان رأي علي راشد لوتاه رئيس مجلس إدارة نخيل العقارية مغايرا تماما فيما ذهبت اليه الروايات والتحليلات التي تتحدث عن تأثر السوق العقاري بأزمات أسواق الطاقة والمال، وأجاب «البيان الاقتصادي»:
نحن نعلن بشفافية تامة عن ارباح الشركة بنمو تجاوز 40% عند 3.7 مليارات درهم، ولو كانت هذه النتائج المعلنة غير كافية لمن يعتقد بأن للنفط علاقة بالسوق العقاري فعليه أن يقترح علينا ما يجب أن نقدمه غير الأرباح المتأتية من مشاريعنا، التي شهدت بيعا وتأجيرا لم نشهده سابقا لا على صعيد حجم الإقبال وعلى صعيد الزمن القياسي الذي يؤجر أو يباع به المشروع.
لكن لوتاه قال ان اسعار النفط قد تؤدي إلى انخفاض تكلفة الوقود في قطاع الإنشاءات وهــــذه بدورها قد تقود إلى خفض نسبي في تكلفة البناء وهو ما يعود على المطور والمستثمر بالفائدة، لكنها لن تكون كبيرة في كل الأحوال.
نقطة ثانية أثارها لوتاه وهي قلة عدد المقاولين المختصين بالمشاريع العملاقة في السوق فأغلبهم (مشغولون بمشاريع عديدة) وهذا يعطي انطباعاً كافياً بأن حركة التشييد لم تتوقف بسبب عدم تعرقل مسار صناعة التطوير العقاري سواء على صعيد القطاع الخاص أو الحكومي.
رأي آخر

ويختلف مع لوتاه، كريج بلومب، رئيس دائرة البحوث في شركة «جيه إل إل» الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا)، الذي قال ان أي تغيير لم يطرأ خلال العامين الماضيين على تكاليف البناء.
بل انه توقع عودة تضخم التكاليف في عام 2015، وبصورة خاصة المشاريع المستقلة، حيث سيكون باستطاعة المطور الرئيسي للمشروع فقط التفاوض على عقود بناء ثابتة السعر.
ويعكس ارتفاع تكاليف البناء الزيادة العامة في تكاليف المعيشة في دبي والمنافسة الإقليمية القوية على موارد البناء بين دولة الإمارات العربية المتحدة وأسواق دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، مثل قطر والمملكة العربية السعودية، بحسب بلومب.
تنوع مصادر الطلب يحمي الوحدات العقارية من التراجع
أوضح تقرير لشركة سي بي آر إي أنه حتى لو تراجع الطلب على الوحدات العقارية في إمارة دبي، فإن هذا التراجع لن يكون له أهمية كبيرة، بسبب تنوع مصادر الطلب على عقارات دبي..
إذ أوضحت دائرة الأراضي والأملاك في دبي أن المواطنين اشتروا خلال النصف الأول من عام 2014 نحو 25% من إجمالي الوحدات العقارية المعروضة في دبي، فيما اشترى الهنود خمس المعروض، والبريطانيون 12%، والسعوديون 3%.
وكتبت نايت فرانك عن السوق في دبي "في مستهل 2015 من المرجح أن يفضي ضعف المعنويات بسبب انخفاض أسعار النفط.
وحالة عدم التيقن في منطقة اليورو في الوقت الراهن إلى ضعف الاستثمارات من الخليج وأوروبا في العقارات السكنية، لكن البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الأراضي والأملاك في دبي أظهرت أن المستثمرين المواطنين اشتروا ربع العقارات التي بيعت في الإمارة في النصف الأول من 2014، بينما اشترى السعوديون سبعة بالمئة من العقارات المبيعة والهنود الخمس والبريطانيون 12 بالمئة.
وحتى إن طال أمد النفط الرخيص وأدى لتباطؤ النمو فقد تنمو الثروات في بقية دول العالم ومن المرجح أن يجد جزء من هذه الأموال طريقه إلى مدن مثل دبي.وهذا وجه اختلاف مهم عن 2008 حين قلصت الأزمة العالمية الثروات على مستوى العالم.
وخلص التقرير إلى التأكيد أنه من المحتمل أن يكون تأثير النفط في أسعار العقارات نفسياً أكثر من كونه تأثيراً اقتصادياً، بسبب أن سوق العقارات ليس في وضع الصعود، نتيجة تجنب الكثير من الزيادات المفرطة التي قادت إلى نشوء الفقاعة العقارية الأخيرة.
أما مؤشر كوليرز انترناشيونال لأسعار المنازل في دبي فقد سجل صعوداً بنسبة 14 % في 2014 مقارنة بالعام الماضي، ليصل سعر القدم المربعة إلى 1506 دراهم، كما صعدت أسعار الشقق الصغيرة بنسبة 23 % والفلل 20 %.
استقرار
التأثير السلبي تم تضخيمه

قلل روبرتسون الرئيس التنفيذي لشركة جيه إل إل ـ الشرق الاوسط وشمال إفريقيا مما اسماه العامل المثبط الرئيس خلال الأشهر الأخيرة، ممثلا في المخاوف من التأثير السلبي لانخفاض أسعار النفط على الاقتصاد الإماراتي، ومن ثم على سوق العقارات، وقال لقد جرى تضخيمه أكثر من حجمه.
واوضح روبرتسون، أن القطاع العقاري في دبي شهد استقرار متوسط الأسعار والإيجارات خلال الربع الرابع من عام 2014، وبدأ العام الجديد بينما يواجه قطاع العقارات المحلي بعض التحديات.
مشيراً إلى أن سوق الضيافة وصل ذروة مستويات دورته الزمنية ويواجه تحديات متزايدة؛ ونحن ندخل عام 2015. وتعتبر قوة الدولار الأميركي السبب المباشر لتباطؤ نشاطها، والذي جعل دبي مكلفة نسبياً للقادمين من الاقتصادات التي لا يهيمن عليها الدولار الأميركي.
عقارات دبي لن تتأثر بما يجري

قال ماثيو غرين رئيس الأبحاث في المنطقة بشركة سي. بي.آر.إي «إذا تطلعنا من منظور قطاع العقارات فحسب نجد أنه بينما هناك ثمة سلبيات محتملة ان لم تكن معدومة، فثمة أيضا ايجابيات محتملة عديدة».
وقال: لا أتوقع أن يؤثر انخفاض أسعار النفط على السوق العقارية في دبي على المدى الطويل، لأن الطلب موجود، إن لم يكن من هذا المستثمر أو ذاك، فسيأتي أولا من المستثمر الإماراتي، ومن ثم من الهند والصين وأوروبا.
رفع الرسوم
قلصت الإجراءات التي اتخذتها أراضي وأملاك دبي وتعليمات البنك المركزي المضاربة قصيرة الأجل على العقارات، إذ رفعت الدائرة رسوم التسجيل العقاري، فيما رفع البنك المركزي حجم الودائع المطلوبة مقابل قروض الرهن العقاري. ورغم حديث المطورين العقاريين عن ارتفاع الأسعار إلا إنهم أصبحوا أكثر وعياً في تحديد الأسعار واستهداف المستخدم النهائي عنهم قبل عشرة أعوام.
تراكم
تراكمت الاحتياطيات المالية لدى الإمارات والسعودية والكويت وقطر في السنوات الخمس الأخيرة، ما يتيح لها مواصلة الإنفاق حتى في ظل تراجع أسعار النفط. لذا من المتوقع أن يكون تأثر أسعار العقارات بهبوط النفط نفسيا أكثر منه اقتصاديا، كما أن السوق أقل تقلبا منها في مستهل التباطؤ الأخير بفضل تفادي التجاوزات في الطفرة الأخيرة.
